فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث
العُقْم الموْروث
يوميات فنان مهاجر
العُقْم الموْروث
***
ا كانت دارنا الجديدة بالناظور جِدُّ عتيقة. لِأنّها بِناية إسْبانية بدأتْ جُدْرانها تتآكَل بِفِعْلِ الزّمن. وكانت تتكون من دارٍ في الرّصيف بِدونِ طابقٍ عُلْوي، ما عدا السّطْح الذي كُنّا نتوجّسُ هلعاً عندما نصْعدُ فوْقه خوْفاً أنّ يتهاوى ويسْقُط وينْهار. تتكوّن من غرفتين مُتداخِلتين، ومطبخ صغير في حالةٍ يُرْثى لها، وفناءٌ ضيق بِمرحاض أرْضي قديم. الغرفة الأولى فرّشتْ فيها أمّي حصيرة وهيادِر ووسائد لِتصْلح للجلوس في النهاروالنّوْم ليْلاً، مع مائدة خشبية مُسْتديرة لِلْأكْل. وفي الغرفة الثانية الضّيِّقة، سرير كبير تنامُ فيه أمّي مع اِخْوتتي معاً. ومكْتبٍ خشبِيٍّ قديم بِدُرْج اِشْترته أمّي لِنضَع كتبنا وأدواتنا المدرسية فوقه وندرس عليه. وفي نفْسِ الوقْتِ تسْتعْمِلُ أمّي دُرْج المكْتب لِإخْفاءِ خاتمها الفِضِّي الوحيد الذي تبقّى لها من كُلِّ مُجوْهراتِها وحِلْيِها التي باعتْها، وكذالك نُقود المصارف التي كُنّا نسْرقُ مِنْها بعض الدُّريْهِماتِ خُفْيةً من أمّي المِسْكينة لِأدْخُل السينما. وكُنّا نرى السّوق ومركز رجال المطافِئ من عتبةِ باب دارنا لِقُرْبِها. كما كنّا نذهبُ يوميّاً إلى ادارة مكافحة الحرائق المُجاوِرة لِنمْلأَ بعض الجرّات بالماء الصّالِح لِلشُّرْب.ء
و وأمامنا على اليمين مخبزة أو فرّان لِبيع الخبز وصيدلية. كل شيء كان قريباً. حتى مدرسة الرّاهبات ومدرستي إبن خلدون والجمعية كانت كلها قريبة من مَسْكنِنا عكْسَ حُجْرة "ثيميزار" البعيدة بِكيلومِتْرات عن دارِنا ببني سيدال. وكان اسْمُ شارِعِنا الذي اسْتقرّيْنا فيه بعض السّنوات: "المغرب العربي".ة
ك كان اليوم الأحد، وقد اٍجْتمع جميع أفراد الرِّحْلة المُشَتِّةَ في البيت منذ هِجْرتنا الدّرامية. وكانت أمّي قد أتتْ بِإخوتتي حورية وثمونْت لكي تقْضِيانِ عطلة نهاية الأسبوع في دارنا لِأنّنا اشْتقْنا لِرُؤْيتهما. وجاءَ أخي عبد الله الذي كان يُقيمُ في الجامع القريب من الجمعية لِأنه كان مسْؤولٌ بعد الصلوات عن فتْح وإغْلاقِ المسجِد الوحيد آنَذاك في الناظور الذي بُنِيَ في السّنوات العشرينات، وذالكَ بالإتّفاق مع المُقدّم الحاج احمذ الذي كان يُحْسِنُ إليْه ويُشجِّعه على الدِّراسة والعبادة، ويُكلِّفُهُ بتلك المُهِمّة الشّاقّة، وهي الإسْتيقاظ دوْماً وكلّ صباحٍ قبْلَ الفجْرِ في الشِّتاءِ والصّيْف، من أجْلِ فتْحِ أبْواب بيْتُ الله لِلْمُصَلّين لِتُفْتَحَ أبواب الجنّة لِأخي الحارِس ويرْبح الكثير من الحسنات..! الشّيء الذي رُبّما أثّرَ في عبد الله لاحِقاً لِيتخرّجَ من المعهد الأصْلي لِدراسات علوم الشّريعة. فسلّمَ له بِصِفةٍ نِهائية مفاتيح المسجد والصّوْمعة التي كان يُقيمُ فيها، يعْبُدُ الله تعالى ويُطالعُ دروسه الدّينيّة.ء
ك كان الوقت العاشرة صباحاً. وكنّا أنا وإخْوتتي الصّغيرتين على رصيفِ دارنا في الخارج نتأمّل ونسْتطْلِع مَنْ هم جيرانُنا. وعندما رأينا أمّي تأمر أخي مُحمّادي أن يذهب إلى السوق لِيشتري ما تطْبخهُ لنا لِلْغذاء، طارتْ عليه أختي ثمونْت تُعانقه وتُترجّاهُ أنْ تذهب معه. وتبعْناهما أنا وأختي حورية لِنرى السّوق جميعاً لِأوّلِ مَرّة.ة
ك كان لِلسّوقِ بابٌ عِمْلاق وسور أبيض مَحيطٌ به من جميعِ الجِهات.ت
سوق الناظور في الخمسينات والذي تحول الى سوق المركب
و ووراء الباب بيْتٌ صغير يجلس فيه "المُسْتَحْسِب" لِمُراقبة البضائع الدّاخِلة إلى السوق وأداء الواجِبات الضّريبية عنْها. وهو من مُخلّفات الاِسْتِعْمار الإسْباني مع آثارٍ أخْرى قليلة مُبعْثرة هُنا وهُناك في المدينة التي كانت مُحْتلّة. أمّا الدّاخِل، فكان عِبارة عن ساحة كبيرة، كلّ بائعٍ له مكانه الذي يبيع فيه بضائعه. ما عدا الجِهة اليُمْنى من السّور التي كانت مَبْنية على شكْلِ دكاكين صغيرة مُخصّصَة لِلْجزّارين وبائعي السّمك. كما كانت فيه مجْزرة مُلْحَقة بِالسّوق تتكوّن من بيتان واسِعان ومِرحاض وساحة متوسِّطة، كان باشا المدينة أعْطاها لنا لِلْإقامةِ الدّائمة وبدونِ مُقابِل، وذالكَ بِإيعازٍ من الكاتب العامّ السّيّد بن عزّوز أحمد رحمه الله. والتي كان يُقيمُ فيها أخي مُحمّادي مع زوْجتِه فتيحة الجميلة أخْتُ "المُسْتَحْسِب" الذي سيصيرُ صهْرنا، والذي كان كلّ مَنْ يعرفُهُ من سكّانِ الناظور آنَذاك، يُسمّونه "إسْماعيل ياسين" لتشابُهِهِما الكبير...ة
ك كانتِ السنة الثانية مع المعلمة العمراني هي الوحيدة التي أمْضيْتُها في مدرسة بالناظور، مُسْتفيداً مِنْها كمّاً وكيْفاً. وأكْثرها غِلَّةً ومُتْعةً وابْتِهاجا. لَيْسَ لِأنّها كانت تبْذُلُ مجْهوداً جبّاراً في تعْليمنا لِأنها كانتْ تعي أنّ الوقت المُناسِب لِلْفهم والإسْتيعاب هو وقت الدّرس مع المعلّم. وأنّ مكان التّعلُّم هو القِسْم والمدرسة. ولهذا كانت تتناول درسها بِهُدوء وتشْرحُهُ جيِّداً وتسْأل التلاميذ واحِداً واحِداً لِقِياس مدى اسْتيعابهم، وهل حقّقتْ هدفها التّرْبوي أمْ لا. ثُمّ تُعيدُ الشّرْح مُسْتعينة بِوسائل الإيضاح المُتاحة مع استعمالِ الأمْثِلة والإشارات والصّوروالكِتابة على السّبّورة. كُلُّ هذا من أجْلِ إفْهامِنا الدّرْس كما ينْبغي ونسْتوْعِبه جيِّداً،اً قبل أنْ نُغادِرَ حِصّتها. وعْياً مِنْها بِضرورةِ اسْتِغْلالِ وقت الحِصّة وإفْهامِها جيِّداً لِكيْلا تضْطرّ لِإعْطاء تلاميذها واجبات مدرسية تُثْقِلُ بِها كاهلهم، وقد ينْفُروا من المدرسة التي تُصْبِحُ جاثوماً يتْبعهم في كُلِّ مكان ويتحوَّل إلى كابوسٍ طفيلي مُزْعِج، يُنْغِص عُطلهم وأوْقات فراغهم. ولاسَيّما أنّ هذه الواجبات المدرسية تجاوزها الوقت، وأنّها لا تُفيد التلميذ بل تُؤخّره حسب عديد من التّجارِب الميْدانية العميقة، وأن غالبية الدول المتقدمة في التعليم وكذالك منظّمة اليونِسْكو والأمم المُتّحِدة، قامت كُلُّها بإلغاء الواجبات المدرسية. كما يميل معظم المربين وخُبراء التّربية إلى إلغائها أيضاً، لِأن الاتجاهات الحديثة في التربية تشير إلى أنه لا يجوز تكليف التلميذ بالواجبات، وبأن الوقت الذي يقضيه الطالب في المدرسة كاف، ووقته في البيت هوملك له ومن حقه أن يكون تحت تصرفه ويستمتع به كما يشاء.ء
و كانتِ هذه السنة الثانية مُفيدة أيضاً بسببِ كوْنها تُدرِّسُنا معلّمتنا لِأوّلِ مَرّة في حياتي، مبادئ الرّسْم في بعض الحِصص من أوْقاتِ دِراستنا معها، ولكنّها أيْضاً كانت تُشجِّعُني لِاجْتِهادي في القسم وكوْني كنتُ مِنَ المُتفوِّقين. وتُثْني على نُبوغي في اللغة العربية قِراءةً وكِتابةً، وتضْرِبُ بي المَثَل لِلْقسم ولِأخويْها فَخْر الدّين وسعيد الأصْغر، لِكي تُذْكي فينا جميعاً روح الحَماس والمُنافسة التي أثْمَرَتْ تقدُّماً باهِراً على مستوى النّتائج في آخِرِ السّنة الدّراسية. كما كانت تسْتضيفني إلى دار أبيها في إحْدى العِمارات بحي "رَعْري نَشّيخ" الطّابق الثّاني على ما أظُنّ، عندما أحْمل دفاتر القسم لِلتّصْحيح، وتُجْلِسُني مع أبيها في الصّالون، نُدرْدِشُ حوْلَ الفنّ، ونأكل الحلويات مع الشّاي بالنّعناع، وأتأمّل لوحاته المُزَخْرفة ذات الطّابع الأرَبيسكي التّقليدي الجميل. والأشكال الهندسية المُتنوِّعة، والتي كانت مُعلِّمتي فاطْنة العمْراني قد حدّثتني عنْها سابِقاً في القِسْمِ وعن موْهِبةِ أبيها في هذا النّوعِ من الزّخْرفة الإسلامية الرّاقِية.ء
صديق الدراسة فخر الديم العمراني وأخوه سعيد فوق على اليمين واليسار
ء وفي السّنة الثّالِثة، شاءتِ الأقْدارُ أنْ يكون سّي المهدي أمْهاجر مُعلّمنا الذي كان يُبْحِرُ بِنا مُنْذُ بِدايةِ الدّرْسِ في مُغامرات الإنسان الفضائية العجيبة. فكان أوّل ما يبتدِئُ به الحِصّة، هو غزْو الإنسان لِلفضاء. ورِحْلته إلى القمر، يُفسّر لن فيها كيف سْتطاع الرّوس النّزول فوق سطْحِ القمر لِأوّلِ مرّة في تاريخِ الإنسانية، على المركبة الفضائية لونا 2 التابعة لِلاتحاد السّوفياتي في سبتمبر1959هو الإنجاز الذي تكرر في عام 1962 من قِبَلِ الأمريكيين من خلال المركبة الفضائية رينجر خلال هذه الفترة من الحرب الباردة بينَ المُعسْكريْنِ الرّأسمالي العِمْلاق، الذي يرتكز أساساً على المُنافسة الشّديدة، والمُعسْكر الشّيوعي الناشِئ والذي بدأ يتمدّد وينتشر كالنّارِ في الهشيم..!ا
ء ةكان سِباقُ الفضاء للوصول إلى سطح القمر في تِلْكَ المرْحلة التاريخية الرّائعة والحاسِمة، هدف المُعسْكريْنِ ولاسيّما السّوفيات من أجْلِ التّفوّق جوّياً على حِلْفِ الأطْلسي التي تتزعّمه أمريكا لِمُحاصرةِ الرّوس وخَنْقِهِ بحراً وبرّاً، وكبْحِ المَدّ الشُّيوعي في العالم الذي بدأ يشهد تحوّل عديد من دُولِ العالم بَدْءاً من الدّول والجُمْهوريات المُحاذِية لِحُدودِ روسْيا أوّلاً(بولونْيا، رومانْيا، يوغوزْلافْيا، بُلْغارْيا، هُنْغاريا، البانْيا، تْشيكوسْلوفاكْيا، ألمانْيا الشّرقية...)، ثمّ انتقلتِ العَدْوى الإشْتِراكية إلى دُولٍ أُروبِية مع المجر (النمْسا) وإيطاليا ...إلخ. لِيَمْتَدَّ شُيوع الشُّيوعية إلى عُقْرِ باب الولايات المُتّحِدة مع كوبا والبرازيل والشّيلي وفِنَزْويلاّ...إلخ. لِيَكْتسِحَ دول آسْيا مِثل الكامْبودْج والفيتنام وكوريا الصّين العِمْلاقة التي ما زالَ نِظامُها إلى الآن مارِكْسياً شُيوعياً مع ترْكِ مجالٍ وهامِش لِلْمُنافسة الإقتصادية الحُرّة التي جعل منها هذا النِّظام الماوي أعْظم دولة اقْتِصادية في العالم مع مليار ونِصْف من السُّكّان. كما تحوّلت كثيرمِنْ أنْظِمةٍ رأسمالية بورجْوازية وشِبه اِقْطاعِية (كبعض الدّول العربية) إلى أنْظِمة اِشْتِراكية عربية، التي مثلتْ تيارا سياسيا مهما تاريخيا، مع أن نفوذها ضعف منذ ذلك الوقت. وصل هذا النفوذ ذروته خلال العقدين 50 و 60 من القرن الماضي، عندما شكلت الأيديولوجيا التي بني حولها حزب البعْث العربي الاِشتراكي، و بشكل أقل الحركة الناصرية. عبارة الاشتراكية العربية التي هي من صنع ميشيل عفْلق، أحد مؤسسي حزب البعث، فكان أن تبنّى هذا النّظام الاشتراكي كلٌّ من العراق وسوريا واليمن والسّودان والجزائر ومصر العربية وليبيا التي أنْتجت الزّعيم مْعَمَّر القذّافي، الذي حاول خلْق نظرية ومفْهوم جديد لِلإشتراكية في كتابه الأخضر الذي كانت تُدرّسه قنصليات ليبيا في مدارسها العربية بِالمهْجر، ومنها مدرسة ببروكسل، اِمْتنعْتُ عن تدريس اللغة العربية فيها بِسببِ سوء تفاهم بيني وبين مدير تلك المدرسة الليبية، الذي كان يفرضُ على الأساتذة تدْريس "الكتاب الأخضر" لِمُؤلّفه مْعمّر القذّافي...ة
و وفي السنة الرّابعة، الشّهادة، كان لِقِسْمِنا شرف أن يكون مُعلّمنا الشابّ الرقيق والنّشيط سّي المُرابط الذي كان يقرأُ إنْشاءاتي في قاعة الأساتذة خلال فترات الإسْتِراحة، وهو يفْتخِرُ بِالتّلميذ النّجيب الذي كُنْتُه. كما كان يُعيرني كتباً قصصية لِتشْجيعي على المُثابرة، ومِن بينها قصة "روبِنْسُن كْروزُوي" الشّيِّقة، والتي قرأتها بالعربية والفرنسية. كما شاهدتُ فيلمه السّينِمائي الرّائع في بروكسل سنوات عديدة بعد ذالك...ن
و وفي السنة الرّابعة، الشّهادة، كان لِقِسْمِنا شرف أن يكون مُعلّمنا الشابّ الرقيق والنّشيط سّي المُرابط الذي كان يقرأُ إنْشاءاتي في قاعة الأساتذة خلال فترات الإسْتِراحة، وهو يفْتخِرُ بِالتّلميذ النّجيب الذي كُنْتُه. كما كان يُعيرني كتباً قصصية لِتشْجيعي على المُثابرة، ومِن بينها قصة "روبِنْسُن كْروزُوي" الشّيِّقة، والتي قرأتها بالعربية والفرنسية. كما شاهدتُ فيلمه السّينِمائي الرّائع في بروكسل سنوات عديدة بعد ذالك...ن
و وإجْمالاً، فإن الثقافة هي كُلٌّ مُركَّب، يتضمّن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات التي يتشبّعُ بها الفرد من خلال التعليم والتربية، فتُحدِّد نمط سلوكِه داخل بِنْية مجتمعه الذي يعيش فيه.ء
ء وبالعودة إلى بني سيدال مسقط رأسي وكل أفراد أسرتي وكل السّاكنة التي تعيش هناك، وإذا حلّلْنا عناصر الثقافة التي كانت سائدة فيه آنَذاك والتي كانت بدورها مُتوارَثَة من الأجْدادِ الذينَ ورثوها عنِ الأسْلاف. أي المعارِف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين. فإنّنا لمْ نكن نرى عناصر الثقافة بارِزة بِوُضوح في بيئتِنا ولا نُميِّزُ هذا مِن ذاك في هذا الخليط الفِكْري الذي يُشكِّلُ وعْيَنا. كل شيء كان يبدو لنا هُلامياً وضبابا. لا بِسببِ قِصارِ عُقولنا وانْحِطاطِ مستوى مداركنا لِلتّمْييز بينها فحسْب، ولكن بسببِ انْغِلاقِ مُجتمعنا وعُزْلتِه الجغرافية والتّواصُلية، وغياب نشْر الوعي لدى أبناء الشّعب، عن طريق الإذاعة والتّلفزة والجرائد وجدلية التّفاعُل بين الناس...ء
و فغِياب هذا الوعي والجهْل الشّامِل الذي يعيشُ فيه سكان مناطقنا الرّيفية المُهمّشَة منذُ قُرون، جعلهم يجترّونَ نفس نمط العيش الغابِر العقيم، ويُعيدونَ إنْتاج نفس علاقات الإنْتاج القديمة. مِمّا يمنعهم من أيّ تطوُّر وتقدّم على كافّةِ المُسْتويات ولاسيّما الفِكْرية مِنْها..! لقد كان قدرنا كَالمُسافر الذي يُبْحِرُ في الوُجود بفِكْرٍ فارِغٍ وعقيم، وبدونِ مَراجِع ومُقوِّمات ولا سِلاح يُواجِه به عقبات الدّهْر..!ء ء
إ مِنَ البديهي أنّ انعدام أيّة بِنْية تحْتيّة كشقِّ الطُّرُقات لِلتّنقّل إلى بيئاتٍ أخرى قصْدَ الدِّراسةِ أوِ العِلاج والاِحْتِكاك مع الآخرين لِإثْراءِ معْلوماتنا وتجاربنا... أو بناء بدائل كالمستشفيات والجامعات والمعامل لِتنْعيشِ حركة الاِقتصاد ومُبادلات الخبرات، وعدم فكّ العُزْلة لِتنقُّلِ الناس وإثْراء معارِفِهِم...الخ. كُلُّ هذا كان يُساهِم في جُمودِ وتحجُّر ورُكودِ مُسْتويات الوعي بدل تطوّرها عن طريق جدلية التّفاعُل السّوسْيوـ ثقافي. وبما أنّ الإنسان كائن وحيوان اجتماعيّ يعيش ضمن جماعات يرتبط وإياها بعلاقات متبادلة متعدّدة ومُتداخِلة، ويستمد العديد من أفكاره مِمَّن حوله، وهو في الوقت ذاته يزوّد من حوله بها أيضاً في علاقة متبادلة جدلية لا تنتهي، فإنّ العُزْلة المفْروضة على مُحيطه، تقْتل وتُجْهِضُ عنده جميع آمال التّطوُّر والإرْتِقاء والتّغْيير والإبْداع..! ء
ف فكل هذه المُعْطيات الثّقافية الهزيلة وحالة العُقْم الدّائِم، يجعل الحياة في هذه المنطقة من بني سيدال، كأنّها جمدتْ وخارِج التّاريخ والجُغْرافية، وتوقَّفَتْ معها كل مظاهر الحركة والتّغْيير والتطوّر. ء
ء فمن ناحية الفن مثلاً، لم نكن نعرف الفُنون التّشْكيلية المختلفة المدارس والتّيارات. ولا ما هي المعارض أو أرْوِقة وكاليريات العرْض الفني. ولا الأكاديميات العُلْيا لِداراسةِ هذه الفنون الجميلة ومَن يُمثِّلها كالفنان العالمي "بيكاسّو" و"سالْفادور دالي" و"فان كوخ" و"شْعيْبية" مع أنّها مغربية..! ولا فن الرّسم والنّحْت وغيرها ما عدا الرّسوم الجميلة التي كانت تُزخْرِفُ كتبنا المدرسية مثل كتب المُؤلِّف الشهير أحمد بوكماخ رحمه الله، والتي كنتُ شخصياً أُقلِّدها في طفولتي يومياً ببني سيدال والتي كانت أوّلُ مدْرستي في هذا الميْدان الذي كُنْتُ أحبّه وأهْواه، حتّى صار هِوايتي المُفضَّلَة.ء
ن أمّا من ناحيةِ فنون الموسيقى والطّرب والغِناء، فلم نكن نعْرِفُ الموسيكولوجي، أي علم الموسيقى، ولا سمِعْنا يوْماً أوْ شاهدْنا معاهِد لِتعليم الموسيقى ولا ما هو "الصّولْفيج" وأسْماء النَّوَطات الموسيقية ومفاتيحها السّبعة التي كُنْتُ أحْفظُها عن ظهْر قلْب لِشِدَّةِ حُبّي لِتعلُّمِها عندما كنتُ أدرس في الرّباط في السّبْعينات..! كما لم نسْمَع أبداً إسْم بعض عباقرة الموسيقى العالميين أمْثال "بَيْتْهوفَن" أو "موزار" أو إلْبيسْ بْريسْلي" ولا حتى كوكب الشّرق "أمّ كلْثوم"..! كُلُّ هذا لم يكن بالنِّسْبةِ لنا مَوْجود ولوْ في الخيال!!!ء
س كان كلّ ما نعرفه عن الغِناء، هو "إزْران" الأمازيغية لِلْمُغنية الشّعبية الشّهيرة في قريتنا، االفنّانة "ثَعَبّاسْتْ" السّاكِنة في قبيلة "إقُرَيْشَنْ" والتي كانت عنصراً رئيسيّاً لِنجاحِ وإقامة أيّ عُرْس أوْ حفْل زواج و"السّابَع" وحفلة الخِتان "الطّهارة" وغيرها من المُناسبات البهيجة في حارتنا، والتي كانتْ تُعْتبر نجْمة الأُغْنية الأمازيغية، والتي كان حُضورها في أيّ احْتِفال ضروري ليكون في المستوى.ى
ا كان هذا كلّ ما نعرفه عن أحْوال ثقافتنا والخصائص أو الخُصوصيّات التي تتمتّع بها حضارتنا في بني سيدال، ومُميِّزات تُراثنا الفكري عُموما..!ا
ن أمّا من ناحيةِ فنون الموسيقى والطّرب والغِناء، فلم نكن نعْرِفُ الموسيكولوجي، أي علم الموسيقى، ولا سمِعْنا يوْماً أوْ شاهدْنا معاهِد لِتعليم الموسيقى ولا ما هو "الصّولْفيج" وأسْماء النَّوَطات الموسيقية ومفاتيحها السّبعة التي كُنْتُ أحْفظُها عن ظهْر قلْب لِشِدَّةِ حُبّي لِتعلُّمِها عندما كنتُ أدرس في الرّباط في السّبْعينات..! كما لم نسْمَع أبداً إسْم بعض عباقرة الموسيقى العالميين أمْثال "بَيْتْهوفَن" أو "موزار" أو إلْبيسْ بْريسْلي" ولا حتى كوكب الشّرق "أمّ كلْثوم"..! كُلُّ هذا لم يكن بالنِّسْبةِ لنا مَوْجود ولوْ في الخيال!!!ء
س كان كلّ ما نعرفه عن الغِناء، هو "إزْران" الأمازيغية لِلْمُغنية الشّعبية الشّهيرة في قريتنا، االفنّانة "ثَعَبّاسْتْ" السّاكِنة في قبيلة "إقُرَيْشَنْ" والتي كانت عنصراً رئيسيّاً لِنجاحِ وإقامة أيّ عُرْس أوْ حفْل زواج و"السّابَع" وحفلة الخِتان "الطّهارة" وغيرها من المُناسبات البهيجة في حارتنا، والتي كانتْ تُعْتبر نجْمة الأُغْنية الأمازيغية، والتي كان حُضورها في أيّ احْتِفال ضروري ليكون في المستوى.ى
ا كان هذا كلّ ما نعرفه عن أحْوال ثقافتنا والخصائص أو الخُصوصيّات التي تتمتّع بها حضارتنا في بني سيدال، ومُميِّزات تُراثنا الفكري عُموما..!ا
إبن الفنّانة "ثَعَبّاسْتْ" يعمل كحصّاد عند الناس في بني سيدال
يتبع









Commentaires
Enregistrer un commentaire