الفقرة 12 ـ سنوات إبن خلدون
الفقرة 12
سنوات إبن خلدون
يوميات
فنان مهاجر
بحثاً
عنِ الزمن الضّائع
سنوات إبن خلدون
ء
ء ها لقد خضعْنا لِإرادتِكِ الخالِصة ورحَلْنا أمّاه. وها نحن نَقْطعُ الوِدْيان والجِبال نمْشي
وراءَكِ هائِمين..!
لا
أنْكر أنّ كُلَّ ما تفْعلينهُ أمّي العزيزة هو لِصالِحِنا جميعاً.
فنحْنُ
فلذات أكْبادِكِ قبْلَ كلّ شيء، ولكن لا
أُخْفي عليْكِ ما آلَ ومالَ إليْهِ تفْكيري واسْتَقرَّ عليه اليوْم بعْدَ خمْسينَ سنة من الدِّراساتِ
والتّجارِب، مِنْ أنَّ هذا الوُجود لا
معْنى له أصْلاً، إنّهُ مُقْرِفٌ وتافِه!
وأنّ
اسْتِضافتَكِ الطَّيِّبة لنا جميعاً
لِلْمجيء إلى هذه الحياة بِحُسْنِ طوِيّة
بعد آلامٍ عسيرة وَوِلاداتٍ صَعْبة، والذي لم يكن سِوى وسيلة من وسائل الطبيعة لِحِفْظِ قوانينها وعدم اِنْقِراض الأُصول، كان
عبثاً ولا جدْوى مِنْه بتاتاً أمّي
الحنونَة..!
هأ
أ أنا الآن في باسو حزينٌ أمّي.
أسْمَعُ
مُواءً حادّاً لِلْقِططِ التّائِهة
مِثْلي، والكِلاب ُ الضّالّة تتصارع على
فُتاتِ الأزْبالِ في هذا الزَّمْهرير.
الجَوُّ
عاصِف كَعَصْفِ الأفْكار المُتصارِعة
في عقْلي المُرْتبِك.
أنا
أعيش في دَوّامَةٍ من التّناقُضات
والتّساؤُلات.
ولكن
هيْهات أنْ أجِدَ الجواب الشّافي
لِلْأسْئِلةِ التي تتعشّش في ذِهْني منذ
زمان.
وقد
فكّرْتُ مِراراً وتِكْرارا في لاِنْتِحار،
بل وصلتْ بي القناعة إلى درجةِ البَحْث
عن أنْجعِ السُّبُل والوسائل وأقلّها
ديْمومَة وألَماً، لِكي لا أتَعَذّبَ
وأنا أُوَدِّعُ الحياة..!
لقد
اصْبحَ كابوس الاِنتحار يُطارِدُني
كالشّبَحِ والظِّلّ في كُلِّ مكان.
إنّه
هاجِسي الأوْحَد حالِياً أمّي.
إنّهُ
كابوسي المُسْتقِرّ والمُسْتمِر..!اءا
ء لقد
كان رحيلُنا بِزعامتِكِ رِحْلَة عذاب
وأيّ عذاب..!
ولكنَّ
الرّحيل الذي أزْعَمُ القِيامَ به أشَدُّ
وقْعاً على قلوب كُلُّ مَن يُحِبّني مِن
كلِّ ذاكَ العذاب..!
إني
عازِمٌ على مُغادرةِ الحياة.
هذه نِيّتي وخارطة طريقي، فاعْذُريني أمّاه..!ء
ء إسْتفقْتُ من هذياني ورُعْبِ كابوس أحلام يقظتي على صوت بائِعٍ جوّال يتأبّطُ سُلّةً يدويّة عريضة من القصب الطبيعي غير عميقة. كانت تحتوي على أنواعٍ مُخْتلفة من الحلويات التي تُثيرُ الشّهِيّة. سالَ لُعابي لِأنّي لمْ آكُل طِوالَ اليومِ شيْئاً، ما عدا نِصْف كوبٍ من القهْوةِ هذا الصّباح، لِأشْرب عليها دوائي الأخير بعد شِفائي نِهائِياً من مرضي. لمْ يكن عندي دِرْهمٌ لِأشْتري واحِدة بِسببِ غلاءِ ثمنها، لِأنّها مُسْتَوْرَدة من أسْواق مليلية القريبة.ء
ت تابعْتُهُ بِنظراتي وهو يسير في اتِّجاهِ
"سيدي
عْلي"
مُنادِياً
بصوْتِهِ الرّقيق الحادّ، وبِنَغْمَةٍ
إسْبانِية جِدُّ عَذْبَة لا زالَتْ آثار نغماتها تطِنُّ إلى
اليوْم في ذاكرتي الطّفولية:ء
ـ
آآآآآبَسْتِيلي...
بَسْتِيلي
بَسْتِيلي...
آآآآآبَسْتِيلي...ء
،والأصْداءُ تُردّدُ صوْتَهُ الجميل في
أجْواءِ السّماء
والضّبابُ يبْتلِعُ شبَحَهُ المُتلاشي وسطَ المارّة والعابِرينَ في بِدايةِ هذا الشِّتاء.ء
ء
والضّبابُ يبْتلِعُ شبَحَهُ المُتلاشي وسطَ المارّة والعابِرينَ في بِدايةِ هذا الشِّتاء.ء
ء
ت تابَعْتُ نُزْهتي المسائية وأنا أتأمَّلُ وُجوه النّاس البشوشة، والأطْفال وكُلّ مَنْ حوْلي منَ الغُرَباء.ء
آكُلُ الزّرّيعة على ضِفّةِ البحرِ الهادِر، وأمشي الهُوينا. ولم أُحِسُّ بِنفسي حتى أيْقظني من غفْلتي صوتُ المُربّي الخضير:ر
ـ ـ عبد الرحمان، اِذْهب إلى سِّي بَنّيس حالاً قبْلَ أنْ يُغْلِقَ الإدارة لِيُعْطيكَ الأدوات المدرسية.ة
ذ ذهبْتُ إلى المُقتصد سّي بنّيس الذي أخَذَ لائحة الأدوات المدرسية، ففتح الخِزانة وناولني 3 دفاتِر 24 ورقة، و3 أغْلِفة بْلاسْتيكية، وعُلْبة أقلامٍ مُلَوّنة صغيرة، ومحفظة، والجُزْء الأوّل من كِتاب "إقْرأ" لِلأستاذ أحمد بوكمّاخ رحمه الله.ء
ذ
ذ ذَهبْتُ توّاً إلى قاعةِ المُطالعة لِأتصفّح كتابي وإنْجيلي المُفَضّل، وبدأتُ أتَأمّل رُسوماته وأُقَلِّدُها وأُلوِّنها، وأقرأُ قِطَعَهُ الجميلة مثل: بقرتي نورية، يوسُفُ يمثِّل، وأحمد والعِفْريت، وأُكْلةُ البطاطِس واللــهُ يرانا، وغيرها، حين فاجَأتْني رْمومْنَة بِصوْتِها الرّخيم:م
ذ ذَهبْتُ توّاً إلى قاعةِ المُطالعة لِأتصفّح كتابي وإنْجيلي المُفَضّل، وبدأتُ أتَأمّل رُسوماته وأُقَلِّدُها وأُلوِّنها، وأقرأُ قِطَعَهُ الجميلة مثل: بقرتي نورية، يوسُفُ يمثِّل، وأحمد والعِفْريت، وأُكْلةُ البطاطِس واللــهُ يرانا، وغيرها، حين فاجَأتْني رْمومْنَة بِصوْتِها الرّخيم:م
ـ ـ عبد الرحمان الفنّان الصّغير، أريدُ أنْ ترْسمَ لي وجْه فتاة حزينة لِمُعلِّمتي من فضلِك.رذ
ك كانت هذه المرّة الثّالِثة التي أرى فيها وجه هذه الفتاة الفائقة الجمال واليتيمة الأب منذ دخولي لِلجمعية ، رْمومْنَة الحزينة. مَنْ ينْساها!؟
ء
ج جلستْ بِجانبي وفتحتْ مِحْفظتها وهي تقول:ء
. رْمومْنَة الحزينة. ليست عندي أية صورة لكِ صديقتي العزيزة
لِأنّ ذاك الزّمان لم يكن زمن الصّوَر كما اليوم
ولكني ما زِلْتُ أحْفظ كل قسماتك ومُحيّاكِ البهيّ. إخترتُ هذه الصورة لِأنها تشبهك.ة
ـ ـ طلبتْ مِنّي المعلّمة أن أرسم وجه فتاةٍ حزينةٍ. إرْسَمْها لي من فضْلِك عبد الرحمان، سنحْتاجُها في درْسِ المُحادَثة غداً.ك ة
ء وطار بي تسلْسُل الأحْداثِ إلى سنوات "ثانوية الكِنْدي"، عندما كان عُمْري 14 سنة، وكنتُ في قِسْمِ المُلاحظة الذي كرَّرْتُهُ مرّتين بِسببِ مرضي الذي تطلَّبَ مِنّي التّنَقُّل إلى مستشفى ابن سينا بالرّباط لِلْمُعالجة على يد إدارة المستشفى الحسني بالناظور الغيْر المُجَهَّز، في حين سقطتِ "رْمومْنَة" مرّتين وبقيت في الرّابِعة الاِبْتِدائي لِعدمِ اهْتِمامِها بالدِّراسة مِثْلي. فقلتُ لها:ء
ء ـ هلْ تتذكّرينَ رْمومْنَة عزيزتي، يومَ غضِبْتِ عليّ بسببِ ما كتبْتُهُ في دفترك من عِبارات الحُبّ حين كُنتُ في الملاحظة بثانوية الكِنْدي، ورسمْتُ في الدّفتر وردة حمراء كتبتُ تحْتها: "هذه وردتي الجميلة التي أُحِبّ؟ ء
ء ـ نعم، أتذكّر وبِالتّفْصيل. يوْمَها كانت حفلة عيد العرش 3 مارس، أعْطيْتني 50 دِرْهماً لِأنّكَ كتبْتَ شِعار عيد العرش وخطَّطْتهُ على لافِتة طويلة بيضاء 4 أمْتارٍ كتبتَ عليها باللّون الأحمر: " الجمعية الخيرية الإسْلامية بالنّاظور تحتفل بعيد العرش العلوي المجيد وبِتَربُّعِ صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني على عرشِ أسْلافِهِ المُنعّمين". فأعطاكَ المدير 300 درهم ثمن تعاوُنك... وما زِلْتَ إلى اليوم تُساعِدُني بِإعْطائي خُبْزتينِ لِأمّي كُلّ يوم. أشكرك كثيرا حبيبي. أنا فخورةٌ بِمعْرِفتِك وفخورةٌ أنْ أخْتارَكَ
صديقي وزوْجي مُسْتَقْبَلاً "إذا عمِلْتَ اللّازم" وتخطبني عند أمّي.ي
ء
صديقي وزوْجي مُسْتَقْبَلاً "إذا عمِلْتَ اللّازم" وتخطبني عند أمّي.ي
ء
ء ـ أتعرِفين لِماذا بقيتُ إلى اليوم مُسَجَّلاً في الجمعية وأتردّدُ عليها رْمومْنَة؟ لِأنَّكِ أنْتِ السّبَب أوَّلاً. لِأنّكِ نصحْتِني بالبقاء أو على الأقلّ التّردُّد على الجمعية لِنبْقى على اتِّصال ولِنَلْتقي. وثانياً أنّ السّيّد الكاتب العام اللّطيف بن عزّوز أحمد، هو الذي أشارَ علي بِعدمِ مُغادرة الجمعية نِهائِياً لِأسْتمِرّ في الحُصول على الزّاد: 6 خبزات يوميّاً و5 ليتر زيت وكيس طحين أمْريكي مرّةً في الشّهر. هذا أمر العمالة لِرئيس التّعاوُن الوطني بالناظور. ء
ءـ ولماذا كانوا يُعْطونَكَ كُلّ هذا؟
ءـ لِأنّي كنت أرسم لِلْكاتب العام بنعزّوز أحمد كل ما يريد.ء
ءـ إيه، فهِمْتُ. كانوا يسْتغِلّونَك يا عزيزي وما زالوا..!ء
ءـ ـ فِعْلاً. كنتُ أذهب إلى داره أُسْبوعياً ليعطيني شِعارات وصور شخصيات لِأرسمها. ولكنه فَعَلَ الكثير من أجلِ عائلتي الفقيرة.ء
كي
ك كان حصاد العام الماضي البيداغوجي هزيلاً من نّاحِية مُواكبة التّطوُّر الفِكْرِي الشّخْصي ورفْع مُسْتوى التّحْصيل العلمي المدْرسي. لِأنّي أمْضيْتُ السّنة كلّها لا في تعلُّم التّفكير، بَلْ في ترديد وتلْقين وحِفْظ الحروف الهجائية العربية لِتلاميذ القِسْم التّحْضيري عند المعلّم سّي احمذ الكبْداني.ي.ء ء
ء ولكنّي خارج المدرسة، لمْ أضيِّع
وقتي هباءً.
فقد
كنتُ لا أحْتَكُّ وأختارُ من الأصدقاء
لِلْمُرافقة والإسْتِفادة، سِوى النّابِغين
المُجتهدين، لِكي أسْتفيدَ منهم وأرْتوي وأنْهل
ما أريدُ معْرِفته عن طريق الحديث
والنِّقاشات وطرْح الأسْئِلة أحْياناً،
وباقي الأوْقات أُمْضيهِ في الْتِهامِ
وقِراءةِ الجزء الثاني من سِلْسِلة كتاب
"إقْرأ"
الذي
اقْترضْتُه من عند زُملاء المدرسة، لِأكون
مُتفوِّقاً في السّنة المُقْبِلة، وأفْرضُ
نفْسي وسَطَ بَيْئَتي وزُملائي، بل وحتى
عائلتي في التّنافُسِ على النّجاحِ
والإرْتِقاء.
وهُنا
أتذكّرُ أمّي رحِمها الله، التي ضَحّتْ
بِكُلِّ شيء وفَعَلَتِ المُسْتحيل من
أجْلِ تربيتنا وتكْويننا بِاسْمِ هذه
"المُنافسة
والتّنافُس"
الشّريفيْن
الذيْنِ كُنتُ أنْتقِدُكِ بِسببِهِما بِمَضضٍ ومرارةٍ أمّي..!ه
ل وها أنا أعودُ إليْكِ صاغِراً أطْلُبُ مِنْكِ الصّفْح عن زلّتي بِانتِقادي لكِ يوما في الفصْل الثّامن من هذه اليوْميات على ما أظُنّ، حينَ قلتُ لكِ:ء
ك ـ ... كولْياط"
لَنْ
يَسْتَسْلِمَ يا أمّي فلِماذا الْإصْرار
والعُنْف في رسْمِ القرار.!؟ أوَ لا تُحِبِّينَ العَيْش في
السَّكينة أُمّاه.!؟ لِمَ لا تُلْغينَ مَشْروع
الهِجْرَة ونعود أدْراجنا إلى دارِنا
آمِنين.!؟
أنا أريد أن ألْعَبَ مع فرسي وأخي عبد
الله في بيْدَرِنا.
أشْتاقُ
أنْ أرى كلْبانا وِيذا وعَسّاس ينْبحانِ
فوْقَ سَطْحِ دارنا...ا
لا لا لا، لا تُكَسِّري الأقْدارَ أمّي لِتُلَبِّينَ
رَغْبَةَ التّفَوُّق والتَّنافُس وفَرْضُ الذّات على الأُخْريات من فصيلةِ حواء،
ولَوْ أنّها نزعات طبيعيّة عند الإنْسان
بَلْ جينات غريزية ركّبتْها الطّبيعة لِغرضِ حِفْظ البقاء، ولا
مع زوجات أعْمامي الأرْبَعَة في "ياثْ
غانَمْ"
أوْ
بعض جاراتِك من النِّساء..!
كَمْ
أنْتِ عظيمة يا أمّي لِأنّ بصيرتكِ فاقت بصيرات كُلّ النِّساء !
إنَّكِ
بِانْتِقائِكِ لِهذه الخَصْلة ، "المُنافَسَة"، كَسِلاح
لِمُواجَهَةِ الحياة وَجْهاً لِوَجْه،
إنَّما اخْتَرْتِ الأساس والأفْضَل في
الوُجُود.
ذاكَ
المُحرِّك الكوْني وديناموا التّغْيير.
و"المُحَرِّك
الذي دوْماً يتحرّك"، والتي بدونها، أي المُنافسة، تتجرّدُ الحياة الاِجتماعية والاِقتصادية من روحِها وتصير جُثّة هامِدة بلا حيوية ولا حياة.ء
ء
لَ لَيْسَ هناك من شخْصٍ في الحياة لا يُؤْمِن بالمُنافسة أمّي. ولا يوجدُ إطْلاقاً. إنّ المنافسة جينٌ طبيعي وفِطْري في كلِّ إنْسان وكافّة المَخْلوقات الطّبيعية، والحافِز لِمُعْظمِ سُلوكِياتهم. ولكنَّ هذا "التّنافُس والمُنافسة"، لا تظهر لدى الكثيرين في تصرفاتهم الخارجية بالرغم من تواجدها داخل النفوس عند كُلِّ النّاس، بسببِ خنْقِها من طرف إيديولوجيات اللاّهوت المُسْتلِبة والمُستلَبة لِلحدِّ من عُنْفُوانِها البِدائي الموْسومة بالشراسة والتنافُس الأعْمى في بدايةِ شُيوعِه. أي حالة خصوم وتنافس وصراع حاد، وحالة عداء مُسْتمِرّ بين بني البشر. الأمر الذي أدّى بِالأدْيان أنْ تدْلو بِدلْوِها في القضيّة، فكان النِّداء بِتلْطيفِ أجْواء العلاقات بين بني الإنسان والوصاية بالرّحْمة ولَجْم هذا "التّنافُس الوحْشي" وإعْطائه بُعْداً إنْسانياً لِدرجةٍ أنّ بعض المُفْتون ى
لَ لَيْسَ هناك من شخْصٍ في الحياة لا يُؤْمِن بالمُنافسة أمّي. ولا يوجدُ إطْلاقاً. إنّ المنافسة جينٌ طبيعي وفِطْري في كلِّ إنْسان وكافّة المَخْلوقات الطّبيعية، والحافِز لِمُعْظمِ سُلوكِياتهم. ولكنَّ هذا "التّنافُس والمُنافسة"، لا تظهر لدى الكثيرين في تصرفاتهم الخارجية بالرغم من تواجدها داخل النفوس عند كُلِّ النّاس، بسببِ خنْقِها من طرف إيديولوجيات اللاّهوت المُسْتلِبة والمُستلَبة لِلحدِّ من عُنْفُوانِها البِدائي الموْسومة بالشراسة والتنافُس الأعْمى في بدايةِ شُيوعِه. أي حالة خصوم وتنافس وصراع حاد، وحالة عداء مُسْتمِرّ بين بني البشر. الأمر الذي أدّى بِالأدْيان أنْ تدْلو بِدلْوِها في القضيّة، فكان النِّداء بِتلْطيفِ أجْواء العلاقات بين بني الإنسان والوصاية بالرّحْمة ولَجْم هذا "التّنافُس الوحْشي" وإعْطائه بُعْداً إنْسانياً لِدرجةٍ أنّ بعض المُفْتون ى
و لكن على
المستوى الدُّنْيوي الحيواني وفي إطارِ
الصِّراع من أجْلِ البقاء، وكل الدِّراسات
تشهد على ذالك، فإنَّ التنافس هي نتيجة احْتِكاكٌ وعلاقات توتُّر تحدث بين الكائنات الحية عند انخفاض
نسبة وجود موْرد معين حيوي، مثل الغذاء أو
المسكن أو الماء، حيث تبدأ الحيوانات بما فيها الإنسان، في منافسة
بعضها للحصول عليها. والواقِع يُبرْهِنُ يوْميّاً أنّ التنافس بين الكائنات الحية
التي تنتمي إلى نوع واحد، يكون في الغالِب أقوى وأشد بكثير
من التنافس بين الكائنات الحية التابعة
لأنواع مختلفة، لأن أفراد النوع نفسه لها
نفس المتطلبات والاحتياجات البيلوجية بينما الأحياء المختلفة في أنواعها قد
لا تتشارك في هذه المتطلبات، ولذلك فقد لاتتنافس على الشيء نفسه. وهذا
ينطبِقُ على وضعيتكِ التّنافُسِية أمّي بين ذويك، بِاعتِبارِكِ حرية المنافسة الشّريفة من أجْلِ الإرْتِقاء، تُعْتبَرمن سُنَنِ الفطرة الكونية. وأنّ بذلُ شخص لِأقصى جهده لتحقيق غرضٍ ما سامٍ ونبيل، وبخاصَّة حين يكون التفُّوق العِلْمي والإجتماعي وتحْسين الوضْع الاِقتصادي هو الهدف. تكونُ المنافسَة في تِلْكَ الحالة، وسيلة مشروعة وعادلة.(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)[المطففين:26]،ة
ا أنا لا أدافِعُ عنْكِ أمّي ولا أنْقدُ اخْتِياراتك، أنا لسْتُ محامي الشيطان الأعْمى. أريدُ فقط أنْ أُثْبِتَ أنّه حتى لُغويّاً، فإنّ المنافسة هي نزعة فطرية تدعو إلى بذل الجهد في سبيل التفوق ونيْل المُكافَأة. وهذا قانون طبيعي. ولهذا اعْترِفُ لكِ أمّي أنَّ عَقْلُكِ كان أكْبر وأعْمَق مِنْ عقْلي، بَلْ كان أسْمى بِكثير..! ء
كُ كُنْتُ فرِحاً بِأدواتي التي جمعْتُها في مِحفظتي الصّغيرة، ومُطْمئِنّاً من ناحيةِ صِحّتي بعْدَ عوْدةِ شهيّتي إلى طبيعتِها، وشِفائي نِهائياً من داءِ السّلِّ الذي كان سِرّاً وكابوساً، حاولْتُ إخْفاءَهُ بِجُهْدٍ جهيد عن أمي وكُلّ إخوتي طِوالَ العام، لِكيْلا يتألّموا لِمَصابي الشّقِيّ.ء
ك كما اتّخذْتُ جميع الاِحْتِياطات لِكيْلا أُعْدي بِمرضي أحَدا..
وغادرتْ
أُخْتايَ الصّغيرتان الجمعية لِتسْتقِرّا
عند الرّاهِبات الإسْبانِيات في مدْرسة
خاصّة وسط الناظور، يدْرُسْنَ اللّغة الإسْبانية والطّرز والخياطة، فضْلاً عن بعض السّاعات القليلة المُخَصّصة لِتعليم العربية،. مع شواهِد مُعْترَف بها، ومِنْحة لِمُتابعة الدِّراسات العُلْيا في إسْبانْيا، وكان لهنّ الحق في قضاء عُطلة نِهاية الأسبوع معنا في الدار التي اكْتريْناها وسط المدينة، كما
كان لنا الحقّ في زِيارتِهِنّ بعد أوْقاتِ دِراستِهِنّ. وبعد حصول أختي حُورِية على الشهادة الإبتدائية، مَنحتْ إدارة مُؤسّسة الرّاهِبات مِنْحة لِتُتابع دراستها في الثانوي بمليلية، ولكنَّ أمّي رفضتْ ذالك باسمِ التّقاليد... ء
و وغادرنا
الجمعية أنا وأخي عبد الله لِنعيش جميعاً
في بيتنا الجديد الذي كان يقع قُرْبَ السّوق. واسْتَبْشَرْتُ خيْراً بِاسْتِقْبالِ السّنة الجديدة 1963ـ 1964 السّنة الأولى عند سّي ادريس معلم العربية، الذي كان يُعِزُّني ويثقُ بي ويعْطيني دفاتر التلاميذ لِأحْمِلها إلى شُقّتِه لِلتَّصْحيح في الطابق الأول في عِمارةٍ بِ "حيّ ارِّيكولاريس"، حيث كان يُجلسني في الصّالون لِيَأْتي لي بكأس عصير...ر
ء اِصْطَفَّ تلاميذ السّنة الأولى ابْتِدائي أمام باب القسم في ساحة مدرسة اِبن خلدون بالنّاظور سنة 1963ـ 1964 ثم دخلْنا. كانتِ القاعة متوسِّطة ونظيفة وغيْر مُكْتظّة. وكان المعلّم سّي ادْريس الشّابّ ذي الثّلاثينات صبوح الوجه أبْيضه، بِشعرٍ أسود وأمْلس كشعر الصِّينيين الجميل. بعد درْسِ القِراءة الذي لا يدومُ طويلاً، يجلِسُ المعلم في مقعدٍ في مُؤَخِّرةِ القِسْم ويطلب مِنّي أنا والتلميذ الطّيّب أفْضل عناصِر القِسْم، الوقوف أمام السّبّورة كالعادة لِيضْرِبَ أحدُنا الآخر بالتّوالي في الرَّقبة بِكُلِّ ما أوتِينا من قُوّة، وكأنّنا أعْداء ألِدّاء. فيضْرِبُني الطّيّب، ويُهلِّلُ التلاميذ والمُعلّم معاً مُبْتهِجين ب"الماتْش" كما كان سّي ادْريس يُسمّي هذه "الحِصّة التّرْبوِيّة البيداغوجية". وأضْرِبُ أنا بِدوْري على رقبتِهِ بما لديَّ من قوّةٍ. ويُهَلِّلُ التلاميذ والمُعلّم مُشجِّعين فرِحين بِ"الدّرس" أو الماتْش العظيم! ونسْتمِرُّ في الضّرْبِ المُؤْلِم إلى أنْ أسْمَعَ دقّات الجرس مُعْلِناً نِهاية الدّرْس المُخْجِل الذي لا أسْتطيعُ أبَداً أنْ أنْساه ما حَييت..!ه
ء لَمْ أفْهم لِحَدِّ الآن وقد مضتْ على هذه السّنة السّوْداء أزْيد من 50 سنة، ما معْنى تِلْكَ الحِصّة الغريبة والجِدُّ مُؤْلِمة مع المعلم سّي ادْريس في تِلْكَ السّنة المَشْؤومة! على الأقَلّ بالنِّسْبةِ لنا نحن الإثْنين لِأنّنا أنا والتّلميذ الطّيّب مَنْ كان يتلقّى الصّفعات على رِقابِنا الفتِيّة لِنُغيِّر روتين المعلم رُبّما! وقد اِسْتمرّتِ اللُّعْبة طِوالَ السّنة بِدون رحْمة! أتعجَّبُ لِحدِّ الآن من غرابة تِلْكَ السّنة الدِّراسية وتِلك الحصص العِقابية لِنا أنا والطّيّب الضّحِيتين والمُمْتازيْن في القسم، دون أن أعْرف سِرّها والهدف التّرْبوي منها! وهل كانت تُلبّي عند المعلّم حاجتَهُ السّادية ـ النّرْسيسيّة. أي الحصول علي المتعة من خلال ألم ومعاناة الآخرين سواء كان ذلك نفسانياً أو بدنياً. أعْرِف أنَّ علماء النفس يفسرون الشّخْص السادي الماسوشي بِأنّه: «الشخص الذي يشعر بالمتعة واللذة في تعذيب الآخرين، تعذيباً جسدياً أو نفسياً»، ويستمتع بإجبار ضحاياه للخضوع وتصغير ذواتهم، ويبدو أن هذه التصرفات تُعْطيه إحساسًا بالرِّضا والمُتْعة والتّفوُّق والعظمة، فيختار ضحيته بعناية لِلتأكد من عدم مقاومتها للخضوع. ومن خلال سحق الآخرين، يشعر السادي أنه أعلى رُتْبَةٍ منهم ويتفوق عليهم. ويبحث عن الانتقام لسوء المعاملة الذي تعرض لها في طُفولته المُبكِّرة من إهْمالٍ وعُنْف، حيث أنه يشعر بالاستهداف من قبل الطرف الآخر الذي كان مسْؤولٌ عن رِعايتِه وتربيته، ويشعر بالتهديد ببعض الاحيان، وقد يفاجئ الآخرين بعُنْفِه، وهذا العنف المتفجر بِأشْكالِهِ المختلفة، هو طريقة إطلاق سراح مشاعره المسْحوقة والمَسْجونة داخله، وكلّ اِخْتِلالاته السيكوباثولوجية وعقده المَكْبوتة. أويبحث عن كبش فداء لإلقاء اللوم عليه مُباشرةً والاِنتقام منه وإيذائه. وقد كُنّا أنا وزميلي الطّيّب، نزيل الجمعية الخيرية التي نَزَحَ إليها أيضاً من بني سيدال(رابَعْ نَتْراث)، قُرْبان وضحايا هذا التّعْقيد والمرض النّفسي لِرجُل التّربية هذا، وموضوع إسْقاطاتِه السّادية اللاّواعِية..!ء
و ومِمّا زادَ من شُؤْمِ ونحْس هذه السّنة الدِّراسية في مدرستي إبن خلْدون، هو مُعلّم الفرنْسِية العربي سّي البرْكاني الذي كان يضربنا بِمِسْطرة حديدية على رُؤوسِ أصابعنا الصغيرة، أو يضعُ المِسطرة بين أُصْبعيْن ويضْغط عليهما وهو يُلْويها بين أصابعنا فتُحْدِثُ ألماً شديدا..!ا
ء
مُ مُنْذُ ذاكَ الوقت، وأنا أكْرهُ اللغة الفرنسية، ولوْ أنّها لغة
جميلة وعالمية.ةلاسيّما مادّة الصّرْف المُعقّدة مُقارنةً مع الصّرْف
.,la grammaire et la conjugaison العربي الأقلّ تعْقيداً
و وكنتُ أنْتظِرُ بِلهْفة، المُرور إلى الثّانوي لِأنتقم وأُغيِّرَ اللّغة الفرنسية التي كنتُ أمْقتُها، بالإنْجْليزية التي كنتُ مُتفوِّقاً فيها.مم
و ومِمّا زادَ من شُؤْمِ ونحْس هذه السّنة الدِّراسية في مدرستي إبن خلْدون، هو مُعلّم الفرنْسِية العربي سّي البرْكاني الذي كان يضربنا بِمِسْطرة حديدية على رُؤوسِ أصابعنا الصغيرة، أو يضعُ المِسطرة بين أُصْبعيْن ويضْغط عليهما وهو يُلْويها بين أصابعنا فتُحْدِثُ ألماً شديدا..!ا
مُ مُنْذُ ذاكَ الوقت، وأنا أكْرهُ اللغة الفرنسية، ولوْ أنّها لغة
جميلة وعالمية.ةلاسيّما مادّة الصّرْف المُعقّدة مُقارنةً مع الصّرْف
.,la grammaire et la conjugaison العربي الأقلّ تعْقيداً
و وكنتُ أنْتظِرُ بِلهْفة، المُرور إلى الثّانوي لِأنتقم وأُغيِّرَ اللّغة الفرنسية التي كنتُ أمْقتُها، بالإنْجْليزية التي كنتُ مُتفوِّقاً فيها.مم
ء وكنتُ أتساءل مع نفسي لِماذا لا تُعَوَّضُ هذه العُقوبات الجسدية المدرسية بِقرارات تأديبية بديلة، من قبيل تنظيف ساحة ومرافق المؤسسة التعليمية، إنجاز أشغال البستنة، القيام بأشغال داخل المكتبة المدرسية كالتنظيف وترتيب الكتب والمراجع، المساعدة في الأشغال المرتبطة بتقديم خدمات المطاعم والداخليات المدرسية، المساعدة في تنظيم الأنشطة الرياضية حسب أعْمار التلاميذ وقُدراتهم الجسدية...إلخم
ه لِأنَّ هذا الأسلوب أو هذه المعاملة المبنية على اتخاذ العقاب وسيلة أولى ومفضلة لمواجهة خطأ المُتعلِّم، أسلوب غير صحيح، وينتج عنه كثير من الآثار السّيِّئة، بيّـنها العلماء قديماً، وحذّرَ منها كثير من الباحثين المعاصرين.ء
أ ذالك لِأن الإسراف في أسلوب العقاب قد يؤدي إلى تحطيم وازع التعليم لدى التّلميذ، وقتل حوافزه ونشاطه الذاتي في التعلُّم. وهناك آثار سيئة تصيب العلاقة بين المعلم والتلميذ، إذ يفقد المعلم بِاسْتعمال العنف ثقة التلميذ، ويخسر محبته، وقد تتحوّل نظرة التلميذ لِلمعلم الذي كان المِثال الأعْلى، إلى نظرة كره دائم يسد طريق الفهم، ويقطع أوصال القدوة، ومع زيادة العنف قد ينظر المتعلم لمعلمه العنيف نظرة سخرية وازدراء. ناهيكَ عن أنّ الإسْراف في عقاب المتعلمين، يترك آثاراً واضحة في نفس المتعلم، وجِراحات سيكولوجية تُخِلُّ بالتّوازن النّفسي عند التِّلميذ المُتلقّي، والتي تضر بِصِحّتِهِ النّفْسية، وبالعملية التعليمية والتّرْبوية عموماً، ء
ه هكذا مرّتِ السّنة الأولى ابتدائي في مدرسة إبن خلدون..!ه
يتبع








Commentaires
Enregistrer un commentaire