الفقرة 10. بِداية المرض

بِداية المرض

الفقرة 10

بِداية المرض

 يوميات فنان مهاجر
 بحثاً عنِ الزمن الضّائع



بِداية المرض

***
   في صباح اليوم التالي وكان يوم الإثْنين، سمِعْتُ المُربّي الخضير الذي ينام في سريره معنا في نفس القاعة، يوقِظُ الأطْفال لِيتناولوا فُطورهم ويذهبون إلى المدارِس. أمْضَيْتُ ليْلةً مُرْعِبَة بالكوابيس المُخْتلفة: خليطٌ  من مناظِر حياتنا ببني سيدال مع عائلتي، ووجْه الكريم عُثْمان الذي أدّى ثمن غذاءنا والذي كان يتماهى في الحلم مع صورة وجه أبي رحمه الله، وهديّة الأقْلام المُلوّنة التي أهْداها لي صاحِب المطْعم اللّطيف، ولَقطات الكاتِب الأحْدَب بنّيس والمدير سّي محمد، والحياة في مليلة، ووجْه المُربّي الخضير وهو يفتح فاه كالتِّمْساح لِيُنْشِدَ رايَة العُرْبِ اخْفُقي في الأُفُقِ الأزْرقِ يا علم... ة
    حاولْتُ تقْليد النّشيد بِلَحْنِهِ الجميل والحماسي، ولكنّي بدأتُ أسْعَل بِقوّة وأحْياناً بِشِدَّة وبِدون توقُّف لِدرجةِ الاِخْتِناق. وبدأتُ أُسائِلُ نفْسي: لِماذا حلِمْتُ في وقتٍ قصير بهذا الحُلْم الكثيف المشاهِد والوُجوه؟ ووجدْتُ السّبب راجِعٌ إلى كوْني كُنْتُ أسْتيْقِظُ كلّ مرّة في الليل بسببِ الحُمّى وموجات السُّعال. مما يعني أنّني مريض. وأن الذين يتذكرون أحلامهم يستيقظون مرات أكثر خلال نومهم المُضْطرِب بسببِ مُشْكِلٍ ما أوْ ألَم جِسْمي يمْنعهم منَ النّوْمِ الهادِئ المُسْترْسِل.ء
ء    نظرْتُ تحْتي في السّرير الحديدي المُزْدوِج الذي خُصِّصَ لنا لِننام فيه، أتفقَّدُ شقيقي عبد الله. كان نائِماً وبِخيْر. نظر إليَّ المربّي الخضير قائلاً:
     ـ أيْقِظْه يا عبد الرحماناِسْتيْقِظوا جميعاً. حانَ وقتُ المدْرسة  الآن.ة
قُمْتُ من فِراشي وأنا أُحِسُّ بحرارتي مُرْتفِعَة، وأكْحَبُ كل مرّة. وذهبْتُ إلى الحمّام الذي كان مُشْترَكاً مع قاعةِ النّوْم الكبيرة. كانت توجد فيه 5 مراحيض أرْضية و5 صنابير لِلْغَسْل. وفيما يتعلّق بالإسْتِحْمام، فقد كان النّظام الدّاخِلي لِلْمُؤَسَّسة، أنْ يذْهب التلاميذ رُفْقة المربّي إلى الحمّام جماعة كلّ أسْبوع، بعد الحجْز بطبيعةِ الحال، لِتفادي الاِكْتِضاض في ذالك الحمّام الصغير البلدي، الذي كان لاصِقاً في مقْهى الدّار البيضاء في شارع محمد الخامس...
ء     نَهظَ أخي عبد الله أيضاً مُتّجِهاً إلى الحمّامِ لِيغْسِل وجهه. ولمّا عاد، ذهبنا إلى قاعةِ الطعام لِنتناول فُطورنا. جلسْنا وسطَ الأطفال الآخرين. كانتِ قاعة الأكل طويلة. وبدأتُ أنْظُر علّني أرى إخْوتتي الصّغيرتين هُوَرِيَة وثَمونْت اللّتيْنِ لم نراهما مُنّذُ مساء الأمْس.ء
ء    كان هناك تِلْميذان مُتطوّعان يُوزِّعان نِصْفَ كوميرَة بالزّبْدَةِ ومربى المشمش على كُلِّ نزيل، والآخر يأتي بِصينية من كُؤوسِ القهْوَة بِمسحوق الحليب الأمْريكي، يضعها وسط الطاولة العريضة لِيَسْحَبَ كُلُّ واحِدٍ كأْسَه.

 

. ء سَحَبْتُ كأساً لِأخي عبد الله ثُمَّ آخَر لي، ولكِنّي لَمْ أمُسّه. وأخذْتُ الخُبْز المَطْليّ وفتحْتُه وأنا أتأمَّل مربى المشمش الذي كُنْتُ أموتُ عليه. بِمعْنى أنّهُ كان يُعْجِبُني كثيرا ولا زالَ لِحَدِّ الآن. فقدْتُ شهيّة الأكْل ونقَصَ وزْني لِأنّ سِرْوالي بدأ يسْقُط وينْحدِر بسببِ دُخول بطْني وتقلُّصِه. أحْسَسْتُ بِارْتِعاشة في بدني. رجْفةٌ من البرْد بِسببِ ارْتِفاع حرارة جِسْمي. وبدأت عُيوني تتثاقل وتنْغلِق، وأنا أُفكِّر في مُصائِبي المُتعدِّدَة: مرضي، أمّنا التّائهة مع أخي مُحمّادي، أخْتاي اللّتان لم أرهُما مُنْذُ مساء الأمْس، وانْغِلاق شهيّتي.

ء    أغْمضْتُ عيوني لأنام وأنا فوْق الكرْسيّ بِجانِبِ أخي وبدأتُ أحْلُم. رأيْتُ نفْسي وحيداً وسط غابةٍ لانِهائِيَة من أشْواك الصُّبّار القصير والكُروي الشّكْل الذي يسمى بعمة القاضي، وأنا أحاوِلُ بَذْلَ كُلّ جُهْدي لِإزاحَتها عن طريقي لِأتقَدَّم إلى الأمام. ولكن عَبَثاً. كُلّ الآفاق حوْلي مِساحات من الصُّبّارلا تنتهي . وفَجْأةً جمدْتُ في مكاني أَتفَحَّص وضْعيتي المَأْزقيّة وأنا أُفكّر: مُسْتحيل الخُروج من غابةِ الأشْواك اللاّمَحْدودة هذه التي وقعْتُ فيها بَغْتَةً وصُدْفَة! مِنَ الأفْضل الوُقوف في النُّقْطةِ التي أنا موْجودٌ فيها الآن، والبَدْء في حَفْرِ غارٍ أوْ بِناء دار، وبِدايةُ الحياة البِدائية من جديد، مِنْ فِلاحَةٍ ورَعْي الماشية أوْ تدْجينها...إلخ، خيْرٌ من المَشْي والتّقَدُّم إلى الأمام عبثاً وبدونِ أيّة نتيجة، لِكوْنِ الطّريق وعِرة ومُسْتحيل المَشْي فيها ولِأنّها لا نِهايَةَ لِأشْواكِها وصُبّارِها..!
    في الواقِع، عندما أقْرضني المعلم المُرابِط في مدرسة اِبْن خلْدون قِصّة مُغامرات رُوبِنْسُن كْرُوزُوِي الشّيِّقة لِأقْرَأها في السنة الرّابِعة ابْتِدائي، قرأتُها مرّتان وتأثّرْتُ بها كثيرا وعشِقْتُ حياة رُوبِنْسُن البِدائِية فوق الجزيرة النّائية..! أقولُ هذا لِأنّ الكابوس الذي حلِمْته، كان في مُناخِهِ العام، مِثْل أجْواء الجزيرة التي ضاع فيها روبِنْسُن، سواء في وحْدتِه وتعاسته والجوّ الخيالي الذي يسوده وفي الكابوس الطّويل الذي عاشَه..!

ء
      اِسْتَفَقْتُ وأنا أتَعَجّبُ مِنْ حُلُمي العجيب وبدأْتُ أُحلِّلُه عِلْمَياً، ولكن حَسَبَ تَفْكيري وخِبْراتي السَّيْكولوجِيَة اليوم!
 لاحَظْتُ أنّني وأنا أحْلُم، كُنْتُ في تِلْكَ اللّحْظة غارِقٌ في وَضْعيةٍ نفْسانِية مَأْساوِيَة. وأنّني بِمُجَرَّد أن أغْمَضَ عيْني وتَرْتخي عضلاتي، يتحوّلُ شريط الصّور العادِية التي كنتُ أشاهدها خلال اليقظة، إلى صورٍ مُخيفة لِحُقولِ الصُّبّار الشّوْكي الشّاسِعة التي لا نِهاية لها. والسَّبَب في تحوُّل الصّور العادية إلى صورٍ مُخيفة وكابوس، أني كنتُ في داري في ريفِ بوعارك ذاكَ المساء من يومِ الإثنين، وكانتِ المرّة الثّانية التي أرى فيها  أجْزاء الصُّبّار التي تركْتُها لِلْعَسّاس حميد الذي لم يغْرِسها مُنْذ 3 أيّام، والتي بدأتْ تذْبل. وعَدَم إشْباعي طلبي هذا في ذالكَ النّهار، جعلني أغْضَبُ من العسّاس حميد، ووقعَ لي إحْباط جَرّاءَ ذالِك، فنِمْتُ لِيُتَرْجَمَ الحلم إلى مَنْظَرِ لِلصُّبّار وهو يجْتاحُ كلّ شيء! (الصُّبّار الذي كُنْتُ أنْتَظِرُ العسّاس لِيغْرُسَ مِنْهُ فقط اِثْنيْن{2 إغَوَضْ})، تحوّلَ إلى مِساحات شاسِعَة ومُخيفة من هذا الصُّبّار الذي لم أعُد أرى في الحلم غيْرَه لِدرجَةٍ أزْعَجَني في هذا الحُلم. فهل يُمْكِنُ هنا الجزْم بِأنّ الحُلْم الذي يُعْتبر المسْؤول عنِ حِراسة نوْمِ الأنا هو الذي أوْجَدَ هذه الطريقة لِتَعْويضي أنا الغاضِب المُحْبَط؟! وأنَّ حِدّة غضبي على حميد العاصي رَفَعَ مِنْ حِدّةِ وشِدّةِ ظُهور الصّبّار بِتِلْكَ الكثافة والمِساحات اللاّمَحْدودَة التي يُغطّيها في الأُفُق الذي كنتُ أراه وأنا تائِه؟!
    إنّ ما أناقِشُهُ هُنا ليس: هل الحلم هو حارس نومِ الأنا أمْ لا. فهذه المَسْألة مَفْروغٌ مِنْها. ولولا الأحلام لما إستطاع الإنسان الإستمرار في النوم ولا في الحياة. ولكن ما أُناقِشُهُ مع خُبراء تفْسير الأحْلام وعُلماء النفس والتّحْليل النّفْسي وعلم النفس الفيسْيولوجي، هو ما السّبَب في ظُهورِ الصُّبّار بذالِك الحجْم المُهْوِل وتِلْكَ الكثافَة المُهْوِلَة!؟ لِماذا لم يُظْهِر الحُلْم سِوى صورة صُبّارٍ واحِد أوْ إثْنيْنِ أوْ حتّى 10 ؟ لماذا ؟ (سأعود لِلتّعمُّق في الموضوع).    


     إنّ حالة الشّخْص السّيْكولوجية، والمُناخ السيكولوجي العام والوقائع ومُخْتلف الأحْداث التي يعيشُها المَرْء في النّهار، هو الذي يفرض نفْسه في الحُلم ويُحدِّد نوعيته: حلم عادي لذيذ، أوْ كابوس مُخيف يعْكِس حالته النّفْسية المُتوتِّرة والمُضْطربة وهو نائم بِسببِ الرّغْبة التي لم تتحقّق، وهي نِسْيان العسّاس زِراعة الصُّبّار.م
ن  نظرْتُ حوْلي فرأيْتُ القاعة فارِغة من التّلاميذ ما عدا 3 كانوا في الجِهة المُقابِلة يُراجِعونَ دُروسَهم جماعَةً، ريْثَما يحين وقْت ذهابِهم إلى المدرسة، لِفَراغ السّاعة الأولى في اسْتِعْمالِهم الزّمني رُبّما. ولا أثَر لِإخْوتتي هُورية وثمونت اللّتان اشْتقْتُ لِرُؤْيتهما. سمِعْتُ صوْت المُدير سّي محمد يتحدّث بِالرِّيفيّة كما العادة، فإذا بِهِ يدخل ومعه رجلٌ لابِسٌ جِلْباباً أسْوَد وطرْبوش تونْسي أحْمَر، والمُربّي المُساعِد الخضير وراءهما. توقَّفَ عندنا أنا وأخي عبد الله وهو يُقدِّمُ لنا الرّجل ذو الطّرْبوش التّونْسي بِاعْتِبارِه المُربّي الرّسْمي في الجمعية. ثمّ قال له وهو يُشيرُ إليْنا:ء

ء    ـ سّي احْمَذْ، هذان التّلميذان سَجّلْناهم البارِحة. يجب أن تُسجِّلهما اليوم في مدرسة "إبْن خلْدون" لِيَبْدآ دِراستهما. أمّا الصّغير عبد الرحمان فسيُرافِقُه الخضير أوَّلاً إلى المُسْتشفى  لِفَحْصِهِ من طرف الطّبيب، لِأنّه كما قال، بات اللّيْل كُلّهُ وهو يسْعَل.

ء   لَمْ يكنِ المستشْفى بعيداً عنِ الجمْعية. كُلُّ شيْء قريب في هذا النّاظور. لَيْسَ مِثْل بني سيدال حيْثُ كُلُّ شيءٍ بعيد. حتى رَحْمَة ربِّنا وثروات بِلادِنا، كل شيء بعيد!ء  
  عندما وصلْنا، دخلْنا وجلسْنا في قاعةِ الاِنْتِظار. كان هناك نِساء ورجال وأطفال ينتظرون دوْرهم لِيَفْحَصهم الطبيب. وعلى الجُدْرانِ البيضاء مُلْصقات مُلوّنة لِلتَّحْسيس ضِدَّ الأمْراضِ وطُرق الوِقاية مِنْها.!ء 





      كُنْتُ سعيداً أنْ أكونَ هنا في هذا المعْرِضِ الجميل الشَّيِّق لِأعْمالٍ الأطْفال الفَنّيَّة المَعْروضَة في هذا الرِّواق السّامي لِلمعارِض الفنّيّة. وكأنّني رُفْقَة أحد مُدَراء "كْريسْتيزْ" النُّيويورْكِيَة المُخْتَصَّة في الأعْمال الفنّيّة الرّائِدة في العالم العصْري المُتَحَضِّر 2017. وهذا ما كُنْتُ دائِماً أحْلُمُ بِه: أنْ أُديرَ مَتْحَفاً لِلْفَنّ. وهذا ما كان يعِدُنا به  السيد العاقل بن تهامي، عامِل مدينة الناظور خلال لِقاءاتي معه خِلال معرضي عام 2012...


 ع   عِندما حانَ دوْرُنا، قُمْتُ والخضير ودَخَلْنا. سألني الطّبيب بعض الأسْئِلة الكلاسيكية وهو يُساعِدني على التَّمَدُّدِ فوق السّرير وبدأ يفْحصُني. كُنْتُ أُلاحِظُ قسماتِه وحركاتِه وما سينْطِقُ به لِأعْرِفَ ماذا أصابني ولِماذا سقطْتُ مريضاً في مِثْلِ هذه الظُّروفِ الحرِجة والمأساوية.ء
    نظر الطّبيب في وجْهي وربَتَ على رأسي وهو يسْألُني:ء
عبد الرحمان، هل يعيش معكم في الدّار أحَدٌ مريض ؟ء
أجَبْتُهُ بالنَّفْي.ي. 
ء   ـ لا. ليْسَ في دارِنا مريض ماعدا أخْتنا مَرْيم، لكنها ماتت رحمها  الله.ء
   وـ وبِماذا كانتْ مريضة أُخْتك مَرْيَم ؟  
  بـ بالقلْب.ءب    ـ ـ 
فتأمّلني الطّبيب بِشفقةٍ وقال:ء
ل   ـ لا. أنتَ مريضٌ بِداءِ السُّلّ مع الأسف.ء
فتسارعَتِ الدُّموع إلى عيْني والسُّؤال إلى لِساني دونَ شعور؟
وهل السُّلّ قاتِل دُكْتور؟ وهل له دواء؟
ـ  ـ بِطبيعة الحال. كل شيء له دواء في هذا الوقْت. لا تخف فستشْفى  قريباً إن شاء الله. ثمّ توجّهَ بالحديث إلى المُربّي الخضير قائلاً:ة 
ه    ـ هل تعرف القسم الطّبّي الموْجود وراء سينما فيكْتورْيا، البِناية البيْضاء؟ إنّه جناحٌ تابِع لِهذا المُسْتشْفى. ستذهب هُناك وسيُعْطيك الصّيْدلي أو الطبيب الذي ستجِدُهُ هناك هذا الدواء، وسيُفسِّر لك طريقة الاِسْتِعْمال.ء 
تمَهَّلَ الطبيب ملِياً وهو يتأمّلُني ويقول لنا:ء
ء   لقد وزَنْتُه اليوم: 23 كيلو. وبعد شهْر سيرْجِع لِأفْحصهُ من جديد وأُراقِبُ وزْنَه لِأنّهُ يُعاني من فُقْدانِ الشّهِيّة وسيَضْعَف كثيرا...ـ 
وسلّمَ له وَصْفة الدّواء، وذهبْنا وأنا أتْبعُ المُربّي، مُشَتَّتُ الأفْكار أبْكي.:ء
    ءكٌنْتُ خِلالَ الطّريق أمْشي وراءَ المُربّي الخضير وأنا صامِتٌ كصَخْرتِنا البُرْكانِية الصّمّاء أمامَ باب دارِنا في بني سيدال. كَمْ تحمَّلَتِ المِسْكينةُ من ركْلٍ ورفْسٍ وأظْلاف الأبْقار كأنّها مرْكزٌ لِلتّلْقيح..! وكَمْ مَسَحْنا أوْحال أحْذِيَتنا على ظهْرِها أيام الشِّتاء! كما مسحَتِ الأقْدارُ كُلّ مصائِبها وطامّاتِها على ظُهُورِنا نحْنُ البُؤَساء!؟ 
    لِماذا أنا مريض وكيْفَ حَدَثَ هذا؟ ولِماذا في هذه الظُّروف الصّعْبَة بِالذّات؟ رُبَّما هذا اقْتِصاص الأقْدار وانْتِقامها العنيف ضِدَّ أمّي "دافيد"!.. "كولْياط" لَنْ يَسْتَسْلِمَ يا أمّي فلِماذا الْإصْرار والعُنْف؟ أوَ لا تُحِبِّينَ العَيْش في السَّكينة؟ لِمَ لا تُلْغينَ مَشْروع الهِجْرَة ونعود  أدْراجنا إلى دارِنا آمِنين!؟ أنا أريد أن ألْعَبَ مع فرسي وأخي عبد الله في بيْدَرِنا. أشْتاقُ أنْ أرى كلْبانا وِيذا وعَسّاس ينْبحانِ فوْقَ سَطْحِ دارنا. أحِنُّ إلى وجْهِ العَبْدَة السَّوْداء لِأني عرفْتُ أبْراهام لَنْكولْن مُحَرِّرُ العبيد. وفي نفس الوقْت، أريدُ أنْ أذْهَبَ إلى المدْرسة  لِأتَعَلَّم ككُلِّ الأطْفال! ولكن ليْسَ في حُجْرةِ "ثيميزار" البعيدة بِكيلومِتْرات فوْقَ الجبل، حيْثُ كُنّا نذهبُ أنا وأخْتي هُوَرِيَة لِنتعلّم حروف الهجاء في حُجْرةٍ ضيِّقةٍ تَسْقُط على طاوِلاتِنا قطرات المطر من السّقْف في فصْلِ الشِّتاء. 
    وأنْتِ الآن إذا عرَفْتِ أنّني مريض بِداء السُّلِّ ستبْكين وتحْزنين، وأنا لا أُريدُ أنْ يجْثُمَ عليْكِ الحُزْن كما كان يجْثَمُ على صَدْري شبح الجاثوم "بوكَبّاسْ"، عندما كنتُ أنام في غُرْفةِ نوْمِكِ في دارِنا ببني سيدال أيّامَ أبي..! أوَ تَتَذَكّرين؟



    لقد أعْداني خالي العرْبي بِمرضِ السّلِّ أمّي. عندما كان ضيْفاً عندنا في بني سيدال! وعندما ضربني أبي بِسُبحتِه حين طِرْتُ على ما تبَقّى في فَنْجانِ حريرة خالي لِألْتهِمه في ذاك المساء من رمضان الحزين..! لقد زارَنا أخوكِ العَرْبي الذي قبَّلْنا يده ورحّبْنا بِهِ  مُبْتهِجينَ فرِحين، ليتْرُك لنا ذِكْرى هذا المَرَض اللّعين! أنا مريضٌ أمّي وليْسَ لي مَنْ أشْكي له عثرات عُمْري عدا رِضاة الوالِدين! 
    أنا في باسو الآن يا أمّي، السّاعة الثّامِنة و20 دقيقة مساءً. اِنْطلَقَتْ آذان العشاء الآن. لَسْتُ أدْري أمّي العزيزة، لِماذا عِنْدَما أسْمعُ هذا الآذان أرْتعِد وتتملَّكُني الرَّهْبَة! وكأنّهُ نِداءُ حزين لِسيِّدةٍ عِشْتُ معها أكْثر من عِقْدَيْنِ من حياتي في تلاحُمٍ ووِئام. كُنّا شيءٌ واحِد من كثْرةِ انْدِماجنا وذوباننا الواحِد في الآخر جسداً وروح. إلى أنْ قرَّرْتُ أنا يوْماً في بيتي الضّيِّق في العكّاري وأنا طالِبُ الفلسفةِ في بالرّباط، الطّلاق والاِنْفِصال نِهائِياً وبدونِ رُجوع مع تِلْكَ السّيِّدة التى كانت لا تعِدُني إلاّ بِالسّراب، والتي ينْبَعِثُ الآن صوْتها منَ الوادي السّحيق! فَسُحْقاً لها ولِوُعودِها السّحيقة الكاذِبة! طَلَّقْتُها لِأنّها لَيْسَ في دينِها مِنْ مَنافِع لِلنّاس، سِوى لِلْحُكّامِ والأغْنِياء والمُلوك والأمَراء الذين لا يَحْيَوْنَ إلاّ على الفساد والنِّفاق. فانْفَصَلْتُ نِهائِياً عنْها، مُعْلِناً مع الله الطَّلاق..! 
    لَم تكُن مِثْلكِ أمّي العزيزة. كانتْ في كُلِّ حياتي معها تكْذِب عليّ. تعِدُني بِأنْهارٍ من عسل ولبن ووِلْدانٌ مُخَلَّدون وكل أنْواعِ الحَلْوى فلا أتَلَقّى مِنْها سِوى الُوُعود الفارِغة..! وهذا سببُ كلّ اِحْباطاتي المُؤْلِمَة والمُزْمِنة. لِأنّني وثِقْتُ فيها وفي جِنانِها فكانَ حصادُ العلاقةِ الخَراب!!! وهذا النِّداء الإعْلان بِبِدايةِ الصّلاة أمّي، يتكرّر 5 مرّاتٍ في اليوم. وعندما أسْمعه، أقفُ في مكاني جامِداً أيْنَما كُنْتُ وكيْفما كُنْت..! أُحِسُّ بشيءٍ غريب ورهْبَةٍ في داخِلي! وأسْتمِعُ إليهِ بِكُلِّ جوارِحي. وأتمنّى ألاّ ينْتهي. ولا أحِبُّ أن يُزْعجني أحد أو يُكلِّمُني وهو يُناديني!
    لَقَد عِشْتُ مع صاحِبَة الصّوْت النِّداء، أو صاحِبةُ الآذان الحزين أكْثر من 20 سنة ونحن صوفِيِّين لِدرجةٍ كنْتُ أسَبِّح لها راجِياً حنانَها وجزاءها وشفاعتها. لكن بِدونِ جدْوَى..! واليوْم تُحاوِلينَ أنْ تفْعلي ما سبقَ أنْ فعلْتُهُ أنا يا أمّي، أنْ تنْقلِبي على الآلِهَة..!
     لا تُكَسِّري الأقْدارَ أمّي لِتُلَبِّينَ رَغْبَةَ التّفَوُّق والتَّنافُس وفَرْضُ الذّات على الأُخْريات من فصيلةِ حواء، ولَوْ أنّها نزعات طبيعيّة عند الإنْسان، ولاسيّما النّساء. ولا مع زوجات أعْمامي الأرْبَعَة في "ياثْ غانَمْ" أوْ بعض جاراتِك..! كَمْ أنْتِ عظيمة يا أمّي لِأنّ بصيرتكِ فاقت بصيرات كُلّ النِّساء ! إنَّكِ بِانْتِقائِكِ لِهذه الخَصْلة ( والتي لا يمكن أنْ أحْكُم عليها الآن واعْتِبارِها كفضيلَة أو رذيلَة في الإنسان إلاّ بعد التّحقُّقِ من نتائِجها الفِعْلِية على أرْضِ الواقِع)، بِانْتِقائِكِ "المُنافَسَة" كَسِلاح لِمُواجَهَةِ الحياة وَجْهاً لِوَجْه، إنَّما اخْتَرْتِ الأساس والأفْضَل في الوُجُود. ذاكَ المُحرِّك الكوْني وديناموا التّغْيير. و"المُحَرِّك الذي لا يتحرّك". والذي بِدونِ تَفْعيلِه وتحْديثِه، قضى قضاءً غيْرُ تامّ على أكْبَر نِظامٍ عالمي كان يحْمِلُ الأمَل الحقيقي لِلْبَشَر لا سلام أدْيان السّراب، وهو النِّظام الاِشْتِراكي الشُّيوعي، لِأنّهُ النِّظام الوحيد الذي يتلاءَم مع طبيعة البَشَر. لَقَدْ خَسِرْنا الجنّة المَوْعودة في الحياة بِسببِ جشع وطُغْيان الرَّأْسَمال وتفشّي الجهْل وعقبات اللاّهوت العنيفة التي حاربَت اليهودي العبْقري: كارل ماركس مُنظِّر الاِشتراكية. فلا إلاهَ إلاّ الله والدُّولار..!


عمالِقة الفِكْر الغرْبي الذين كنتُ الْتهِم مُؤَلَّفاتهم وقصص حياتهم
  
   كُنْتُ في مراهقتي الفِكْرية وأنا أتتبّع أحداث العالم والحرب البارِدة بين المُعَسْكر الشّيوعي والرّأسمالي أُدَعِّمُ فِكْراً ومُمارَسَة اليسار الشّيوعي في العالمْ، وحِزْبِياً كنتُ اشْتِراكياً. وكان مِمّا أنْتقِدُه في المُعسْكر الشّيوعي غِياب المُنافسة. ولذالك انْهارَ الكولاك ومن بعده الإتّْحاد السّوفِياتي. وكُنْتُ أؤَكِّد أنّ لِلتّطَوُّرِ شُروطه التي لا تحْدُث بِدونِها. فعِلْم الاِقْتِصاد يُبرْهِن على مِحَكِّ الواقِع أنّهُ لا اقْتِصاد بِدونِ "مُنافسة" بين مُنَشِّطي الاِقتصاد، ولا يمكن لِلْعجلةِ الاِقْتصادية أن تدور بِدونِ رِبا. وأنّهُ لا شيْء يَمْشي بِدون المُنافَسَة الشّرِسَة لِكَسْبِ مزيدٍ من الأرْباح. كما لا يُمْكِنُ أن يتحرّك مُنَشِّطو الاِقتصاد إذا لَمْ يكُن هُناكَ رِبْح، أيْ مُكافأة مادِّيَة على الجُهْدِ المَبْذول. وهنا نقْترِب شيئاً فسيئاً من الأنانِيَة التي هي، لَنْ أقولَ آفَة البَشَر، أو نَزْعَة سِلْبِيَة، لِأنّني بِصَدَدِ تطْوير نظريّة في الفلْسَفَة وعلم النفس السّلوكي تُفَسِّرُ دوافِع السُّلوك عند الحيوانات وعلم الأحْياء وحتى في مجال البوطانيك، علم النبات، بِدافِعٍ رئيسي واحِد لا شريكَ له، وهو "دافِع الأنانية" (مسألة الأنانية نزْعة عند فصيل البشر ليست هي نفسها عند الحيوانات والأشجار لِكونها مُخْتلِطة بالشُّعور والإحْساس والأهْداف...).
    حتى عند النّباتات، في حديقتي الجميلة! ويالَيْتَكِ تَرَيْنَ اتِّساعَها وجمالها أمّي العزيزة، أنْتِ التي كُنْتِ تُحِبّين النّباتات وتظلّينَ تجْمعين جميع الأواني المُسْتعْمَلَة وزُجاجات الماء البْلاسْتيكية لِتَمْلَئيها بِالتُّراب، لِتَزْرعي فيها مُخْتلَف الوُرود والنّباتات تعْويضاً رُبَّما عنِ الجِنان التي تركْتِها في بني سيدال هارِبَةً من الأقْدار اللّعينة..! 
    في حديقتي أمْضي مُعْظَم وقْتي في البَثِّ والجَرْي وحلِّ مُشْكِل الصِّراعات ونِزاعات الحُدود والمِلْكية بين النّباتات المُخْتلِفَة المُتقاتِلة لِلتّوسُّع في حُدود المناطِق المُجاوِرَة. كل فصيلٍ نباتي يُحاوِلُ جاهِداً أنْ يسْتحْوِذ على أكْبرِ مِساحة مُمْكِنَة من الأراضي بِخَنْقِ وقَهْرِ النّباتات الأخْرى وصَدِّها من التّوَسُّع والتَّقَدُّم! لِدرجةٍ كل شهْرٍ أقطِّعُ أغصان بعض النباتات والأشْجار الإمْبِرْيالِيَة التي تكْبُرُ بِاسْتِمْرار وتنْمو سريعاً لِتلْتَهِم مِساحات الجيران بِشراهَة كما تفعل جميع الحيوانات..!
    قولوا لي أيُّها المُفكِّرون الفلاسِفة، أوَ لَيْسَ هذا ما يقومُ به البشر في حملاتِهِم الاِسْتِعْمارية في احْتِلال أراضي الشّعوب الأخْرى المَقْهورة، إرْضاءً لِنزعاتهم الأنانية؟! هذه بعض دلائل هَيْمَنَة دافِع الأنانِيَة كمُحَرِّكٍ عاتٍ لِلسُّلوك عند الكائِنات الحيّة، ولاسَيَّما البشر..! وأيّ حدَثٍ تسْتحْضِرُهُ مخيلتِك أو يتبادَر ويسْقط في بالِك، من أحْداثٍ شخْصيّة أو وطنيّة أو أحداث تاريخية عالمية، تجد وراءها كسبب: الأنانية. من الحُروبِ الصّليبيّة إلى الحرْبيْن العالميتين، ومن المسيرة الخضْراء إلى المسيرة الطويلة لِماوْتْسي تونْغ. ومن كافّةِ الحروب الخليجية إلى قُنْبُلة هيروشيما. ومن سَماحَةِ المسيح إلى إرْهابِ داعش...إلخ. وهذه الأنانِيَة في اعْتِقادي هي الميكانيزم الأساسي المُحرِّك لِلسُّلوك ركَّبَتْها الطّبيعة في مَخْلوقاتِها كآلِيَة دِفاعٍ عنِ النّفْسِ و"الأنا"، لِذالِكَ نجد اصْطِدامها مع مَنْظومَة الأخْلاق التي سَوَّدَتْ مِلفّها وحشرتْها في زُمْرةِ النّزعات السِّلْبِية، وصنّفَتْها ضِمْنَ النّزوات اللاأخْلاقِية وحاصرتْها لِكيلا تتفشّى. لكن لِماذا ؟ رُبّما لِلْحَدِّ من تداعِياتها الفلسفية التي تُشكِّل خطراً على الأنْظِمة الاِسْتِبْدادية من تشْجيعٍ لِلفَوْضويّة والنَّرْجِسيّة والثّوْرة المُضادّة والعدمِيّة والاِضْطِرابات السّيْكولوجية والزّلازِل الاِجْتِماعِية، وظهور تيارات وإيدْيولوجيات عالمية مثل:  الفوضوي العدمية الأنانية...إلخ  

(Nihilisme+anarchiste+Égoïsme)



     أنْتِ عظيمة أُمّاه. وقد رَجعْتُ بِالأمْسِ من بْروكْسِل وحالما وصلْتُ إلى الناظور، اِتَّفقْتُ مع أخي عبد الله الخبير لِيُرافِقَني إلى المَقْبَرة التي دُفِنْتِ فيها بِ "أزْغَنْغان" لِأترَحَّمَ علَيْكِ وأتْلوا على قَبْرِكِ بعْضاً مِنْ آياتِ كِتابي "النّبيُّ هاجَر" الذي سَيُطْبَعُ قريباً. ولقد كانتْ مُؤَلَّفاتي وما تعلَّمْتُهُ من فُنونٍ وعُلوم مُتواضِعة، ودِراسات إخْوتي وأخواتي... لمْ يكن كل هذا سِوى قبَس من حِكَمِكِ ومِرْآةً لغريزة الأُمومة التي ركَّبَتْها فيكِ الطّبيعة لِيكون المَوْجودُ مُهَيَّئاً لِمُواجَهةِ شراسَةَ واقِع الحياة والدِّفاع عن "أناه"  لِلْعيْشِ في أمانٍ وسلام... 
***
  مشيتُ أتْبعُ أثَر المُربّي ورأْسي كالدّوّامَة. يعِجُّ بِخليطٍ من الذّكْريات المُتضارِبة يجْعَلُ مَن يسْمعها أوْ يراها يعْتِبِرُني مَجْنونا..! ي
   وصلْنا إلى البِنايَة البيْضاء. ودخلنا معاً، فوجدْنا المُسْتوْصَف نظيفاً وفارِغاً ما عدا امْرأةٍ واقِفة مع ابنتِها المريضة. خرج الطّبيب ذو البِذْلة البيضاء وأعْطى لها عُلْبةً من الدّواء وذهبتْ. ناولهُ المُربّي وصْفَة الطبيب فأخَذَها ونظر فيَّ وقال:
    هو أيْضاً مريض بالسُّلّ! وغاب لَحظات لِيخْرجَ ومعه عُلْبة دوائي. وبدأ يشْرح لنا طريقة اسْتِعْمال المُضادّ الحيوي ناصِحاً بِأخْذِ حبّة كل يوم لِمُدّةِ شهر وبعدها سأرْجِعُ إليْهِ لِيُعْطيني عُلْبةً أخْرى حتى يخْتفي المرض نِهائِياً.
  عندما خرجْنا، رجعْنا توّاً إلى الجمْعية التي كانت قريبة من المُسْتوْصَف. نظرْتُ إلى الخضير وقُلْتُ له:  
    ـ الخضير، هل تسْمعني؟ أريدُ أن تُسْدي لي خِدْمَة. 
    فقال مُتعجِّباً:
    ـ قُلْ لي. ماذا تطْلُبُ مِنّي ؟ 
    ـ أنْ يبْقى ما عرفْتَهُ عن مرضي سِرّاً بيني وبيْنَكَ فقط، ومع الطّبيب. لا أريدُ أبَداً أنْ تعْلم عائلتي بمرضي. سيتألَّمون جميعاً ولاسَيَّما أمّي المِسْكينة. ولا أحد من الجمْعية أيْضاً. ما عدا سّي محمد المدير إذا سألَك. شكرا سّي الخضير.
    ـ لا شكر على واجِب. سأفْعل. كُن مُطْمئِنّاً عبد الرحمان.
    ـ شكراً.
   مشيْنا راجِعين وأنا أفْتحُ عُلْبة الأدْوِية. 30 حبّة بيضاء واحدة كل يوم بعد الفُطور لِمُدّة شهر. كانت السّاعة 11 والنِّصْف عٍنْدما غادَرْنا المُسْتوْصف الأخير. عرَجْنا على اليمين حيْثُ الحديقة العُمومِيَة المُواجِهَة لِلجمعية والتي تتوسّطُها أشْجار الصّفْصاف العالِية. فسمِعْتُ فجْأة صوْت أخْتي ثَمونْتْ تُناديني. كان إخْوتي كلّهم متجمِّعين حوْلَ أمّي. كانوا جالِسين على كُرْسِيٍّ حجري بُنِي خِصّيصاً لِجلوس المارّين المُتْعَبين مِثْل قافِلَتنا. كانت أمّنا وأخي مُحمّادي عائِدان لِيتفقَّدونا، ورُبّما يحْمِلانِ لنا أنْباءً سارّة عن الدّار التي اكْترياها لنا...
   أخْفَيْتُ علبة الدّواء في جيْبِ سِرْوالي وأنا أودِّعُ المربّي الخضير شاكِراً. وهرْوَلْتُ نحْوَ عائلتي وأنا أطير من شِدَّةِ الفَرِح...



يتبع 
 ء

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الحياة في باسو - في انتظار الإعْدام

Chapitre 3 ـ Sana ـ سناء

فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث