الفقرة 11 ـ الوَعْدُ السّراب
الدّخول المدرسي
***
اِ اِرْتَمَيْتُ على أمّي أعانِقُها وأتحاشى الاِحْتِكاكَ مع وجْهِها، وأحْبِسُ أنْفاسي كَيْ لا أعْديها، كما أعْداني أخوها خالي العرْبي رحِمَهُ اللهِ. وعانَقْتُ أُخْتايَ ثمونْتْ وهُوَرِيَة وأخي مُحَمّادي بِنَفْسِ الطّريقة المُؤْلِمَة. ثمّ قالت لي أختي ثمونْتْ فرِحَة :ة
.ـ لَقَد وجدَتْ أمّي داراً لنا.
فقفزْتُ من شِدّةِ الفرح ناسِياً هُمومي وأنا أسْألُ أمّي :ي
ـ هل صحيح أمّي؟ هَلْ وجدْتِ لنا داراً؟ وكيفَ هيَ ومتى سنذْهَبُ إليْها ؟
فأجابتْني أمّي وهي تُلامِسُ رأْسي بِحنان :ن
ـ وجدنا شُقّّة صغيرة مُكَوَّنَة من غُرْفتان ومطْبخ ضيِّق ومِرْحاض. إنّها تكْفي لنا جميعاً. ولكنّها قديمة وسوف نصْبَغُها أنا وأخوكم مُحَمّادي. ونشْتري بعض الأثاث لِأنّها فارِغة ليس فيها سِوى الجُدْران والجُرْذان. وبمجرّد أن نشتري سريراً وبعض الصُّحون والأطْباق والفرّان، ستسْكُنون فيها.ا
فقالت ثمونْتْ مُتسائلة :ة
ـ وهل هي بعيدة أمّي؟
ـ هي قريبة من هنا. في نفس هذا الشارِع بعد قطْع الشارع الكبير هناك. قُرْبَ السّوق.ق
ك كان خبَراً مُفْرِحاً أن تجِدَ أمّي داراً لنا في هذه المدينة تجْمَعُنا جميعاً مِنْ جديد. وسألَتْنا أمّي هل ذهبنا إلى المدرسة وهَلْ تسجّلْنا أنا وأخي عبد الله. وأنّها سَجّلَتْ أخي مُحَمّادي لِيُتابِع دِراسَتَه. أمّا فيما يتعَلّق بِإخْوَتتي الصغيرتين، فقد اِتَّفَقَتْ مع الرّاهِبات الإسْبانِيات أنْ تذْهَب أمّي يوم الإثنين مَصْحوبةً بِإخْوَتتي لِيتسجّلا وتسْتقِرّا في دارِ الرّاهِبات عندهنّ، والتي كُنّا نُسَمّيها "مونْخا" بِالإسْبانية.ة
أ أخذت أمي من حقيبتها الصغيرة عُلْبة بسْكويت ووزّعتْها علينا، كما أعْطتْ لنا دِرْهماً لِنَشْتري ما نُريدُ في الدّكّان القريب من الجمعية.ة
ودّعْنا أمَّنا وأخي مُحَمّادي ودخلْنا. كانت أطْباقُ العَدَسِ مع نِصْف خُبْزة ومِلْعَقَةٍ وبُرْتُقالة تنتظرِنا فوْقَ الموائِد الطّويلة. لَم آكُل شيْئاً من العدس ولَمْ أمُسَّهُ بَتاتاً بِسببِ السّوس الذي يسْكُنُ أجْوافَه ولَم يُنَقّى. ولكنني احْتفظْتُ بنِصْفِ الخُبْزة والبُرْتُقالَة عَلّني آكُلها إذا عادتْ شهِيَّتي وداهَمَني الجُوع، أوْ أعْطيها لِأخي عبد الله عِنْدما يعودُ من المدْرسة.
لمْ نكن مُسْتقِرِّينَ بعْد. الإلِكَتْرونات الخمْسة اليتيمة تائِهة كُلُّ واحِدَةٍ في جِهَة، والنّواة التي يتجَمّعونَ طبيعَيّاً حوْلَها لِاسْتِعادَةِ التّوازُن المَفْقود، هيَ أيْضاً ضائِعَة..! وبقَيْنا على هذه الحالة اللاّمُسْتَقِرّة بِسببِ الهِجْرة نُعاني مَخاض وِلادَةِ اسْتِقْرارٍ جديد نَوْعي ومُخْتلِف عنِ الوَضْعِ السّابِق، حسَبَ الهَدَف النّبيل في قرارةِ أمّي، مُهَنْدِسَةُ مشْروع الهِجْرة.
أحْسَسْتُ بِيَدٍ تُلامِسُني وصوْت المُربّي الخضير يقولُ لي:
ـ هَيِّئْ نفْسَك عبد الرّحمان. المدير كلّفني بِتسْجيلك في مدرسة إبْن خلْدون. سنذْهبُ الآن.
عندما نخرُجُ منَ الجمعية، أوّلُ مكانٍ سَنَجِدُ فيه نفْسَنا ، هو السّاحة أو الحديقة العُمومية الجميلة المُواجِهة لِلْجمْعية التي تتوسّطُها 5 أو 6 أشْجار الصَّفْصاف الشّامِخة. مع بعض الكراسي بالأحْجارِ والإسْمَنْت التي بناها الإسْبان. وصُنْبورٍ عُمومي دائِري لِلْماء. وبعدها على اليمين، نَجَدُ سينِيما فيكْتورْيا الرّومانْسِيّة الجميلة. وبعد السينِيما على اليسار، تُوجَدُ مَدْرَسَةُ ابْن خلْدون التي أمْضَيْتُ فيها شطْراً لا يُنْسى من حياتي الصِّبْيانِية..!
قادَنا حارِسُ المدْرسة إلى مكْتبِ المُدير. جلسْنا أنا والمُربّي على كُرْسِيانِ خشبِيان مُقابِلانِ لِلْمُدير الذي فتح سِجِلاًّ كبيرا لِتسْجيلِ التّلاميذ. وسألني:
ـ هل سبقَ لكَ وذهبْتَ إلى المدرسة؟
ـ نعم.
ـ وكمْ سنة درَسْتَ؟
ـ أربعة أشْهُر.
ـ وأيْنَ توجدُ هذه المدرسة التي درسْتَ فيها؟
ـ ليست مدْرسة. هُما حُجرتانِ فوْقَ الجبل.
ـ وأيْنَ توجدُ هذه المدرسة التي درسْتَ فيها؟
ـ ليست مدْرسة. هُما حُجرتانِ فوْقَ الجبل.
كان المُدير يُسجِّلُ هذه المَعْلومات ثمّ نادى على حارِس المدرسة وأمرهُ أنْ يقودَني إلى قِسْم المُعلِّم سّي أحمد الكبْداني في قِسْم التّحْضيري.
عندما دخلْتُ إلى القِسْم، وجدتُ المُعلّم سّي أحمد الكبْداني يُعلِّم التلاميذ الحُروف الهِجائِية بِترْديدِهِم لها بِصوْتٍ عال كُنْتُ أسْمعُهُ من مكْتبِ المدير وأنا أُردِّدُهُ معهم من هناك بِصمْت. فأوْقَفَ دَرْسَهُ وأجْلَسَني بِجِوارِ تِلميذ، ثم طلب مني كِتابة إسْمي وتاريخ اِزْدِيادي إذا كُنْتُ أعْرِفُ الكِتابة، وأعْطاني ورقة لائِحَة الأدوات المدْرسِية التي سأحْتاجُها في الدِّراسة.
اسْتَأْنَفَ المعلم يُحفِّظُ ويُكرِّر الحروف الهِجائية لِلتّلاميذ. وبعد ذالِكَ طَلَبَ مِنّي المُرور إلى السّبّورة لِأتَهَجّى ويقيس مُسْتَوايَ مع مُسْتوياتِ التّلاميذ الآخرين. كانتِ الحُروفُ مَكْتوبةٌ بطريقةٍ واضِحة على سبّورةٍ مُضَبَّبَة وغيْر مَمْسوحَة جيِّداً وغيْر سوْداء. الأمْر الذي يجْعلُ عَيْن القارِئ تُثيرُها نِسْبِياً مناظِر الضّباب المحيط بالكِتابة الغارِقة في العُمْق التّجْريدي الذي يعُمُّ السّبّورة كُلّها. والذي يُشَتِّتُ ترْكيز العيْن على الحُروف. وتاهَتْ بي تداعِيات الأفْكارِ وترابُطِها قاذِفَةً بِتفكيري الجامِح في الجامِعَة الحُرّة بِ "بْروكْسِل" سنة 1984.
كان اليوم الإثنين من شهْر سبتمبر البارِدة، وبروكسل سابِحةٌ في ضبابٍ وسُحُبٍ داكِنة. اِسْتيْقَظْتُ كعادتي باكِراً جِدّاً. كنتُ أُراجِعُ مادّة الأستاذة:
قبْلَ أن يحينَ وقْت الذّهاب إلى الجامِعة الحُرّة مع التّاسِعة، ذهبْتُ إلى المطْبخ، فَوَجَدْتُ زوجتي مليكة السّعودي، صاحِبَةُ أوَّل بورَتْريه جميل فنّي رسمْتُهُ في حياتي بالألْوان الزّيْتيّة، على ورق مُقَوّى (كونْطْرَبْلَك) سنة 1976، لِأنّها كانت جارتي في الناظور، ولِأني كنتُ أحِبُّها، ولكنها تزوّجتْ رغمَ أنْفِها مع الرّيفي محمد الذي كانَ عامِلاً في بروكسل. وبقِيَتْ علاقتنا الغرامية ثابِتة ومُسْتمِرّة ومُسْتقِرّة، إلى أن هربتْ مليكة من دارِ زوْجِها وطلّقَتْ مِنْهُ، لِتستظيفني وأعيشُ معها حِوالَي 10 سنوات رائعة. إلى أنْ طلّقْنا بِالتّراضي المُشْتَرَك في قصر العدالة، والقاضي مُتَعَجِّبٌ من اِحْتِرامِ وحُبّنا لِبعْضِنا البعض رغْمَ رغْبة الاِنْفِصال..!
كانت مليكة قدْ هَيّأتِ الفُطور كعادتِها. فتناولْتُ فِنْجان قهْوةٍ وأشْعلْتُ سيجارتي وخرجْتُ.
ك كان الجوُّ حزيناً بِبْروكسِل، وألْوانُه تتأرْجَح بيْنَ الأسْود والرّمادي والأبيض بسببِ تساقُطات بعض الثُّلوج في الأيام الخالِيَة. اِتّجَهْتُ إلى محطّة الباصات لِآخُذ الأُطوبيس 71 الذي يقِلُني إلى الجامِعة في دائِرة إكْسيل بِبْروكْسِل، La commune d'Ixelles.
ـ هذه دار عائلة الحاج الهادي رحمه الله. لقد كان أوْلاده مِثالِيّين.
وعندما ماتَ، كُلُّهُم هاجَروا..!
ـ لقد تشَرّدَتْ أمُّهُم المِسْكينة مع خمْسةِ أوْلاد. ولا يَعْلمُ إلا الله أيْنَ
تاهوا..!
ـ أعوامٌ مضتْ مُنْذُ أنْ رَحَلوا. ولا أحد يعلم عنهم شيئاً، ولم
يُبْقوا سِوى الذكريات. ويا لَيْتَهُم ما رَحَلوا..!
Université libre de Bruxelles
الجامعة الحرة ببروكسل التي درسْتُ فيها ثلاث سنوات لِنيل الدّكتورة في علم النّفس التّرْبوي من سنة 1982 إلى سنة 1985
كان اليوم الإثنين من شهْر سبتمبر البارِدة، وبروكسل سابِحةٌ في ضبابٍ وسُحُبٍ داكِنة. اِسْتيْقَظْتُ كعادتي باكِراً جِدّاً. كنتُ أُراجِعُ مادّة الأستاذة:
(Dr. Madame Blomart (professeur en psycho-pédagogie
المُتعلِّق بِأسْباب التّأخُّر والفشل المدْرسي عند المُهاجِرين المغارِبة الموْجودين في مُعْظَمِ مدارِس وثانويات بروكسل، ولاسَيّما بعد بُروزِ الجيل الثّاني من أبناء المُهاجِرين بِسببِ الاِنْفِجار في الوِلادة. وكان هذا موضوع أُطْروحتي لِنَيْلِ شهادة الدكتوراه.
« Les causes des inadaptations scolaires chez les enfants issus de l'immigration »
Refus de l'école, absentéisme, décrochage, échec scolaire, déscolarisation, phobie scolaire ou refus anxieux scolaire...e
كانت مليكة قدْ هَيّأتِ الفُطور كعادتِها. فتناولْتُ فِنْجان قهْوةٍ وأشْعلْتُ سيجارتي وخرجْتُ.
Les années d'mour
ك كان الجوُّ حزيناً بِبْروكسِل، وألْوانُه تتأرْجَح بيْنَ الأسْود والرّمادي والأبيض بسببِ تساقُطات بعض الثُّلوج في الأيام الخالِيَة. اِتّجَهْتُ إلى محطّة الباصات لِآخُذ الأُطوبيس 71 الذي يقِلُني إلى الجامِعة في دائِرة إكْسيل بِبْروكْسِل، La commune d'Ixelles.
أحد مُدرجات الجامِعة الحرة ببروكسلالتي درسْتُ فيها 3 سنوات
عندما دخلْتُ إلى المُدَرّج الجامعي. وجدتُ الكثير من الطّلَبَة في أماكِنِهم التي يخْتارونها وهم يَشْربونَ القهوة ويُدخِّنون، مُنتظرينَ الدّكتور فانْدِفِلْدْ Docteur Vandevelde الذي يُدرِّسُنا مادّة المناهِج السّيْكولوجية والتّرْبوية، والذي كان دائِماً يُكرِّرُ لنا أنّ هدف التّعْليم الأساسي، هو إيصال معْلومات واضِحة إلى التِّلْميذ بِكُلِّ وُضوح. وأنّ مِنْ بيْنِ ما يُساعِدُ المَعْلومة أو الرِّسالة لِتصِل واضِحة إلى ذِهْنِه، هو وُضوح السَّبّورة ونَقاؤها أوَّلاً وقبل كل شيء، وأنّ ألْمَع لوْنٍ نراه، هو اللّوْن الأصْفَر لِأنّه كلوْنِ الضّوء، ولكنّ رِجال التّعليم ألِفوا ودأبوا على اسْتِعْمال الطّباشير الأبْيض على السّبّورةِ السّوْداء. ولاسَيَّما أنّ الدّكتور فانْدِفِيلْدْ Docteur Vandevelde كان من الُسْتعْمِلين الكِبار لها كدَعامَة لوجِسْتية أساسية ورئيسيّة في العمليّة التّرْبويّة بِرُمّتِها...
نظَرْتُ إلى السّبّورة وفِكْري مُشَوَّش بيْنَ الذي أعْرِفُهُ والذي لا أعْرِفُهُ والضَّباب الذي يَغْشى كُلُّ ما أعْرِفُه..! ونظرتُ إلى المُعلّم الذي كانَ بشوشاً راضِياً وبسيطاً كعادَتِه. وبدأتُ أقْرأُ الحروف الهجائية بِكلِّ سُهولة ويُسْر، أحْسَن من كُلِّ التلاميذ الذين سمِعْتُهم بِأُذُناي وهم يتهجَّوْنها قبل قليل، ومِنْ بينهم إبْنُ المُعلِّم نفْسُه..!
فرِحَ المعلّم بِمُسْتوايَ في القِراءَةِ وأمرني أن أسْتمِر جماعَةً مع التلاميذ الذين يُرَدِّدونَ قراءة الحروف بَعْدي. وبدأْنا نُكرِّرُ العمليّة مٍراراً والمعلّم مُنْشغِلٌ بِمسائِل أخرى. وبعد قِراءتِها وتِكْرارها لِمَرّات، نهظَ وأعْطاني المِسطرة التي كانت فوْقَ مكْتبِه، وربتَ على رأسي بِتشْجيعٍ وحنان وقالَ مُخاطِباً التلاميذ:
ـ سأغيبُ بعض الدّقائِق وأتْرُكُ عبد الرّحْمان ينوبُ عنّي في تَدْريسكم. كونوا هادِئين. سأُقابِلُ مُديرالمدرسة وسأطلبُ منه أن يرسِلَ هذا التّلميذ إلى السّنةِ الأولى بَدَل التّحْضيري لِأنّ مُسْتواهُ عالٍ بالمُقارَنَة مع مُسْتواكُم..!
أرسم دائرتان صفراء وبيضاء وضع حولهما ما تريد من ألوانٍ أخرى في الكومبيوتر أو في ورقة عادية، وأنْقِص الضوء بالتدريج، وستلاحِظ أنّ جميع الألوان الأخرى تلاشت لِيبقى الأصفر والأبيض يعكسانِ الضوء. قُم بهذه التّجربة بنفسك.
اللون الأصْفر والأبيض يتمتّعان بِخاصِّيةِ مُقاوَمة الظّلام أكثر من كل الألوان الأخْرى، وهما الوحيدان اللذان نراهم في اللّيْل وفي السّبّورة السّوداء بِوُضوحٍ أكثر، ولاسيّما الأصْفر.
مرَّتْ سنة التّحْضيري ثقيلة ومُمِلّة، ما بينَ غِياب المعلّم الذي بدأ يتكرّر في كلِّ حِصّة، وبين الوُعود الكاذِبة بِنقْلي مُنْذُ البِدايةِ إلى السّنة الأولى عند المُعلِّمَة العَمْراني فاطْنَة. كُنْتُ مُحْبَطاً أنْ أُحْرَمَ من شيءٍ أسْتحِقُّه عن جدارة وحانِقٌ لِعدمِ نَيْلِه. وغاضِبٌ من مُعلِّمي الذي زرَعَ في روحي أمَلاً لِيُطْفِئَه بالتّدْريج..! لقد هبطْنا من الجِبالِ لِنَرْتقي ولَيْسَ لِنُهْدِرَ 365 يوْماً في اجْتِرارِ المُجْتَرّ، ونرْتقي في القِراءة، لِنَصْعَدَ إلى الكلِمات فالتّعابير والنُّصوص والفقرات، لِنُبْحِرَ في عالمِ الكُتُبِ والقصص والرِّوايات، وليس لِنَلْصَقَ كلّ ساعة ويوم وسنة، في حِفْظِ وتِكْرارِ نَفْس هذه المُجْتَرّات من المَحْفوظات !
فكَّرْتُ في أخي مُحمّادي الذي كان يُساعِدُني يوْمِيّاً على القِراءة والكِتابة بِسببِ إلْحاحي العنيد، عندما كُنّا في بني سيدال، والذي يرْجِع الفضْل إلَيْهِ فيما تعلّمْتُه، فضْلا عن السّوَر القُرْآنية التي حفِظْتُها في كُتّابِنا في المسْحِد بِدونِ فهْم. دون أن أنْسى دوْر حماسي وشغفي الشّخْصي العميق والمُدْمِن بِالتّعَلُّمِ والتّحْصيل والدِّراسة الذي لا زالَ إلى الآن. مِمّا جعلني دائِم البحْث والاِطِّلاع وحُبّ المعْرِفة. أمّا المُعوِّقات لِازْدِهارِ كل هذه الاِتِّجاهات النّفْسية وتَفَتُّقها طبيعيّاً، فكان يتمثّلُ في غيابِ أيّةُ بِنْية تحتيّة في منطقة الرّيف المَنْسِيَة، كبِناء مُسْتشفيات وجامِعات وشقِّ الطُّرُقات لِكسْرِ العُزْلة عن تِلْكَ القُرى التي رأيْنا فيها النّور، ولكِنّنا هجرْناها رغْماً عنّا، بِسببِ عُزْلتِها الأبدِيَّة القاتِلة تِلْك!
دَقّ الجرسُ مُعْلِناً نِهاية اليوم الدِّراسي. وشكرني المعلّم دونَ أن يقولَ شيْئاً عن مسْألة نقْلي إلى السّنة الأولى. أخذْتُ ورقة لائحة الأدوات المدرسية وخرجْتُ وأنا أحِسُّ بالعطشِ والجوع. لمْ آكُل شيئاً يوْماً كامِلاً، ما عدا نِصْف كأس القهْوة في الصّباح لِأتناول بعْدَها دوائي. فكّرتُ في الدِّرْهمِ الذي أعْطتْهُ لي أمّي هذا الصّباح. فذهبْتُ إلى صاحِب العربة الخشبية الذي يبيعُ الحلْوى. فاشْتريْتُ حلْوى وزَرِّيعة (Pipa). وهبطْتُ مع شارِع محمد الخامِس في اتِّجاهِ كْلوب، أو مقهى البحر كما كان يحْلو لي تَسْمِيتها لِرومانْسِيتها وجمالِ موقِعِها..!
لَكَمْ كان الناظور مدينةٌ ساحِرةٌ يوْمَها! هُدوءٌ شامِل ليْلَ نهار. والسّيّارات قليلة. والتّلوُّث مُنْعَدِم، والبشر أيْضاً قليلون ومُهَذَّبون، وفي علاقاتهم مُحْترِمون، وبِعُهودِهِم يُوفون، ولِشرفِهِم حافِظون. يا لَلزّمنِ الجميل! تماماً كما كان عِنْدنا في بني سيدالنا، التي أتخَيَّلُ فيها نفْسي الآن وقد مَضَتْ أيّام على الرّحيل، وأنا أتَحَسَّسُ خلف عنكبوت الزمن، ما يقولُهُ عَنّا النّاس ويهْمسونَ بعد رحيلِنا:
وعندما ماتَ، كُلُّهُم هاجَروا..!
ـ لقد تشَرّدَتْ أمُّهُم المِسْكينة مع خمْسةِ أوْلاد. ولا يَعْلمُ إلا الله أيْنَ
تاهوا..!
ـ أعوامٌ مضتْ مُنْذُ أنْ رَحَلوا. ولا أحد يعلم عنهم شيئاً، ولم
يُبْقوا سِوى الذكريات. ويا لَيْتَهُم ما رَحَلوا..!
يتبع









Commentaires
Enregistrer un commentaire