15 الفقرة ـ مأْساة يوم العيد


15 الفقرة 

مأْساة يوم العيد

 يوميات فنان مهاجر
بحثاً عنِ الزمن الضّائع

***


مأْساة يوم العيد

***

ء    فكّرت في سؤال رْمومْنة وأنا أجُرُّ رجْلايَ بِخُطى مُتثاقِلة كأنّي أرْفُضُ لاشُعورياً مُغادرة هذا الحي الموحل الذي يُسمّى ظُلْماً وإقْصاءاً وتهْميشاً بِ "الحيّ المَلْعون"، والذي تسْكنه رْمومْنة صديقتي! :ة
 ع    ـ عبد الرحمان، صديقي العزيز، لَمْ تُجِبْني عنْ أيِّ سُؤالٍ من الأسئلة التي طرحْتُها عليك والتي تهُمُّني. هَلْ تنْوي الزّواجَ بي؟ ء 
  لَ    لَسْتُ أدْري ماذا كان يدورُ في خلدِ رْمومْنة عندما نطقتْ بهذه الفكرة البريئة، فكرة الزّواج ؟! كانتْ حتْماً تعبّر عنِ اِتّجاهاتِها النّفْسيّة وأحاسيسها الصّادِقة نَحْوي بِعفْوِية وبراءة. لِأنّها تُحبّني وتثِقُ بي. وثقتها العمْياء في شخْصي، جعلها تُصرِّح لي بمشاعرها، وتعْترِفُ بعفْوية وبدونِ حرج ولا خوْف. كما جعلني أكْثر تشبُّثاً وحسْماً في مبْدئي الدّائم والثّابِت القديم، وهو عدم مُعاملة بنات الناس، إلاّ بالنّوْع الرّاقي من السّلوك الذي أحِبُّ أنْ يُعامِل به الغير إخْوتتي أو بناتي...ج
لا    حاولْتُ أنْ أتفهّم موقفها وألاَّ أُغرِّر بها أو أتلاعب بِمشاعرها الرّقيقة والبريئة تُجاهي. لِأنّهُ حان الوقت لِنُوضِّحَ المُبْهَم ونضع النُّقط على الحُروف. لا يمكن أن تبْقى أُمور العلاقة الوجْدانية ضبابِية بيْننا، وقدْ تنْجُم عنْها سوء تفاهُمات ومشاكل لاحِقا. يجبُ أن نضعَ خارِطة طريقٍ لِكَيْ يَعرِفَ كُلٌّ مِنّا في أيِّ اتِّجاهٍ يَسير..! وأنْ نتعامل بيْننا بِكُلّ شفافيةٍ وصِدْق، لِتسْتمِرّ علاقتنا ويُكْتَب لها الدّوام. إنّها صادقة في حبّها لي مع كلّ بُؤْسي ويأْسي. وإلاّ لَسَعَتْ لِاصْطِيادِ وإمالةِ زوْجٍ آخر أغْنى وليس مُراهِق يتيم وفقير مِثْلي. لقد أوْقَعَتْني في مأْزقٍ حرِج بطلبِها مِنّي التّقدُّم إلى دارِ أمّها لِ"أفْعَلَ اللاّزم" وأخْطُبها كزوجةٍ لي..!ء
 ف   فكّرتُ في حِذائها المُمزَّق والذي ساعدْتُها على شِرائه يوم رسمْتُ منظراً طبيعيّاً لِجارتِنا التي أعْطَتْ لي 50 درْهماً قسَمْتُها معها. وتنّورتها الحمراء التي قالت لي أنّها  اسْتعارتْها من عند اِبنة جارتها لِتلْبسها في هذا العيد.ء
و    فكّرْتُ كذالك في أيام الجمعية الخوالي حين كانت تسرق الخبز ومربّى المشماش وتعطيه لي. كانت رْمومنة بِمثابة ذِراعي الطّولى التي أفعل بها ما أشاء في المطبخ الذي كان مَمْنوعاً عن الرِّجال وكل الأولاد النُّزلاء، لِأن الخادِمات والطّبّاخات والفتيات نزيلات الجمعية، كلهنّ كُنّ يُمْضين فيه مُعْظم أوقاتهنّ. فضْلاً عنِ الإجْراءات والمشاهد الرّومانسية التي تقع وتدور في كواليسه بين ميمونت الجميلة والطويلة الهيْفاء، إبْنةُ الطّاهية فاطْنة اللّطيفة، والرجل الوسيم السيد التيجاني شقيق المُقتصد السيّد محمد بنّيس. والذي تُوِّجَ بالزّفافِ بينهما...ه خ
ء    تاهَتْ بي ذِكرياتي كذالِكَ إلى يوْمِ عِقابي من طرفِ مدير الجمعية سّي محمد الوَرْيِاغْلي بِالتَّحْميلة، يومَ إمْضائي دفتر نتائج اِمْتِحاناتِها المدرسية، حينَ رفض المدير إمْضاءها لِأنّها دونَ المتوسِّط بكثير.ءء  
ء    مشيتُ وأنا أُفكّر في رْمومْنة وفي بوبْلاوْ الذي لم اكْتشْفْه إلاّ معها. وعِنْدما وصلْتُ إلى منزلنا، وجدتُ الجميع جالسٌ حوْلَ مائدة الغذاء ما عدا أمّي التي كانت مُتّكِئة على السرير بعدَ أن هيّأتِ الطّعام لِلجميع. كان الجوّ مُكهْرَب ويعُمُّهُ الحُزن. شيْءٌ وقع في غِيابي ولا أعْرِفُ ماهو وما السّبب! ء
ء    خلال هذا الصّمْت المُطْبق، سمعْتُ صوت دقّات ساعةٍ لمْ أسْمعْها من قبل في غُرْفتنا. رفعْتُ نظراتي لِأرى ساعة مُسْتعْملة مُعلّقة على الجدار أمامي. وضعْتُ الخبزات الأرْبع فوق المائدة، وغسلْتُ يدي قبْلَ أن أجْلِسَ قُرْبَ أختي ثمونْتْ أسْألُها:ء
ء    ـ ماذا وقع هُنا ولِمَنْ هذه السّاعة الجميلة ؟ء 
ءـ   ـ السّاعة اشْتراها أخي مُحمّادي لِأمّي لِمعْرِفة أوْقات الصّلاة، كما اشْترى رادْيو صغير لِيسْتَمِع إلى "إذاعة مغرب الشُّعوب".ة
ء    ـ وأيْنَ وجد النُّقود لِشِرائِها ؟ء
ـ لقد باعَ كلّ كُتُبهُ المدْرسية. وهذا سببُ غضب أمّي.ء      
حينها تدخّلتْ أمي وهي تصْرخ من سريرها:ء     
ء   ـ أخوك مُحمّادي باع كلّ كُتُبه الجديدة التي اشْتريْتها له مُنْذُ ثلاثة أسابيع فقط. المُقَرّر كلّه باعه بِنِصْف الثّمن لِيشْتري ساعة قديمة وعُلْبة سجائر ومِذْياع. "آشْخَصّكْ ألْعَرْيان؟ يخُصُّني الخواتِم يا مَوْلاي". يقول أنّهُ لا يريد أن يذهبَ إلى المدرسة. بل يُفضِّل العمل.ء




أخي مُحمّادي


  ء     فقال لها أخي مُحمّادي لِيُلَطِّفَ الأجْواء المَشْحونة ويُرْضيها وهو يُدافع عن موْقِفِه:ء
ء     ـ أمي العزيزة، لقد وجدتُ عملاً ككاتِب عند السيد نقيب المُحامين في مكتبه مُقابل 600 درهم شهرياً. أوَ ليْسَ هذا في مَصْلحتِنا جميعاَ أمي؟. لقد بِعْتِ كل مُجوهراتِكِ وقفاطينك لِتربيتنا. أنتِ الوحيدة مَنْ تعملين كطبّاخة وتشْتغِلينَ من أجْلِنا. لقد كبرْتُ وعُمْري الآن 17 سنة. أريدُ أن أساعدكُ أمي.ء 
ء    ـ لَوْ أردْتَ أن تُساعدني وتُساعِد نفسك فِعْلاً، لًبقيتَ تِلميذاً في المدرسة كَكُلِّ أقْرانِك لِترْفَعَ رأْسي. بماذا سأفْتخِرُ الآن أمامَ الناس يا ابني؟ أنا هاجرْتُ بِكم إلى هُنا لِتدْرسوا وتُصْبِحوا عُلماء كعمُّكَ الحاج سّي عبد الله الصقلي وأعْمامُكَ الآخرين الذينَ أصْبحوا أطِبّاء ومُحامين وخُبراء. ماذا سيقولُ عنّي الناسُ عندما يسمعون أنكَ غادرتَ الدّراسة وتجوب شوارع الناظور بدونِ طائِل..!؟ ء
ء    أحْزنني منْظرُ أمّي وهي تبْكي وتشْكي: "كيف سأرْفعُ رأسي عالياً وأفْتخر بكم يا ابني؟! لنْ أنْسى هذا النِّداء المُنْفجِر من أعماقِ فُؤاد أمّي المجْروحة ما حييت...ء



عائلة الصقلي والعائلة التّنوتي مع أحد شيوخ الأزهر بالقاهرة

ء     بعد الغذاء، تناولْتُ من مِحْفظتي المدرسية قصّة "ماجْدولين" لِلْمَنْفلوطي، وكتاب "مبادئ الفلسفة"، لِلدّكتورفؤاد حسن زكريا، أعارهُما لي صديقي العزيز مساعد المُربي والذي كان يحرسنا في الليل، السيد أحمد المنصوري المُعوّق من يدهِ اليُمْنى، والتي بِسببها كان الجميع يُلقِّبونه ب: "بوثْفوسْتْ". كان في مُسْتوى الباكَلورْيا، وكان تِلْميذاً نجيباً. في حين كنتُ في المُلاحظة بثانوية الكِنْدي. وكنتُ دائماً ألازِمُه وأتناقش معه وأطْرحُ عليه أسْئِلة عنِ أصل الكون وماهية الوُجود وماذا يوجَدُ في السّماء، وأسئلة صِبْيانية أخرى من هذا القبيل...إلخ.ء
ل    لم أستطع القراءة لِشِدّةِ تَوَتُّر وغليان تفْكيري. فخرجْتُ وجلسْتُ على عتبةِ بابِ دارِنا الجديدة في الناظور. وبدأتُ أفكّر في كلّ ما وقع اليوم من أحْداث درامية مُتسلْسِلة. وفرحْتُ وأنا أتأمّل الصّفيحة المعدنية السّوْداء فوق الجدار المقابل التي كُتِب عليها إسم "شارِع المغرب العربي". ففرحْتُ لِأنَّنا في الأخير صار لنا كَكُلِّ النّاس عُنْوان. وبدأتُ أنظر في بُيوتِ وسكّان حيِّنا، والأطفال وأبناء الجيران فرحين مُبْتهِجين، وهم لابِسونَ ثِيابَ العيد الجديدة. وكلُّ البُيوت يَنْبثِقُ منها ثُغاء الخِرْفانِ والأكباش، ما عدا دارنا التي لفّها الصّمْت وبُؤْس الحياة. ولكِنّي شعرْتُ بِشيْءٍ منَ الطُّمَأْنينة والاِنْتِماء إلى هذه البيْئة أو المدينة الجديدة التي قطَعْنا جُذورَنا في بني سيدال بِسابِقِ إصْرار مِنْ أجْلِ الهِجْرةِ إليّها والعيش فيها..!ن




سوق الناظور سنة 1947

ء    جِهة السّوق على يميني، كانتِ الحركة الدّائِبة مٌنْعدِمة ولا أثر لِأفْواجِ الناس التي تظلُّ تغْدو وتروح طوالَ اليوم، وهي تشْتري وتصْرُخ وتبيع وتصيح... هُدوء وسكينة في الناظور في يومِ العيد الكبير.(رْعِذْ أمَقْرانْ). لَمَحْتُ الرجل الغريب الأطْوار الذي يسكن في مَغارة فوق صُخورِ المرْسى حامِلا ما يجودُ به عليهِ الكُرماء مِنْ قوتٍ وزادٍ له ولِقططِهِ العديدة. يلتحِفُ نفْسَ الرِّداء الأسْود كأنّهُ في حِدادٍ أزلِيٍّ دائِم. كانَ مارّاً بِجانِبِ دار صديقي وجاري الذي سَيَصيرُ يوْماً صَهْري، السّعودي مْحَمَّذ. كان عائِداً إلى قبْرِهِ في المَرْسى الصغير مُبْتسِماً ومُتفائِلاً كالعادة. لا أحَد يعرف أصْل هذا الإنسان الذي طوّحَتْ به الأقّدار في بلدنا، ولا أحَد يعْلَم كيْفَ انْتَهتْ به رِحْلتُهُ على ظِفّةِ بُحَيْرتنا، وكيف حطّ رحاله في مرْسى مدينتنا. كان وجْهاً مأْلوفاً في ذاكِرتِنا. ولا أحد يعْلم عنْهُ شيْئاً ولا ما هي فلسفته في الحياة. بقي لُغْزاً مُغْلقاً حتى ابْتلعتْهُ الذّكريات..! لا رَيْبَ أنّهُ مُهاجِرٌ مِثْلنا وهارِبٌ مِنْ أقْدارٍ أوْ ظُلْمٍ ما أوْ حادثة أوْدَتْ بِحياةِ أبيه، فتاهَ مِثْلنا على وجْهِه في الحياةِ الدُّنْيا..!ء



 الرجل المجهول الغريب 

ء    سمِعْتُ أصواتَ حِوارِ تقترِب منَ الخَلْف. اِلْتفتْتُ إلى الجِهة اليُسْرى حيث مَصْدر الأصوات، فرأيْتُ رجلاً عجوزاً أعْمى تقوده طِفلةٌ.  يبْدو أنّها اِبْنته. كان يتحدّث معها ويقولُ لها وهو يمشي مُسْتعيناً بِعصاه:م
ي    ـ يا بُنيّتي، كيف تريدين أنْ أرْتاح وألاّ أشْتغِل؟ مَنْ سيُعيلُكم إذا توقّفْتُ عنِ العمل!؟ نحن الفقراء ما خُلِقْنا سِوى لِلتّسَوُّل والْعذاب..! لا نعيش سِوى بِالتّضرُّعِ وبِالوُعود السّراب..!ء 




عجوز أعمى مُتسوِّل بِتلاوة القرآن تقوده ابنته  

 ح     وأنا أتأمَّلُ الناس تغْدو وتروح، وأسمع درْدشاتِهِم وترانيمِهِم الإنْفِصامِية، هاجمتْ ذاكِرتي الحادثة الأليمة التي وقعتْ لِأخي عبد الله يوم عيد الأضحى المبارك، والتي كانتْ فاجِعة بِمعْنى الكلمة.ء
 ب     وقعتْ تِلْكَ المأساة صبيحة العيد المُبارك في هذه العتبة بِالذّات، والتي أجْلِسُ فوْقها الآن. كان ذالكَ بعد نِهاية الصلاة، عندما ضربه مُتسوِّل أحمق بقضيبٍ حديدي غليظ، سقط بعدها على الأرض مَغْشياً عليه والدم يسيل من رأسِه كجدْوَلٍ قان، وأمّي تُولْوِل وتصرخ، وأُخْتايَ الصّغيرتان تبْكِيان، وأنا أجري وراء المتسوِّل الأحمق حامِلاً أحْجاراً بِيدي كالمُنْتفِظ المَقْدسي، وهو يهرب ويلْتَفِت كل حين إلى الوراء شاهِراً قضيبهُ الحديدي ويصْرخ بِأشْياءٍ مُبْهَمَة. إتَّجَهَ إلى المقبرة المتوحِّشة قُرْبَ مَزار سيدي عْلي، وأنا أتبعه عن بُعْد باكياً... كانَ المُجْرِم واقفاً مُسْتنِداً إلى جِدارِ السِّجن. وعصاه الحديدية المَعْقوفة مُعلَّقَة إلى ذِراعِهِ اليُسْرى وهو يعُدُّ نُقوده باليد اليُمْنى.ى




فْرانْكْشْتايَن الناظور

ج    جلسْتُ مُتقرْفِصاً أُلاحِظُه. وأنا أغْلي غضباً وأتمنّى لوْ كنتُ كبيراً وقويّاً لِأشْبِعَهُ الضّرب جزاءً لِما فَعَل. أخذْتُ حجرة كبيرة فوقفتُ ورميْتُهُ بها. لكنّها لم تصل إليه. كان يبْعُدُ عنّي بِمِئتيْ أمْتار على الأقلّ. جلسْتُ في مكاني أُراقِبه. ثمّ أحْسسْتُ بِأشْياءٍ تقْرُصُني. ظننْتُ في البِداية أنّها الأعْشاب المُتوحِّشة ونبات السَّذَاب الأصفر(ثِمَسِّ ثَسَمَّتْ) التي تملأُ المقبرة وراء السّجن. وعندما تفحّصتُ رِجْلاي وحِذائي وجوارِبي، وجدْتُها مليئة بعشرات من القمْل التي بدأتْ تكْتسِحُ كُلُّ جسدي وتغْزوه. إنّها قَمْلُ السُّجناء التي تفيضُ بها أعْشاب وسبانِخ المقبرة، والتي يقْطِفها الباعة الجوّالون ويبيعونها في السّوق لِيأكلها النّاس. وذالك عندما تُحَلَّق رُؤوسهم فيُلْقونَ بِشعرِهِم في المقبرة وراءَ أسْوار السِّجْن. فقُمْتُ مُهرْوِلاً وسط غابةِ "البَقُّولة" (ثِبِّ) المليئة بالقمل وأنْفُظُهُ لِأنّهُ بدأ يمْتَصُّ دمي. كنتُ أبكي وأجْري وعيْنايَ ثابِتتانِ على السّاعي المشْؤوم ونبات السبانخ المَلْغوم. فسقطْتُ ثمّ قُمْتُ مُتابِعاً هرْوَلتي نحْوَ دارِنا بِجِراحٍ في يدي وقدمي...ي 


و   

 س    سبب تِلْكَ التّراجيدْيا الجِدُّ أليمة، هو أنّ شخْصاً أحمقاً، أشْعَث الشّعر، قذِر الثّياب ومُتّسِخ الوجه. يُثيرُ الرُّعْب بِملامِحِهِ المُخيفة، وروائِحِهِ النّتِنة الكريهة. كان واقفاً قرْبَ باب دارنا، ينظُر في يده ويَعُدُّ قِطع النُّقود القليلة التي تصدَّقَ بها عليْهِ الناس. وكانت أخْتايَ فرِحتانِ بِالعيد الكبير ولوْ أنّهُ عيدٌ حافٍ بِلا أُضْحية. وكانتا سعيدتانِ بِهذه المُناسبة الدينية وأيْدِيَهُنّ مُخضّبة بِالحَنّاء ولابستان ثياب العيد الجديدة، ولكنّهما لا تَسْتطيعانِ الخروج من دارِنا خوْفاً من هيْئةِ الأحمق الذي تسمَّرَ كعمود الكهْرباء العُمومي قُرْبَ بابِنا. وكُنْتُ أتفاوض معه بِأدب لِكي يبتعد عن بابِ منْزِلِنا لِأنهُ يُخيفُ إخْوتتي الصغيرتين وابنة الجارة صديقتهما التي كانتْ معهما. وعندما رجع أخي من المسجد بعد صلاة العيد، وجدنا نتناقش أنا والشّحّاذ المجْنون. ففهِمَ المُشْكِل وأمرهُ أخي عبد الله بِالاِبْتِعادِ فَوْراً عن دارنا، آنذاك رفع الرجل جِلْبابه فجْأةً، وسحب من داخله قضيباً حديدياً غليضاً رفعهُ بيدهِ اليُمْنى عالِياً لِينْهالَ على رأسِ أخي بكلِّ قوّتِهِ، وأنا خلْفه أشُدُّهُ من جِلْبابهِ وأحاول نزْعَ عصاهُ الحديدية التي كان قد رفعها مرّةً أخرى لِيضْرِبَ أخي مرّةً ثانية. ولكنّهُ تغلّبَ عليّ وانتزع من يدي العصا وهرب. لِيَخِرَّ أخي عبد الله مُنْهاراً على عتبةِ دارنا، والدِّماء تتفجّرَمِنْ رأْسِه، وأنا أرْتعِد وأتأمّلُ المَشْهد الأليم الذي لا يُمْكِنُ لي أبداً أنْ أنْساه..!ء
ء     عندما وصلْتُ إلى المنزل، وجدتُ إخْوتتي الصُّغْرييْنِ فقط. كانتا جالستانِ كاليتيمات على عتبةِ دارنا تبْكيان. فلاحظتْ أختي حورية الدّم في جبْهتي وذِراعي وقدمي بِسببِ تعثُّري وسُقوطي في المقْبرة. فسألتْني عمّا وقع لي. وأنا أسْألُها ماذا وقع لِعبد الله وأيْنَ أمّي وأخي مُحمّادي. ولمّا حكيْتُ لها ما وقع لي بعد مُطاردتي لِلْمُتسكِّع السّفّاح، قالتْ مُسْتهْزِئة بِظُروفِ عيدنا:ء 
ء     ـ أنتَ مجْروح ودمُكَ في القدم يسيل، وأخي عبد الله ظَلَّ يصْرخُ بِألم بِسببِ نزيفه الذي لم يتوقّف. فنادتْ أمّي على سيارةِ الإسْعافِ وحملوهُ إلى المُسْتشْفى. فيا لَلْعيد يا لَلْعيد..!ء
ء    اِنْبثقتْ في ذِهْني القصيدة المشهورة لِلمُتنبّي التي ينعي فيها حظّه:ي
 عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ *** أبِمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديد  






ء    سمِعْنا صوت سيارة تقفُ قُرْبَ بابِنا. وهرْولْنا جميعاً لِنسْتطْلِعَ مَنْ جاء عِنْدنا. كانت سيارة الإسْعاف البيضاء. خرج السّائق وفتح الباب. ثم ساعد أخي عبد الله على الخروج. فتبِعتْهُ أمّي وأخي مُحمّادي. كان رأس عبد الله ملْفوفٌ في ضمادات بيضاء  مُلطّخة بالدّم. إنها آثار الغرزات الجِراحية.ء 
ء     دخلَ الجميع وساعدَ أخي مُحمّادي عبد الله على الاِسْتِلْقاء على السّرير. بدأتْ أخْتايَ الصّغيرتانِ تشْهقانِ بِالبُكاء وهما تتأمّلانِ مُصابُنا العزيز. فطمْأنهما أخي عبد الله قائلاً:ء
ء    ـ ما بِكُما تبْكِيان؟ أنا بِخيْر. جُرْحٌ خفيفٌ بدونِ ألَم. لا تُنْغِصوا عيدكم بِسببي. أنا بِخير إخْوتتي.ء
ء     وترامتتا عليه تُعانِقانِه وهما تذْرِفانِ دُموع مآسينا. وقالتْ له حورية:ء
ء     ـ أفضِّلُ أنْ أموتَ أنا الأولى قَبْلكم لِكَيْلا أراكم تتعذّبون..!ء
ء     فقالتْ أختي ثمونْت:ت
ء     ـ وأنا أيْضاً. أتمنّى أنْ أموتَ قبْلكم جميعاً وقبْلَ أمّي لِكيْلا أراى أحدكم يمْرض أوْ يموت.ء
ء     فاقْتربتْ مِنْهما أمّي تُعانقتْهما وتُقبّلهما وتقول:ء
ـ     ـ هذا حادِثٌ بسيط يا ابنتاي. أخوكم بِخير، والجُرْح ليس عميق ولم تقع أضْرارُ في الدِّماغ. فهدِّئا مِنْ روْعِكُنَّ يا بناتي العزيزات. ثُمَّ تناولتْ من جيْبِها دِراهم وأعْطتْ لِكلٍّ مِنّا درهمان وهي تقول:ء
ء    ـ هذانِ درهمانِ لِكُلِّ واحدةٍ منكما لِشراء الحلْوى. وهذه لعبد الرحمان. اليوم يوم العيد. لا تحْزنا واذهبا مع صديقاتكما بنات الجيران لِتتنزّها. نعيمة وشُميسة ينتظرانكما في الخارج لِتَسْتمْتِعنَّ بِيومِ العيد. سيُرافقكما أخوكما عبد الرّحْمان لِيحْرسكما. فاذْهبا في حِفْظِ الله.ء
وخرجْنا بعدَ أنْ وضعتْ أمّي وراء آذان إخْوتتي شيْئاً من وسخِ الرّمادِ اتِّقاءً من العُيونِ الحاسِدة. وسحبَ أخي مُحمّادي من جيْبِه سِتّةَ دراهم فرّقها علينا جميعاً.ء
 ف    فرحْتْ أخْتايَ بالدراهم الكثيرة وبِحالة أخي عبد الله المُسْتقِرّة والمُتحسِّنة، ولاسيّما بعد أنْ طَمْأنهما بِنفْسِه. وتضاعفتْ فرْحتي بعد أن أعْطتْني أمّي دِرْهمان لِنبْتعِد قليلاً من هذه الكآبة التي سوّدَتْ أمْزِجتنا جميعاً. وفكّرْتُ أنْ أعودَ إلى "بوبْلاوْ" لِأرى رْمومْنَة وأُبارِك لها العيد،  وأقْسِمُ معها دراهِمي. رُبّما أمّها ليْسَتْ لديْها دراهِم لِتُعْطيها مِثْل أمّنا. رُبّما لمْ تبِع مُجوْهراتِها وكل حِلْيِها. أوْ ربّما ليس لديها ما تبيعُهُ أصْلاً. وخرجْنا فرِحين ونحن نُسلّم على بناتِ الجيران ونتبادل التّهاني ونضْحكُ كالملائكة.ء
ء    ذهبْنا في نفْسِ الطريق: شارع المغرب العربي. كان الجوّ مُعْتدِلاً لا بارِداً ولا حارّاً. كأنّهُ يوْمٌ ربيعي في فصل الشّتاء. الشمس تُرْسِلُ إشِعّتها الخافتة، ونحن لابسين ثياب العيد الخفيفة. وكنّا نُحِسُّ بِالأمن والرّاحة، ونحن نمْشي على الأرصفة المُتشابهة العريضة والنّقيّة. ولا مَنْ يعْترض سبيلك من طرف التّجّار والبائعين المُتجوّلين على الأرْصِفة النّظيفة والمُريحة، ولا كراسي المقاهي التي تحْتلُّ المِلْك العُمومي في كلِّ المدينة كما اليوم. كُنّا نسْكن وسط الناظور فِعْلاً. ومع ذالك كان الهدوء قروي وساحِر، ونظام المدينة الهندسي والبيئي جميل وأخّاذ..!ء





عمي السقالي سّي مُحنْد

ء    وصلنا إلى دار عمّي السقالي سّي مُحَنْدْ على بُعْدِ مجْموعتينِ سكنيتيْنِ فقط (مَنْصَنَ) من دارنا. فرأيْتُهُ مُقْبِلاً إلى منزله بملابسه الرّسْمية كحارِس في السِّجْن المدني قُرْبَ الجمعية الخيرية. كان هذا الشّخْص ثاني فرد من عائلة الصقلي الكبيرة الذي عرفْناه في الناظور بعد هِجْرتنا من بني سيدال. وتقع داره في الجهة المُقابِلة اليُسْرى من دارِنا.ء
ء    عنْدما لَمَحَتْهُ أختاي، هرعتا نحْوه تُعانِقانه. كانتا تعرفانِه جيِّداً لِأنّ طريق السجن وطريق الجمعية وطريق مدرسة الرّاهبات كلها تمُرُّ من هنا وتتقاطع في هذا الشارع، ولِذالِك كٌنّا غالِباً ما نلْتقي صُدْفة في هذه الطريق التي يقطعها يومياً لِيذْهبَ إلى عمله أو إلى السّوق. وكان كلّما الْتقَيْناهُ صُدْفة، يرْبِتُ بِحنانٍ على رُؤوسِنا ويُعْطينا الدّراهم، لِدرجةٍ أحْياناً كنتُ كلّما لمحْتُهُ عن بُعْد، أُغيِّرُ الِاتّجاه لِكيْلا يراني ويظْطرّ لِإعْطائي النُّقود. كان إنسانا بمعْنى الكلمة، وكان رجلاً حنونا. لذالكَ كُنّا نَحْترمه ونُحِبُّهُ كثيرا...ا
ء    ـ عيدكم مُبارك أولادي الصِّغار. كيف حالُكم وحال والِدتكم؟
ء    ـ بخير عمّي. نحن بخير. شكرا جزيلاً لك.ء
ء    أجبْتُهُ وأنا أُحدِّقُ في إخْوتتي خوْفاً أنّ تبوحا له بِمشاكلنا وأنّنا لمْ نشْترِ العيد، أوْ أنّ أمّي وإخْوتي قضوْا يوم العيد في المُسْتشْفى بسسبِ ما وقع لِأخينا عبد الله.ء
ء     بعد ذالك سحب من جيْبِه نُقوداً وأعْطى لِكُلٍّ مِنّا ثلاثة دراهم وهو يقول:ء
ء     اليوم العيد. هذه لِكم لِتشْتروا الحلْوى. سلِّموا على والدتكم وكل إخوتكم.ء
ء    مُبَلَّغ عَمُّنا العزيز. شكراً لك. مع السّلامة.ء
ء    فرِحْنا بالدّراهِم التي ربحْناها اليوم. كُلّ واحِدٍ فينا كان يتوفّر على سبعة دراهم. وإذا جمعْنا ما نمْلِك جميعاً، فَسيُساوي واحد وعِشرونَ درهماً. ففرِحْتُ وقلْتُ لِحورية:ء
ء    أتريْنَ أختي حورية، ما نمْلِكه يُساوي 21  درهما، ثمن كيلو ونِصْف من اللّحْم. لوْ كانتِ الأسواق أو المجازِر مفْتوحة، لَاشْتريْنا كيلو لحم وأشياء أخرى لِنُفاجِئَ أمّنا ونأكل اللّحم يوم العيد ككُلِّ الناس. ولكن كل المتاجر مسْدودَةٌ اليوم ما عدا المقاهي والسّينِما والمخابِز...ء
ء    ـ سنذهب إلى المخْبزة ونشتري الحلويات وكعكة ومونادا وسنُفاجِئهم بكلّ هذا وسيفْرحون. ولكن ليس قبل أن نرى صديقتي حُسْنِية وصوفي المِسكينة. إنها عند مونْخاس لِأنها يتيمة الوالدين.ء
ء    اِسْتأْنفْنا طريقنا نحْوَ شارع محمد الخامس في اتِّجاهِ منزل صديقتهما حُسْنِية. كانتِ المقاهي مُصطفّةٌ على جانِبي هذا الشارع الرّئيسي منَ العمالة القديمة إلى النّادي البحْري. وكان الأطْفال هم مَنْ ملأَ المقاهي اليوم، يطلبون المشروبات لِنادِل المقهى وهم فرحين بيوْمِ العيد. لمحْنا "جَعْدار" جالِساً في مقْهى الدّار البيضاء وهو يرْشفُ كأْس الشّاي الحُلْو بِالنّعْناع. حيّيْتُه قائلاً:ء
ءـ أهْلاً سّي جعْدار. مامَشْ ثَدْجِّذْ ؟ء
ء فابتسم بِلُطْفٍ كعادتِه ولكنّهُ انْطِوائي الشّخْصية ولا يتكلّمُ إلاّ قليلاً. كان جعْدار وجهاً محْفوراً في ذاكرة النّاظورِيّين الذين لن ينْسوْهُ أبداً. ولاسيَّما أنّهُ كان جِدّ مُسالِم ولم يكن عنيفاً كبعض مجانين الناظور الذين لا تمُرُّ بِقُرْبهم حتى يُفاجِؤونك بِضرْبةٍ على رأسِك. كالأحمق المعْروف "قَرَّعْ يَمّاسْ" الذي كان مقرّه محطّة الحافلات (بَرَذَ)، أوْ الشّحّاذ الخطير الذي أرسل أخي إلى المُسْتعْجلات صّباح هذا العيد..!ء
س    سألتْني أختي ثمونْت عنْه وعمّا إذا كنتُ أعْرِفه. فشرحْتُ لها أنّهُ إنسانٌ مأْلوف عند كل الناظوريين، ويعرفه الجميع لِأنّهُ يعيشُ دائِماً هائماً في الشوارع والمقاهي يطلبُ الصّدقة بِخجل. وأنّهُ فقير مُتسكِّع وجِدّ مُسالِم. ولكني لستُ أدْري أين يُقيم ولا أعْرف لا أصْله ولا فصْله...ء




جعْدار. الوجه الذي لا يُنْسى 

ذ    بعد ذالك، ذهبنا مُباشرةً إلى مدرسة الرّاهِبات بِإيعازٍ من أختي حورية لِتُبارك العيد لِصديقاتها اليتيمات اللواتي لم يكن لهنّ الحظّ في قضاءِ يوم العيد المُبارك مع عائلاتهِنّ. ولا سَيّما صوفي الجميلة واليتيمة الأبوين. والتي كانت تأْتي كل مرّة إلى دارنا، لدرجة أنّ أختي حورية كانت تقترح على أخي مُحمّادي الزّواج بها لِجمالها وحُسْنِ أدبها وتربيتها المِثالية.ء

ء    اِنْتظرْتهما حتى خرجتا ومعهما صوفي الجميلة الهادئة. كنتُ أنتظرهما خارج المدرسة لِأنّ الرّاهِبات لم يكُنّ يسْمحْنَ بِدخولِ الأولاد إلى مُؤسّسةٍ خاصّة بالفتيات. كانت اِخْوتتي فرِحتيْنِ بِسماحِ الرّاهِبات لِصوفي أنْ تُمْضي العيد معنا. أمّا أنا، فقد كادتْ تبْتلِعني الأرض بِسببِ خجلي من اِسْتِظافةِ حورية لِصديقتها التي نحترمها، لِتُمْضي معنا يوم العيد ونحنُ بِلا عيد..! ولكنّ حُضورها معنا سيكون بِمثابة قيمة أوْ بَهْجة مُظافة لِبهجاتِنا القليلة النّادِرة، ولا سَيّما بالنِّسِبةِ لِأخي مُحمّادي الذي كان يُحِسُّ بِالسّعادةِ عندما يراها...ء
ء    لاحظْتُ أنّ اخْوتتي لا يتحدّثْنً إلاّ بِاللّغةِ الإسْبانية عندما تكونانِ وحْدهما. ولا تعْرِفانِ مدينة النّاظور رَغْمَ صِغرِها. لِذالِكَ سألتْني حورية عَمّا إذا كانت هناك مَخْبَزة لِنشْتري كعكة وحلويات. فقُدْتُهُنَّ إلى مخبزة "ذومّازْ" القريبة من مدرستي إبن خلدون. فاشترينا كعكة بالفواكه وثلاث خُبْزات وخرجْنا.ء




  حسنية صديقة إخوتتي وحياة حفيدتي. إلْتقطْتُ هذه الصورة التّذكارية يوم زواج أختي حورية بِكاتِب الجمعية الخيرية سّي عبد السّلام الذي كان صديقي

ء    اِرْتفعتْ آذان المغْرِب منَ الصّوْمعة الوحيدة التي كنتُ أعْرِفُها وأُصلي فيها في الناظور، والتي كان يُراجِعُ فيها أخي عبد الله دروس الشّريعة، هُدوءٌ وسُكون في هذا المساء من شهْرِ شُتنْبِر الدّافِئ. حتى في وحوْلَ مدرستي القديمة إبن خلْدون التي تضجُّ عادةً بِأصوات التلاميذ وشغبِهِم داخِلَها وخارِجَها، كان السُّكونُ مُخيَّمٌ وشامِل. الظّلام بدأَ يُرْخي سُدولَه على أرْضِ هذه المدينة الجميلة الهادِئة. والأحْياءُ خاوِيَةٌ على عُروشِها، إلاّ من بعضِ الأطْفال الذينَ يلْهونَ أمامَ عتباتِ بُيوتِهِم بِهُدوء..!ء

ء    فَكَّرْتُ في أبي رحمه الله. وتاهَ تفكيري مع الأيّام الخوالي في دارِنا الكبيرة بِبَني سيدال أيّامَ العيد. حينَ كان أبي مُتحزِّماً لِذَبْحِ أُضْحيَة العيد. ونحنُ أبْناؤُهُ الأعِزّاء نحومُ حوْلَهُ ونشُدُّ إحْدى أرجلِ الكبش لِكيْلا يتحرّك، أوْ نُمْضي السّكاكين، وأخي عبد الله يبحثُ عن الأخْشاب لِحرْقِ رأس الكبش وأرجله الأرْبعة لِإزالةِ الصّوف. لِنأكلهُ لاحِقاً مع الحُمص، والخادِمتان عيشة مامّة ميمون وأختها ميمونت تُهيِّآنِ الأواني لِغسْلِ المعِدة والأمْعاء(ثَكْرِشْتْ).ء

ك     كُنّا أحْياناً لا نشْتري الكبْشَ بِالضّرورةِ منَ السّوق الأسْبوعي البعيد في أسْفَلِ سافِلين في سفْحِ جبلِ أذْرارْ. جبل الموْت الذي كادَ في شهْرِ غُشْت من عام 1980 أن يودي بعائلة أختي الحاجة يمينة حفظها الله، وهي الواقِعة التي سأعود إليها بِمزيدٍ من التّفْصيل في سياقها اللاّحِق لِخُطورتها. بَلْ كان يمُرُّ كسّاب أوْ راعٍ يبيعُ الخِرفان والأكْباشَ لِلناس في هذا المَوْسِم المُبارك. وهي الظّاهِرة التي نجدها في كلِّ الأحياء الأخرى القريبة والبعيدة. ولا زِلْتُ أتذكّرُ إلى عَصْرِنا هذا، يوْمَ مَرَّ بائع أكْباش العيد خلْفَ دارِنا نا حِية "إبَجُّوقَنْ"، فخرجْنا جميعاً لِنخْتارَ أُضْحية العيد. كان أبي يَفْحصُ الأكباش ويهُزُّها لِيَزِنِ ثِقْلها، لِيخْتار الأكْبر والأغْلظ لِأنّ العائلة كبيرة. ويُساوِمُ الثّمن مع الكَسّاب. أمّا أنا، فقد اقْتحمْتُ القطيع ودخلْتُ في وسطِه لِأعْزلَ كبْشاً طويل القُرون وأحاوِلُ جرّهُ إلى الدار. فأدْخلْتُهُ إلى الإسْطِبْل الطويل مع الأحْصِنة وبقرتنا الحمراء. ثمَّ خرجْتُ وذهبْتُ إلى الحديقة الخلْفيَّة لِأبْحثَ له عن أعْشاب.ء
ء    لَمْ أعْرِف كَمْ مَرَّ من وقْت. وعندما عُدْتُ بِالأعْشابِ إلى الدّار، وجدْتُ الجميع مُلْتفٌّ حول كبش العيد الصّغير القُرون الذي اشْتراهُ أبي. وعندما رأوْني آتِياً بِالأعْشاب، قالت أمّي رحمها الله.ء 
ءء ـ الله يرْضي عْليك أوْليدي. أتَيْتَ بالعُشْبِ لِكبْشِنا. أنتَ ذكيّ تُفكِّر في كلِّ شيء وتسْبقُنا دائماً بِأفْكارِكَ الذّكيّة.ء
ء    فتقدّمَتْ نَحْوي باسِطةً يديْها لِتأخُذ الأعْشاب لِتُعْطيها لِلكبش الذي ربطوهُ وسط الدار لِيراهُ الجميع. ء
ء    فنفرْتُ مِنْها وتراجَعْتُ إلى الوراء وأنا أقولُ لها:ء
ء    لا. لَنْ أعْطيكِ الأعْشاب. أنا قطفْتُها لِكَبْشي.ء
ء    فحارتْ أمّي وهي تنظر بدهْشة في أبي والآخرين وتسْتعْطِفُني لِأُعْطيها أعْشابي.ء
ء    ـ ليْسَ عندنا كبْشٌ آخر يا ابني. هذا هو كبشنا الوحيد الذي تراهُ أمامَ عينيك. إنّه كبشُك فاعْطي له الأعْشاب بِنفْسِك.ء
ء    ـ لا. كبشي ليس صغير القُرون مِثْل كبشكم. كبشي طويل القرون.ء
ء     ورجعْتُ إلى الوراء حيث ربطْتُ كبشي في عُمْقِ الإسْطِبل مع بقرتنا الحمراء والأحْصِنة. فقلْتُ لها:ء
ء    ـ ها هو كبشي الطويل القُرون.ء
ء    وهرْوَلَ الكُلُّ بِدهْشة إلى الإسْطِبْل لِلتَّحَقُّق من كلامي. فإذا الجميع ينْفجر بالضّحِك وهُمْ يتفحّصونَ الكبْش الأبيض الصوف والطّويل القُرون. ثُمَّ جرّوهُ إلى خارِجِ الدار وهم يبْحثون ويُنادونَ على البائع الكسّاب لِيرُدّوا له بِضاعتَهُ، وأنا أبكي وأصرخ لِيتْركوا كبشي يرُدّوا له كبشهم الصغير القُرون..! ء



ع    عندما خرجْنا من مخبزة "ذومّازْ"، عُدْنا تَوّاً إلى دارِنا. كانتْ أمّي قد هيّأتْ الشّاي والمُسَمّن ووضعتها على المائدة في غرفتنا. وسلّمتْ على الضّيفة صوفي مُرحِّبةً بها أيّما ترْحيب. وأخي عبد الله لا زالَ نائماً في رُكْنٍ في غُرْفتِنا لِيتْركَ السّرير الذي تنام فيه أمّي وإخْوتتي معاً. وأخي مُحمّادي مع أصدقائه في المقهى رُبَّما.ء
ء    وضعْنا الكعْكة والخبز فوق مائدة العشاء. فقالتْ أمّي فرحة:ء
أَيْنَ وجدتم النّقود لِشِراء كل هذا يا أبنائي الصّالِحين؟ء
ء    فتسارعتْ أختي ثمونْت لِتُخْبِرَ أمّنا بِكُلِّ ما فعلْناه، وبلِقائنا بِعمِّنا سّي مُحَنْد الصقلي الذي يسلِّم على الجميع، وأنّهُ أعْطى لكلّ واحِدٍ مِنّا ثلاثةَ دراهم بمناسبة عيد الأضحى المُبارك السّعيد..!ء

يتبع






Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الحياة في باسو - في انتظار الإعْدام

Chapitre 3 ـ Sana ـ سناء

فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث