الفقرة 16 ـ ليالي الأُنْس


ليالي الأُنْس

سنوات ثانوية الكندي التأهيلية



ثانوية الكندي التأهيلية. أقسام الملاحظة. القسم الأوسط هو الذي درسْتُ فيه المُلاحظة وكرّرْتها بسبب مرضي

ليالي الأُنْس

وبالوالدين إحسانا

***
ء    أظافتْ أمّي هيْدورة أخرى ووِسادة في غُرفتنا، وطلبتْ من الضّيْفة المحْبوبة صوفي الجُلوس حوْلَ المائدة. وأشْعلتْ أختي حورية المِذْياع لِإضْفاءِ شيْئ من البَهْجة على الجوّ العائلي الحزين.ن
و    ولمّا أحسّ أخي عبد الله بِأصواتِنا نضْحك ونحن داخِلين، نهظَ  وسلَّمَ على صوفي، ثُمَّ جلسَ مع الجميع حوْلَ المائدة لِلْعشاء بِرأْسِهِ المجْروح والمُغَطّى بِالضمادات.ء
ء    كانتِ الساعة السادِسة والنِّصف مساءً عندما دخل أخي مُحمّادي وفي يدِهِ كيس ورقي (أَقَرْطوطْشو) يحْتوي على الفول السوداني(قاوْقاوْ) ولُعْبة الرّامي التي كانت لا تُفارِقُهُ مِثْل حِكاية خالي العرْبي رحِمه الله مع لُعْبة الدُّومينو. وفرح حين رأى صوفي. فسلّمَ عليها وقال بِلهْجتِهِ المرِحة مُبْتَهِجاً وهو يُصفِّقُ بيديه بِهدوء:ء
ء    ـ الآن بِمجيئِ صوفي إلى دارنا في هذا العيد السّعيد، اِكْتملتِ الفرْحة حقّاً.ء
ء    وأكلَ قِطْعة حلْوى واقِفاً. ثمّ غسل يده وانْظَمَّ إلى الجميع لِيلْعبَ لُعْبتهُ المُفَضّلة التي كان مَبْليّاً بها، وعلّمَها لنا جميعا بِمَنْ فينا إخْوتتي الصّغيرتان. لِتصير عادة في عائلتنا يلْعبُها الجميع. أمّا أنا، فقد فضّلْتُ إنْهاء قِراءة قصة "تحت ظِلال الزَّيْزفون" لِأُعيدهُ لِصديقي مُساعد مُربّي الجمعية السيد أحمد المنصوري رضي الله عنه.ء
ء    كانوا يلعبونَ إثْنانِ ضِدّ إثنان، واختار أخي مُحمّادي صوفي كشريكة لَهُ في اللّعِب ضِدَّ الثُّنائي الآخر الماهِر الذي هو أختي حورية وأخي عبد الله. وكان أخي مُحمّادي قد سألَ صوفي سالِفاً عمّا إذا كانتْ تعرف لَعِبَ الرّامي وتُتْقِنُه، فقالت له أنّها مُبْتدِئة ولكنها ليستْ قوية ولا ترْبح إلاّ نادراً. فاختارها لِأنّه ذكيّ في هذه اللُّعْبة ليكون هناك توازُن في اللّعِب بين الفريقيْنِ المُتنافِسيْن. واسْتمَرَّ اللّعب الرّومانسي الهادئ تحْتَ أنْغام الطّرب الغرْناطي والأندلُسي المُنْبثِق من المِذْياع الصّغير الذي اشْتراهُ أخي مُحمّادي من سوق الدّلالة أوالجوطية بِثَمَنِ كُتُبِهِ المدرسية التي باعها بِدراهِمَ مَعْدودَة..!ة



لاعِبو الورق. صورة فوطوغرافية لِشقيقاي عبد الله ومحمد

ي1985 في منزل أخي عبد الله بالناظور(على اليمين)، يلعب"الرّامي" مع أخي الكبير محمد الذي كان يسكن مع عائلته الكبيرة في أزْغَنْغان، وله دُكّان لِلخياطة بالناظور. صورة اِلتقطْتُها بِآلة تصوير بسيطة ولكنها مُعبّرة عن مدى تقارب وتفاهم إخوتي في ذالك الزمن الجميل قبل أن يكبروا ويتزوّجوا ويتهجّروا ويتشتَّتوا. لِيَسْتَمِرَّ نزيفُ التِّرْحال والهِجْرة التي فجَّرَتْها أمُّنا ويشْمل العالم الذي بدأ يبْدو لنا مع ثقافتِنا ووعْينا كقرْيةٍ صغيرة. وكان الغرض من اِلْتِقاط هذه الصورة، أنْ  أُخلِّدَ شقيقايَ بِرَسْمِ لوحتهما هذه لِتكون تُحْفَة فنّيّة خاصّة بِمِلْك العائلة، وأُسمّيها: "لاعِبو الورق" التي تناولها فنّانون عالميّون عديدون كُلٌّ حسب تيّارِه المدرسي من واقعية، وتجريدية، وتكِعيبية، وكلاسيكية ومُسْتقبلية... مثل هذه اللوحة أدْناه لِلفنان العالمي بول سيزان الموجودة في متحف أورْساي بفرنسا.ا 


Les joueurs de carte de Cézanne qui se trouve au Musée d'Orsay en France. considéré comme le précurseur du post-impressionnisme et du cubisme
لاعِبو الورق لِلفنان العالمي بول سيزان الموجود في متحف أورْساي بفرنسا
اِنطباعيةا



Cézanne et Les Joueurs de Cartes  اِنطباعية


Georges de La Tour لاعبو الورق حسب الفنان العالمي جورج دو لاتور= واقعية كلاسيكية 


Fernand Léger لاعبو الورق حسب الفنان العالمي = تكعيبية


Jan Steen = لاعبو الورق حسب الفنان العالمي= واقعية كلاسيكية أكاديمية



Gabriel Metsu th century fashion baroque painting لاعبو الورق حسب الفنان العالمي كابرييل ميتزو كلاسيكية 



Jean Baptiste Siméon Chardin لاعبو الورق حسب الفنان العالمي: كلاسيكية



كلاسيكية = Lucas van Leyden  لاعبو الورق حسب الفنان العالمي



 اِنطباعية : Edouard Manet  لاعبو الورق حسب الفنان العالمي


 تعبيرية  = James Ensor. 1902 لاعبو الورق حسب الفنان العالمي
.



invalides de guerre jouant aux cartes Dix Otto : سريالية



Castelvetro Piacentino لاعبو الورق حسب الفنان العالمي: تجريدية


لاعبو الورق حسب الفنان العالمي فِرْناند ليجي : تكعيبية ـ تجريدية
La partie de cartes est une huile sur toile de Fernand Léger peinte en 1917. Œuvre cubiste, elle montre une partie de cartes entre des soldats français de la Première Guerre mondiale, qui ont plus l'air de robots que d'êtres humains.



Jean Metzinger (French, 1883-1956) : La Tireuse de Cartes, 1915. © Private collection.
تكعيبية


Botero giocatori لاعبو الورق حسب الفنان العالمي: واقعية ـ سريالية


Les joueurs de carte de Pablo Picasso لاعبو الورق حسب الفنان العالمي بيكاسو: واقعية
ومعروف أنَّ بيكاسّو هو مُؤسِّس المدرسة التّكْعيبية مع بول سيزان، ومع ذالك كانت بِدايته واقعية. وهو صاحب المقولة المشْهورة 
قبل أن تمارس التجريد، اتْقِنِ الواقِعيّة أوَّلاً"د 
"Avant de déformer il faut savoire former
 لنا عودة إلى هذا الموضوع في مُحاضرةٍ خارج رواية اليوميات لِأفسّر كيفية وعوامل تطوّر المدارس الفنية عبر التاريخ والجغرافية مع خلْفية تاريخية عن وظيفة الفن عند الشّعوب البدائية. واسمحوا لي إنْ عَرَجْتُ بكم إلى عالم الفن في جوْلةٍ قصيرة أرْجو أنْ تكون مُفيدة ومُمْتِعة، ولاسيّما أنها (لُعبة الورق)، ظاهِرة عالمية نجدها عند جميع شُعوب العالم في كل الأزْمِنة والعُصور لِمُحاربة الملل وقهر الاِنْفِصال...ء


ء    واصَلَ الفريقانِ المُتنافِسان اللّعِب الهادِئ تحْتَ بَثِّ المِذْياع لِلأنْغامِ العَذْبَة، ومُوَشَّحاتٍ راقية بِأصْواتٍ نِسائِية ساحِرة:ء

      جادك الغيث إذا الغيث همى           ***      يا زمان الوصل بالأندلس
    لم يكن وصلك إلا حلما                ***       في الكرى أو خلسة المختلس
             فاذا الماء تناجى والحصا              ***       وخلا كل ٌّ خليل بأخيه
         فأعيدوا عهد أنس قد مضى            ***      تعتقوا عبدكم من كربه
        إن يكن جار وخاب الأمل              ***      ففؤاد الصَّبِّ بالشوق يذوب
     فهو للنفس حبيب اول                  ***       ليس في الحب لمحبوب ذنوب
         ما لقلبي كلما هبت صبا                ***      عاده عيدٌ من الشوق جديد
      جلب الهم له والوصب                 ***       فهو للأشجان في جهدٍ جهيد
           كان في اللوح له مكتتبا                ***       قوله : إن عذابي لشديد
   سلمي يا نفس في حكم القضا          ***       واعمري الوقت برجعي ومتاب
     ودعي ذكر زمان قد مضى            ***       بين عُتبى قد تقضت وعتاب
      واصرفي القول الى مولى الرضى    ***       ملهم التوفيق في أم الكتاب


ء    اِسْتمرَّ سَمَرُ ليلة عيد الأضْحى في أجْواءٍ تملَؤها السعادة والبهْجة والحُبور، وكأنَّنا في عُرْسٍ ملائِكي. الرّاديو يُذيعُ أنْغام الطّرب الغرْناطي والأمْداح النّبويّة الشّريفة السّاحِرة بِأصْواتٍ خاشِعة، والمُوَشَّحات الأندلسية التي تُضْفي نكهة خاصة على السّهرات الرّمضانية والأعْياد الدِّينية الجميلة في أماسي راقية مِثْل ليلتنا هذه، لِتُبْهِجَ العُشّاق بِأحْلى الأنْغامِ وأرْوَعَها. فضْلاً عن دقّاتُ ساعتنا الجديدة الحمراء المُعلَّقَة فوق جِدارِغُرْفتنا، والتي كانت عقاربها السّوْداء تتراقص كالسَّكْرانَة فوق الأرْقام على إيقاعِ نبضاتِها ودقّاتها الثّابِتَة الإيقاع، وهرَج لاعِبي الوَرَق ودرْدشاتهمُ الحِبِّيّة والوَدّيّة المُؤَدَّبَة، ونظرات أمّي الحنونة إلى أبنائها وهم يلْعبون ويمْرحون سُعداء. كانتْ هذه الليْلة المأْساوية من أجملِ ليالينا في الناظور مُنْذُ هاجرْنا من بني سيدال. فَيَا لَلسّعادة في هذا العيد الحزين..!ء
 ت    تَناهتْ إلى آذانِنا أصْداء آذان صلاة اليوم الأخيرة، فقامتْ أمّي لِتُصلّي العشاء على سجادتها الحمراء بِقُرْبِنا. وتبِعْتُها أنا، فصلَّيْتُ. بعدها قام أخي عبد الله وتوضَّأَ فصلّى الظُّهْر والعصْر والمغْرب والعشاء معاً كالشّيعة، لِأنّهُ لمْ يُصلِّ اليوم كلّه بسببِ مُصيبة الشّحّاذ المَسْعور الذي ضربه بِقضيبِهِ الحديدي الغليظ وكادَ أنْ يقْتُلَهُ بالضّرْبةِ الثّانية التي أفْشَلْتُها حين انْقِضَّيْتُ عليْه وحاولْتُ نَزْعِ قضيبه مِنَ الخلْف.ء
 ن    نحن اليوم الجمعة 13 نوفمبر 1967، وهو يوم عيد الأضحى المبارك. وغداً السبت عُطلة. ويوم الأحد سأذهبُ كالعادة منذ ثلاثة أشهر إلى الملْعب البلدي لِلَعب كرة القدم مع فريقي ضدّ إحْدى الفِرَق الإقليمية الأخرى. كُنْتُ أذهبُ كل أيام الأحد إلى الملعب الرّياضي لِلْجرْي والقيام بِبعض التّمارين الرّياضية الضّرورية لِإنْعاشِ الجِسم وتزْويدهُ بِشيءٍ من الطّاقة والحيوية العضلية. بدلاً مِنَ الاِنْعِزالِ ألْتَهِمُ كُلُّ ما أجِدُهُ من كِتاب. ذالِكَ لِأنّ "العقل السّليم في الجِسْمِ السّليم" كما كُتِبَ على الجُدْرانِ الدّاخِلية لِلملعب بِأحْرُفٍ حمراء بارِزة. ولوْ أني عاشرتُ العديد من أصْحاب العضلات المَفْتولة والهياكل الضّخْمة. ولكنني نادِراً ما أجد بينهم جماجم مُكَوَّنة وأدْمِغة مُثقّفَة ومُفكِّرة وعميقة. لقد كان من بينهم مَنْ هو ليس سِوى جُثَّة ضخْمة مُسطّحة وجوْفاء ومِنْهُم مُدرِّبون..! فضْلاً عن أن مَقولَة "العقل السّليم في الجِسْمِ السّليم" ليستْ دائِماً صحيحة، لِأنَّ العاهة الجسدية أحْياناً هي أحْسَن مأْوى لِلْعقْلِ السّليم كما أعْتَقِد. وتكونُ نذيراً وعلامةً وعاملاً سيكولوجيّاً دافِعاً لِتفوّق الإنسان المُعاق لٍيُعَوِّض إعاقته الجسدية، ويُظْهِر عبقريته في ميادين أخرى كعبقرية عالِم الفيزياء الشّهير سْتيفان هوكينغ الذي أبْهَرَ العالم كله بِاكْتِشافاته الذّكية في حُقول العِلم.ء



العالم الموهوب والعبقري ستيفان هوكينغ : عالم يهزم الإعاقة الجسدية، ويُشِعّ العالم بنور عِلْمه. وهو بروفيسور في جامعة كامبريدج، وعالم الفيزياء الشهير

  خِ    خِلال تداريبنا الرّياضية، كان هُناك شابٌّ وسيم ورِياضي يُدرِّبُنا ويُلاحِظُ مهارات اللّاعِبين وتِقْنياتهم وكفاءاتهم الرياضية لِينْتقي مِنهم أجْود وأمْهر العناصِر الذين سيخْلفونَ أعْضاء فريق الهِلال الناظوري مُسْتقْبلاً. كان جِدُّ ظريف. لمْ أعُد أتذَكّرُ اسْمَهُ مع الأسفِ الشّديد، لِأنّ لِلذّاكِرةِ حُدود. وكُنتُ من بينِ العناصر التي اخْتارها لِتكْوين الفريق والمُنْتخَب الذي قد يُكْتَبُ له النّجاح والصُّعود في يوْمٍ ما. وهذه الفُرْصة أمَدَّتْني بقليل من الحماس في ارتِيادِ الملْعب وأستمِرَّ في تماريني الرياضية مع الجرْي. هذا كلّ ما كُنْتُ أحْتاجه لِتوازن صِحّتي البدنِيّة. أمّا أنْ أرْتمي في ميْدانِ الرياضة أوأحْترِفها كلاعِب أو بطل في شيء آخر في هذا الميْدان، فهذا ما لم أُفكِّر فيه أبداً في حياتي، ما عدا طبْعاً حُلُمي الكبير الذي تخلَّيْتُ عنه على مَضض وليس الوحيد، بِسببِ انْعِدام الوقت وضيْقِه، وهو الحُصول على الحِزام الأسود في الكاراتيه أو الجيدو. وقد تولّدتْ هذه الفكرة الحُلُم عندما تعدّى عليَّ أحد الأولاد وأخذ كتبي الفرنسية الثّلاثة 
(zembla, Tarzan et Kiwi)



التي اقترضتها من عند صديق لِأتعلّمَ الفرنسية بطريقة مُمْتِعة (رسوم مُتحرّكة)، لِأُعوِّض نقصي في الفرنسية التي كنتُ أكْرهها كلغة عالمية، بسببِ ارْتِباطها في ذاكرتي الشُّعورية بِالعذاب الأليم الذي كُنّا نتعرّض له من طرف السيد البرْكاني معلم الفرنسية في مدرسة إبن خلدون العتيدة. فأخذها غَصْباً عنّي وأنا أسْتعْطِفُهُ لِيَرُدّها لي. فرفض وهدّدني بِالضّرْب إنْ لمْ أذْهب إلى حالِ سبيلي. فنظرْتٌ إليْهِ أتأمّلُ جُثّتهُ الضّخْمة ووجْهه المليء بِالنُّدوبِ والجُروح وأنا مُحْبَط. فتابعْتُ الطريق إلى بيتنا في شارع المغرب العربي وأنا أبْكي.ي
 ك لَمْ أعْطي الرياضة أهمّية كبيرة لِأنّ آفاقها محْدودة وبعيدة عن ميْدانِ الفنّ والأدب الذيْنِ كانا يسْتهْوِيانني. كانتْ تتجاذبُ عقْلي مراكِز اهْتِمامٍ أُخْرى أهَمّ وأقْوى من كل أنواع الرّياضات، كما كانتْ تُشْغِلُني مُيولٌ وطُموحات لِلتّعبير، مثل الأدب والفلسفة والفن التي لا يمكن لِلرّياضة وحْدها تحْقيقها أوْ إشْباعها. ذالِكَ أنِّي خُلِقْتُ بِآمالٍ وطُموحاتٍ كبيرة ولانِهائية لَمْ أسْتطِع السَّيْطرة عليها، كانت تقودُني كالْأعْمى وتضْغَطُ عليَّ لِتحْقيقِها إرْضاءً لِأُمّي العزيزة التي كان تَفَوُّقنا في الحياة هاجِسُها الأكْبر، وحُلْمها الوحيد..!ر 
ء   ولكِنّي كنتُ مُسلَّحاً بِحافِزٍ جَبّار لِلْوُصولِ إلى هذه الأهداف وتحْقيقها على أحْسنِ وجْه، إرْضاءً لها رحمها الله...ء
 ء    وعندما ذكرْتُ أمّي في هذا المَقام، تسارعتْ إلى ذاكرتي المُركَّبة بِفِعْلِ تداعِيات الأفكار، ذِكْرى الزّوجان اللّذان جاءا إلى ثانوية (سيرْجْ كْروزْ) التي كنتُ أُدرِّسُ فيها الحضارة والدين الإسلاميين في مولمْبيك بِبروكسل خِلالَ سنواتٍ خَلَتْ. فأرْسلَ المدير كاتبته لِتسْتدْعيني لِأراه. وجدْتُ في مكتبِه رجل وامْرأة أمازيغيَيْن ريفيين. فقال لي المدير بعد تقديمهما لي، أنّهما أتيا لِيشْكُرانني بِسببِ تأثيري في ابنتهما المُراهِقة شيْماء التي كانت تهرب من المدرسة وتُسبِّب في الكثير من الحوادث سواءٌ في القِسْم مع التلاميذ والأساتذة، أوْ مشاكل في الدّار، أوْ تنْقَطِع عنِ الدِّراسة بِاسْتِمْرار.ر
و    وكانت إدارةُ المدْرسةِ قد بعثتْ لِوالِديْها رسائل تحْذير بِطرْدِها لِأنّها كثيرة الغياب. وقد كنتُ ألعبُ دوْرَ وسيط المدرسة التّربوي، وهو أعْلى درجة من المُربّي، والذي اقْترحهُ عَلِيَّ المدير مِراراً ولاسَيّما لِتكْويني السّيْكولوجي وتَخَرُّجي في عِلم النّفس، وعقليتي المُتفتِّحة والمُنْدمجة في المجتمع البِلْجيكي. وكذالك لِكوْني أتْقِن عِدّة لُغات، ولاسيّما الأمازيغية، لِكَوْنِ دائرة مولَمْبيك تعرف كثافة سُكّانية وحُظور قويّ لِلْجالية المغربية المُنْحدِرة من الرّيف والذي كان أغْلبهم أُمّيّون ولا يُتْقِنون الفرنسية. وكانت إدارة مُؤسّستِه بِحاجةٍ ماسّة إلى تُرْجُمانٍ ووسيط  ترْبوي يتوسَّطُ بيْنَ الإدارة وعائلة التِّلميذ عبْرَ دفتر المُراسلات والمُكالمات الهاتِفية والإسْتِدْعاءات الشّخْصية لِآباء التلاميذ وأوْلِياء أمورهم لِمُناقشةِ مشاكل التّأخُّر الدِّراسي عند أبنائهم وما هي سُبُل مُعالجتها وطُرُق حلِّها... فرفضْتُ العرْض بسببِ تعارُض الاِقْتِراح مع برنامج تحقيق طُموحاتيكُنتُ أعرِفُ دائماً ومُسَبَّقاً ما أريدُ في حياتي وأُخطِّطُ له عن بُعْد. وقد ساعدني هذا المَنْهج السُّلوكي الصّارِم والتّخْطيط العقْلاني لِجداوِل زمني في النّجاح وتحْقيق جُلُّ أهْدافي تقْريباً في زمنٍ قصير. ء




ء   ب    كانت قصّة الشّابّة الرّيفية المُراهِقة شَيْماء التي تابتْ ورجعت إلى رُشْدِها غريبة وعادية في نفس الوقت. وقد اِكْتشفْتُها في القِسْم خلال إحْدى الحصص الأخلاقية عنِ البَرّ بالوالديْن في الثانوية. كان القسم السّادس المُخْتلِط  بستّةِ عشر من البنات والبنون في شُعْبة قسم المبيعات هادِئ نِسْبِياً، نظراً لِاخْتِلاطِ مُراهِقات ومُراهِقون بين 17 و21 سنة. ومُحاولتهم الظُّهور بِسُلوكٍ مُهذَّب أمامَ الفتيات، فضْلاً عن اِحْتِرامِهِم لِشَخْصي ولِلْحِصّةِ التي أدرِّس لهم. وكانوا يتحدّثون عن صاحِب اللّحْية والِد زميلتهم شيماء الذي رأوهُ الأسْبوع الماضي يتخفّى ويتستَّر وراء سيارات الأساتذة والجيران، وهو يقْتفي أثر اٍبْنتِهِ التي كانتْ مَكْشوفة الرّأس وتُدخِّنُ الحشيش مع أصدقائها أمامَ باب ميتْرو الأنفاق. فانْقظّ عليها أبوها وجرّها بِشعرها إلى إدارة المدرسة، مُهَدِّداً بِإرْسالها إلى المغرب.ت
ء    عندما دخل التلاميذ إلى القِسم، كانوا يتحدّثون على مشكلة شيْماء التي كانت موْضوع حديث الجميع في الثّانوية: ء
ء    ـ شيماء هي أيضاً تُبالِغ! لا يجب أن تُدخِّنَ قُرْبَ الثانوية وتنزع وِشاح رأسها.ءء    
ء    ـ فِعْلاً. أنا مُتّفِقة معك. ولاسَيّما أنّها تعرف أنّ أباها من المُتعصِّبين في الدين وأنّهُ كان يُراقبها دائماً.ء
ـ أنا كل يوم أراها تمشي مع صديقٍ جديد!ء      
ء    ـ كُلُّنا نُدخِّن ونسْكر، ولكنّ السُّتْرة ضرورية أختي نجاة!ء
ء    ـ على كُلِّ حال، ولَوْ كان أبوها، فليْسَ له الحقّ في ضرْبِها في الشّارِع وأن يُذِلّها أمامَ كل التلاميذ. حتى المدير غير مُتّفق مع أبيها في طريقةِ ترْبيته العنيفة!ء
ء    ـ إذا شكتْ به إلى البوليس بِأنّهُ يضربها أوْ رأوْهُ يُسيء مُعاملتها، فسيدخل السِّجْن حالاً وينْزعوا له ابنته لِتسكن في دار الفتيات المُعَنَّفات مْثْل كل "أطفال القاضي". ولي صديقات كثيرات يُعانين من نفس هذا المشكل، ويسْكُنَّ في مُؤسّسات الأطفال العُمومية بعيدات عن أُسَرِهِنّ.ء
ء    ـ في هذه الملاجِئ تتعلّمُ الْفتيات الإنْحِراف كما ينْبغي. وأظُنُّ أنّ مَسْؤولي المُؤسّسة يشترون لَهُنّ حتى السجائر. والله حرام أنْ تُلَطِّخَ سُمْعتها وسُمْعة أبيها وأُمِّها المِسْكينة التي تظلُّ تبْكي! سنطرحُ الموضوع على الأستاذ.ء
،ء     لمْ أبْدَأ بَعْد في تناوُل موْضوعي عن اِحْتِرام وحبّ الوالِديْن حتى كانتْ سَلْوى قد امْطَرتْني بِهذا السُّؤال:ء
ء    ـ أُسْتاذ، والِدينا جميعاً يتفانوْنَ في تربيتنا ويُضحّونَ بالكثير من أجْلِنا. فماذا يمكن أن نفعل نحن الأوْلاد لِنرُدَّ لهم جميلهم؟

ء    ـ تعرِفونَ أنَّه ليْسَ هناك شخصٌ في العالم يمكن أن يحبك مثل والِديْك. لِأنّ الأوْلاد هم فلذات الأكْباد. وسعادةُ الآباء ترْتفِع بِارْتِفاعِ درجةِ أولادهم في المُجْتمع ومَدى نجاحهم ورُقَيِّهِم. وما دامَ أنّكَ سعيد وترْتقي درجات في السُّلَّمِ الاِجتماعي الطّبقي، فإنّ الآباء تنْشرِحُ قُلوبهم ويُحِسّونَ بِأنّ تضْحياتهم من أجْلِ أبْنائهم لَمْ تذْهَب سُدى. بَلْ أنّ نجاح الأولاد وارتِقائهم، يجْعلُ الآباء يسيرونَ أمامَ أقْرانِهِم مَرْفوعي الرُّؤوس وهم يتأمّلونَ أوْلادهم كنُجوم ومَصابيح تُشِعُّ فوْقهُم في السّماء. وبذالك تكونُ بِمجْهوداتِكَ من أجْلِ النّجاح الذي سينْفَعُكَ أنْتَ أوَّلاً، قد رفَعْتَ رُؤوسهم جميعاً بِلا شُعور. وهذا ما عاهَدْتُ الله عليه يوم اكتشَفْتُ أن حياة أمّي كرّسَتْها كُلّها من أجْلِ تربيتنا ونجاحنا. وهذا ما جعلني أُجِدُّ وأجْتهِد في حياتي من أجْلِ تحْقيق حُلْمِها ولا زِلْت. هكذا يجب أنْ تفْعل بِحياتِك وفي حياتِك إذا كُنْتَ بارّاً بِوالِديْك وتُريدُ مُكافَأتهما بَدَل أنْ تزيد من مُعاناتهما، كما قال تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا. إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيماً). صدق الله العظيم...ة 



يتبع





Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الحياة في باسو - في انتظار الإعْدام

Chapitre 3 ـ Sana ـ سناء

فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث