الفقرة 3 ـ النّبأ الصّادِم
الفقرة 3
يوميات فنان مهاجر
بحثاً عنِ الزّمن الضّائع
مدخل الحديقة الخلفية
النّبأ الصّادِم
***
اِستمرّتِ الحياة السعيدة في المزْرعة الهادئة بكل تناقضاتها كَما كُلّ حياة. نُجرْجِرُها بجميعِ إشْكالِياتها ومُعاناتها..! أختي الجميلة المعْطوبة مرْيم مع عصاها التي لا تُفارِقها، لِأنّها كانت مُسكِّنَة نبضات قلبها الثّائر لِغِياب الوعْي بِخُطورة المرض الذي أوْدى لاحِقاً بِحياتها، فضْلاً عن غياب كل مرْفقٍ صِحّي أو مستشفى لِلعلاج أو طرق معبّدة لِفكّ الحِصار والعُزْلة عن بوادي وقُرى الريف المهمّشة من طرفِ النظام على مدى عُقود من الزمن. إلى أنْ بدأتُ أفْتقِدُها كل مرّة وحين. ولِيُطَمْئِنُنا الكِبار، كانوا يقولون لنا أنّ مريم غابتْ وسوْفَ تعود..! أمّا أختي يامْنة المسْؤولة عن الدّواب. فتقوم بالبحث عن الأعشاب والحشائش ورعْي وتغذية وسقْي بقرتنا الحمراء، وإخراج الحصانين لِلرّعْي قرب البيدر لِكيْلا يتعرّضا لِلسّرِقة. ولهذا نراها غالِباً رُفْقة صديقتيها ربيعة وفاطمة الصقلي سِّي مُحَنْد سِّي مْحَمّذ، عمّي الوحيد الذي كان يسكن بِجِوارنا في "أغيل أُمَذْغار" ، على خلاف كل أعْمامي الآخرين الذين كانوا يسكنون في "آيْت غانم"، فوق الجبل المُطِلّ على السوق الأسبوعية في السّفْحِ. وكانت إخوتتي السّبع من أبي كلهنّ متزوّجات ومتناثرات في رُبوع "قَلْعيّة"، ما عدا "لَلاّ حادّة" التي كانت تسكن بِجوارِنا في "إبَجّوقَن" ، كزوجة لِابن يمينة وَشّيخ رحمهما الله.
أختي حادّة مع زوجها خَاري مُّوح الذي اشتغل طول حياته كجندي في الصّحراء ومرض ومات بدون أيّ تقاعد
وكان زوجها خَاري مُّوح جنديّ في الجيش الملكي. وكان يُعْجِبني عندما يأتي إلينا مرّة كل عام بِبذْلته العسكرية الخضراء المُزَخْرفة بنياشين خاصّة بالعسْكر، والنجمة الخماسية وعلم المغرب، والتي كانت ترْمُزُ في مخيلتنا الشّعبية إلى ما يُسمّى "المَخْزَن"، الذي كنّا نتخيّله كالغولة "ثَمْزَ"، مع جبروت وقوّة خارقة تفوق تصوّرنا نحن الأطفال ! وكان من بين آثار تِلك القوّة المخزنية عُثوري شخْصيّاً مع مجموعة من أطفالِ حارتنا على شيء غريب في إحْدى المناطق التي كُنّا نلعب فيها. كان شكله كُروي ولونه رمادي ووزْنه أكثر من كيلو ونصف، ومليء بالشقق التي تُظْهِر ما بداخله من مسحوق أصفر. فنفضْتُ عليه التّراب، ثمّ أخذْتُه بِهدوء وسط دهْشةِ الأصدقاء وتحْذيراتهم :
ـ غاكْ غاكْ ! أَحَوَرْ.
ورجعتُ إلى بيتنا مَرْفوقاً بِأصْحابي لِأُري أبي هذا الجسْم الغريب ! فلمّا وصلْنا، وجدْتُ أبي جالسٌ قُرْبَ أمّي التي كانت تصبُّ الشاي لِأحدِ الضُّيوف الذي جاء من قبيلة "إعْزاناً"، مرْفوقاً بِوالدته ليخْطُبا أختي يامْنة. ولمّا رأى أبي ما في يدي، تغيّرَ لوْنه ووقفَ حالاً وهو يقول لي شِبْه مذْعور:
ـ بِهُدوء يا ابني بِهُدوء. لا تتحرّك. هذه قُنْبُلة لم تنْفَجِر، وإذا تعرّضَتْ لِهَزّة أو صدْمة ولَوْ صغيرة فستنْفجِروتقتلنا جميعاً. إنّها من مُخَلّفات حرب إسبانْيا والمخزن ضِدّ أهْل الرّيف. لقد حفظكم الله ولم تموتوا !
واعْتَذَرَ أبي لِلظُّيوف قائلاً لهما أنّه سيعود حالاً بعد التخلُّص من القنبلة. ثمّ لبس حِذاءه وخرجنا جميعاً نتْبَعه ما عدا أخي عبد الله الذي فَضّلَ البقاء لِلّعِب مع حِصانِه الأسود.
تَبِعْنا أبي بِصمْتٍ وهُدوء. وبعد أنْ تجاوزْنا مَدْشَرة "إشَلِّوَنْ" حيث يسكن أصْهار أخي الأكْبر محمد. لاحظْنا أنّ أبي يسير في اتِّجاه جبل "مَسْناذ" ذو الوادي السّحيق، والذي جِئْتُ إليه مع أبي وأمي وإخواني مرة واحدة لِالْتِقاط وجمع الزيتون واللّوْز في حُقولِنا هناك. وكُنّا نسمع عنْهُ أنّه جبل مسْكون بالأرْواحِ الشّرّيرة، وأن "ثَمْزَ" أي الغولة، كانت تسكن في إحْدى مغارَاتِ وادِه ! وعندما وصلْنا إلى حافةِ أعْلى الجبل، بدأ أبي يصْرُخ ويُنادي وهو يُحدِّق في الأسفلِ:
ـ هل هناكَ أحَد ؟ سأرْمي قنبلة، فهل هناك أحد ؟
ولمّا لم يسمع أيّ جواب آتٍ من قعْرِ الوادي السّحيق، طلبَ مِنّا الإبتعاد إلى الوراء، فرمى بالقُنْبُلة، لِيتْلوها انْفِجارٌ هائل اِقْشَعَرّتْ له أجْسانا. والتي ما زالتْ أصْداؤه تتردّد إلى الآن في أذُني الصّبيّة، وفي مخيلة سُكّان الرّيف..!
وعندما عُدْنا إلى البيت، صادَفْنا مُشْكِلة أغْرَب ! فقد وجدنا رجلاً وزوجته وفتاة تبكي لا تتجاوز سِتّ سِنين. وكان الرجل يقول لِأمّي وهو غاضب:
ـ إبنكَ عبد الله سيتزوّج اِبنتي إجْبارياً لِأنّه هو المسْؤول عن فضِّ بكارتها ولوْ بِرَكْلة بين فخذيْها.
واستدار إلى أبي يشرح له ما جرى:
ـ الحاج الهادي، إبنتي سعيدة كانت راجعة إلى البيت مع بقرتنا. ولمّا رآى إبنكَ عبد الله بقرتي تقترب من حقْلِك، إنْقَضَّ ولدك على ابْنتي وضربها بِرَكْلَةٍ موجِعة بين فخذيها. وكما سبَقَ وقلتُ لِزوجتك، إبنكَ عبد الله سيتزوّج اِبنتي سعيدة إجْبارياً لِأنّه هو المسْؤول عن فضِّ بكارتها لا قَدَّرَ الله. أنا أحذِّركم فقط ..!
هكذا كانت الحقول الخضراء في بني سيدال
وطَمْأنَهُ أبي قائلا:
ـ إن شاء الله لن يكون هناك مشكل الحاج أحمد. وإذا وقع لا قدّر الله، فإنّ إبني سيتحمّل مسؤوليته كما ينبغي. كُن مُطْمئِنّاً.
وذهب المُشْتكون إلى حالِ سبيلهم، في حين دخلْنا جميعاً إلى الدّار وأنا أسْتفِزُّ عبد الله بصوْتٍ مسْموع قصْداً:
ـ بالصّحّة العروسة أخي ! سبْعُ سِنين، زواج مُبكِّر أظُنّ.
فانقَضّ عليّ يريد ضرْبي، فهربْتُ فوق السّطْح وهو يتبعني لاهِثاً. ولمّا وصلْتُ إلى الحافةِ، دفعني فسقطْتُ وسط الصّبّار الشّوكي "دُّخْرَثْ". وبدأتُ أصْرخ بكل قواي وأبكي من شدّة ألم الشوك المغْروز في كل جسمي..!
في ذالك الوقت، كان أخواي مُحمّادي وعبد الله، يُتابِعان دِراستهما الإبتدائية في مدرسة مُهْترئة تحتوي على بعض الأقسام المُكْتضّة في "رابع نَتْراث"، حيث توجد القيادة والسوق الأسبوعية. وكان عليهما أن يسيرا مسافة كيلومترات عديدة صباح مساء من أجل الذّهاب إلى المدرسة والعودة منها في طُرُقٍ صعْبة ومحْفوفة بالمخاطِر، ولا سيّما في فصل الشِّتاء، حيث يكثر الغيس والظّلام. وحيث كان على أمّي انتظار وصولهما في المساء الدّامِس حامِلة قِنْديلاً وهي جامِدة على الصّخْرة الصّمّاء مِن حيث تُراقِبهما. الشّيء الذي جعلها رحِمها الله مُنْشغلة البال بالبحْثِ عن عائلة قريبة من المدرسة لِتَأْويهما خلا ل الأسبوع لِكي لا يضْطرّا إلى قطْعِ المسافات الطّويلة فوق الجبل مرّتين كل يوم. ولذالك كنتُ أرافقها مرّة كل شهر مع أخواي لِنزور تلك العائلة الفقيرة، حاملين إليها الطحين والقمح والفول وملابس لِأوْلادها، وأشياء أخرى مُساعدة لها لِلإشتراك في أعباء المصاريف، لِيُتابع أخوايَ دراستهما الإبتدائية بشكلٍ مُنْتظِم وبدون مشاكل. أمّا خلال العطلة الصيفية، فقد كانا يحْفظان القرآن في جامع حارتنا حيث كنتُ أذهب معهما أحيانا محْمولاً على أكْتافِ أخي مُحمّادي لِأحْفظ بعض السور القرآنية التي لم أكن أفْقهُ منها شيئاً..!
جانب من حديقتنا الأمامية. في مدْخلها تتربّعُ الصّخْرةُ الصّمّاء (بُرْج المُراقبة)
مرّتِ الحياة في قريتنا الهادئة أغيل أُمَذْغار سعيدة كما يحلم أيّ طِفْل محْظوظ. علاقاتنا مع الناس جيّدة، يسودها الإحترام والتّعاوُن "ثْويزا". ما عدا في بعضِ الأحيان، عندما كانت تنْدلِع مُواجهات عنيفة بين أولادِ حارتنا وأولاد قبيلة "إقُرَيْشَن" بسببِ الملل أو خِلافٍ ما بين الأطفال الذين كانوا يحفظون القرآن جميعاُ في نفس الجامع الذي كان قريباً من دارنا. فكنّا نخرج جماعات أطفال ومراهقين، ونحن مُتحمِّسون لِلحرب ضِذّ الأعْداء، ومُسلّحون بالمقالِع التي صنعناها بِأنفسنا ببعض الخيوط والحِبال المُهْمَلة، ونبدأ بالتّراشُقِ بالحجارة لِساعات. وعندما كانتِ الغَلَبَة لنا، نتقدّم من حيِّهم ونُكثِّفُ الهُجوم. أمّا حين يتغلّبون علينا،فإنّنا نبْدأُ في التّقهْقُر ثمّ ننْسحِب إلى مرْكزِ مدْشرتنا لنتحدّث عن بُطولاتِنا أو نُفكّر في تغيير التّاكْتيكات لكي ننتصِر عليهم. أمّا أبي فقد كان يأخذ المِذْياع الصغير القديم ويهبط إلى جارنا بومدين. فيجلسان قرب الحانوت وسط الطبيعة وهما يستمعان إلى أخبار الجزائر الفرنسية، وهل فُتِحتِ الحدود لِيسافرإلى وَهْران كالعادة.

دارنا في بني سيدال. الحديقة الخلفية وقد دُمِّرتْ وطالها الإهْمال واقْتُلِعتْ الكثير من الأشجار
إنّ الطّفولة هي أساس بِنْية شخصية الإنسان السيكولوجية، وكذالك واحة وُجوده التي يلتجئ إليها أحياناً حنيناً وهرباً من جحيم الحاضر المُنافِق الذي ذبلتْ وتحلّلت فيه العلاقات الإنسانية بل وحتى العائلية..! ولم نكن نعرف أو نتصوّر حتى في خيالنا، أنّ هذا البلد سيَنْقَلِب يوماً علينا وسيُعادينا، وأنه بسببِ التنشِئة الإجتماعية المُنْحرِفة في أوْساطِنا، سينشأُ حتى بين إخواننا، الطّوباويون الحالِمون، والذّئات النّفْعية الأنانية !
ومرَّتِ الأيام، والحياة عادية. إلى أن رجع أبي ذاتَ يوم من عند جارنا بومدْين وهو فرح. وأخْبر أمّي أنّ حُدود الجزائر قد فُتِحَتْ وأنّه يفكّر في السّفرإلى وهْران.
فقاطعتْهُ أمّي :
ومرّتِ الأيّام، إلى أن سمعتْ أمّي نبأً صادِماً أوْقَعَ زِلْزالاً في عائلتنا الهادئة سَبَّبَ لنا اضْطِراباً طِوالَ حياتنا...
وقع ذالك الْحَدَثْ الجَلَل مساء أحد أيّام الأسبوع الذي أجهل إسْمه. لِأنّني لم أكن أحفظ سِوى اسمين من أيّام الأُسبوع :
يوم الأربعاء حين يُقام السّوق الأسبوعي حيْثُ أكونُ مُتَلهِّفاً لِعودة أبي مِنْهُ وهو يحمل الخُضر والسمك واللحم وحلويات لي. وأحياناً بعض الملابس أيضاً التي في الغالِبِ تكون ذات مقاسات لا تُلائمنا، والتي بِسببها كانتْ تحدث مُناوشات كلامية بين أمّي وأبي...
لقد كان منزلنا في بني سيدال بالنّسْبةِ لي مركز الكون. وعائلتي هي مجتمعي الصغير الذي أحسّ فيه بالأمان والطّمأنينة والسّعادة. ولا بُدّ لِهذا التّعَلُّق بقرية موْلِدك ومسقط رأسك أن تجعلك تُحب الوطن كله. ولا بُدّ لِحبّكَ لِأسرتك أن تجعلك تُقدِّر وتحترم المجتمع ككل، وأنْ تعمل دائماً من أجْلِ الصّالِح العامّ ...
ـ كيف تسافر والخُطّاب الجُدُد ينتظرونَ جوابك وسيعودون بعد أسبوع ؟
ـ مصاريف الزّواج كبيرة يا امْرأة. ولِكي أقوم بعرْسٍ في المستوى لِابْنتِنا يامْنة، يجب أن أسافر لِأشتغل بعض الشّهور لِأُقيمَ لها عُرْساً مُشرِّفاً. طوعْلي سّي دودوح عائلة مرْموقة في "بويافار". الكلّ يعرفه. فضْلاً عن مُشكل خطيبها السّابق من أغيل أُمَضْغار الذي هدّدنا بنسْفِ زواجها إذا أعْطيناها لِرجلٍ غريب عن بلْدتِنا..!
ـ هل تقصد ميمون إبن جارنا الذي خطبها العام الماضي ورفضْناه ؟ ليس في مقْدورِهِ أنْ يفعل شيئاً. الزّواج مكاتِب الحاج.
وفِعْلاً. لَمْ تمرّ أيّام حتى كان أبي جاهِزاً ومُسْتعِدّاً لِلسّفر. وبدأَ مُشْكِل آخر يُشْغِلُ بالنا: مسْألة تجاوُز الحُدود والدّخول إلى الجزائر الفرنسية التي كانت تُراقب حدود مُسْتعْمَرتها خوْفاً من تسرّب المجاهدين المغاربة. لِأنّ دُخول الحمّام كما يُقال، ليس مثل الخروج منه..! وفي يوم السّفر الموْعود، ودّعْنا جميعاً أبي العزيز، ووقفْتُ كالصّنمِ فوق الصّخْرةِ الصّمّاء أراقبه حتى توارى وراءَ الجِبال وأنا أبْكي ..!
كانت لحظات وداعنا لِأبي، مِنْ أكْره وأقْسى اللّحَظات في حياتي. ولا سَيّما أنّ هذا الوداع الغِياب، يُذكّرني بكل أفْراد عائلتي الأعِزّاء الذين غابوا... ولم يرْجِعوا أبَداً..! وانْتابني شُعورٌ غامِض وبدَى لي أنَّ هذا السّفر سيكونُ بِدونِ عوْدة..!
المدخل الرئيسي لِسوق رابَعْ نَتْراث الذي كان يمتلئ يوم الأربعاء. البناية إسبانية والمجزرة بداخله رائعة
ويوم الإثنين حيثُ يجب أن نذهب مقْهورين إلى المسجد لِحِفْظِ القرآن بدون فهم، وسادية الفقيه تَلْسَعُنا باستِمْرار وبدون مُبرِّر..!
يتبع






