الفقرة - 5 ـ الهِجْــرة






الفقرة 5

الهِجْــرة

الوداع بني سيدال

***

الوداع بني سيدال

***

 مضى عامٌ على موْتِ أبي وسفره إلى الحديقة اللاّنِهائية حَسَبَ تعْبيرأختي مريم رحمها الله. مضى عام وكل شيءٍ قد تغيّرَ وتَبَدَّل
ماتتْ أختي مريم في ظُروفٍ يصْعُبُ عليَّ تذكّرها لِبُعْدِ
المسافة الزّمَنيّة وازْدِحام الذّاكِرة الفتية بِذِكْريات وانْطِباعات وتجارِب الحياة المُخْتلِفة، وأيْضاً رُبَّما، لِثُقْبٍ في ذاكرتي التي أعْتمِدُ عليها كيُنْبوعٍ لِما أُدوِّنُهُ من يوْمِياتي في المهْجَر، وسط عواصِف الرياح في "بْروكْسِل" العاصمة وأصْداء التّفْجيرات الإرْهابية القادِمة من كل مكان..!

   وتزوّجتْ أختي يامْنة دون أن يقع أيُّ مُشْكِل مع خطيبها الأوّل والذي كان قد هدّدَنا بِنسْف العرس وتحْويله إلى جنازة إذا تزوّجها رجُلٌ آخر غيره. وذهبتْ أختي العروسة راكِبةً على حِصان مِن دارِنا إلى وسط  دار زوجها طوعْلي عبد الرحمان سّي دودوح في إعْزانَنْ بِبويافَار. مُجْتازةً مجموعة من المَداشِرِ والهِضاب والأوْدية والمسالِك الوَعِرَة. وكنتُ أشْفقُ عليها كيف تتحمّل كل هذه الحرارة لِساعات وهي مُلْتحِفة وراكبة على دابّة كالمومْياء المُحنَّطَة !؟ 

أختاي يمينة ويامْنَة

      واخْتفتْ عن أنْظاري العبْدة العجوز السّوْداء (ثَيَّ) في ظُروفٍ يصْعُبُ عليَّ الآن تذَكُّرها بِدِقّة رغْمَ تعْصيري لِذاكِرتي، ولا سيَّما بعد أنْ طرحتْ أمّي عَلَناً موضوع هِجْرتنا إلى النّاظور، وكانت أمّي قد خيّرتْها لِلْبَقاء في دارِنا أوِ الذّهاب إلى حالِ سبيلها. فاخْتارتِ التّيَهان بِأقْدارها في أرْضِ الله الواسِعة والمليئة بالمُنْعرجات الغريبة !
    ووقع تغييرٌ آخر فيما يَخُصُّ موسم الحصاد. حَيْثُ كان المحْصول قليلاً وهزيلا، ولمْ يشتغل كلّ الفلاّحين مثل العام الماضي حين كان أبي حاضِرا. والذي بِسببِ نجاح الموْسم الزّراعي آنذاك لا زالتْ عنْدنا بِئْر (ثَسْرَفْتْ) مليئة بالحبوب التي نخْزنها فيها وسط مدْشرتنا قُرْبَ دُكّان احمذ أُبَرْشان في أغير أمَضْغار.
      ورجع أخي مْحَمَّذْ إلى هولندا خوْفاً أن يفْقد عملَه ويُغْضِب رئيسه مالِك الشّرِكة الهولنْدي الذي كان يحترمه. وقد كان مُحِقّاً في تِلْكَ الهِجْرة المُبكِّرة. فلَوْ بقي في "أغيرْ أُمَضْغارْ" لَشَبَعَ السّبْسي والإسْتِنْماء في مقْبرة عبد القادر الفنّان المجْنون الذي كان يأتي عِنْدنا مِراراً لِأنّهُ يسْكُنُ على بُعْدِ خَطْوَتَيْنِ فقط مِنْ دارِنا. وكانتِ العائِلة المرِحَة تجلس كلّها على الشُّرْفة الخارِجية (ثَنْهاثْ)، بعد أن تُكنِّسُها وتُنظِّفُها الخادِمات وهنّ مُبْتهِجات ويُرَدِّدْنَ إزْرانْ نَرِّيف، ويرُشْنها بالماء البارد ويكْسونها بِأرْفعِ الزّرابي والوسائِد لِلْإسْتِرْخاء، فيتحوّلُ المكان في ذالكَ الأصيل الهادِئ، إلى مَشْهدٍ خيالي كأَنَّكَ في إحدى أٌمْسيات الرقص وأجْواء الْمَرَح في قصورِ الأنْدَلُس وليالي السَّمَر في غَرْناطَة ..! لِيَجْلِس الفنّان عبد القادر حَبْصَة المجْنون بِسِرْوالِهِ المُرَقَّع وبِعودِهِ السِّحْري التّقْليدي الذي صنعه بخُيوط صيد السّمك وقوْقعة سُلحْفاة كبيرة على كُرْسِيٍّ وسط تصْفيق كل العائلة بِمَنْ فيهم أنا بِكُلِّ حماس، وأمّي وإخْواني وأخواتي وكُلُّ الخادِمات. ويبْدأ في إرْسالِ أصْوات موسيقية رومانسية حزينة لم نسْمعْها من قبْل أبَداً لِروْعتِها وهُدوئها وسُرْعة اِنْسِيابِها في الرّوح وتغلْغُلها في الوجْدان..! والتي امْتَدَّ تَأْثيرها التّخْديري الإيجابي   مع مراحل نُمُوِّي السّيْكولوجي لِتَتَفَرّع مِنْ هذه الشّجرة  فُروعٌ مُتعدِّدَة الجوانب، كان من بينها شغَفي العميق بالموسيقى.   
    بِمِثْلِ هذا النّوْع من البُذور التي يلْتقِطُها شُعورُنا خِلال بعض الأحْداث المُهِمّة في حياتنا وبعض المَحَطّات الصّادِمَة في الصِّبا. وتُخْتَزَل في اللاّشُعور، في انْتِظارِ أنْ تَخْتمِر وتتخمَّر لِتصيرَ سَماداً (رَغْبَ). لِتنطلق فيما بعد، في السِّنين اللاّحِقة، لِتَبْني لِصاحِبِها نِظاماً جديداً من الحياة إجْبارِياً ورغْماً عنه. ذالك لِأنَّ البُذور بُذِرَتْ وستنموا لامَحالَة لِيَحلّ موْسم القطْف: وهنا لَنْ تكونَ أنْتَ سيْكولوجياً سِوى شخصية أو ظِلّ بِمعْنى الكلمة حسب التّصّوّر الأفْلاطوني لِلظِّلّ. تعيش شخصية حبيسة داخِل فِكْر ابْنِها واتِّجاهاتِه الفكْرية والنّفسية الذي يُصْبِح هو الأب الحقيقي لِأبيه الذي صار بِدوْرٍهِ طِفْلا. وذالك نتيجة تأثير ما اخْتزلتْهُ الأنا الشّعورية وتمثّلتْه من أحْداث خلال الطّفولة المُبكِّرة، والتي تَتَثَبَّت وتضْرِبُ جُذورها بِعُمْق، لِتَلِدَكَ أنْتَ أيُّها الأب وتتحكّم في سُلوكِك طِوالَ الحياة. وتِلْكَ الجُذور نحن مَنْ زرعْناها وغرسْناها لِنكونَ نحن فيما بعد هِيَ وهي نحن..!
   ولا أظُنُّ أنَّ تهافُتي على الموسيقى في مُراهقتي وحُبّي الشّديد لها. وأنّ الأرْبع سنوات التي أمْضَيْتُها في دِراسات الموسيقى في "المعهد الوطني للموسيقى والرّقص" في حيّ "دْيُور الجامع" بالرباط من 1997إلى 1981(سنة حُصولي على الإجازة في علم النفس) رغْمَ ضيْق الوقْت، في شُعْبة الصّولْفيج وآلة القيثارة وأنا في مُنْتهى السّعادة. وقد نقلْتُ ذالك الحب لِلْموسيقى لِأولادي "هادي" وأخته ليلى ابنتي الّذان أنْهيا دراستهما العليا في دراسة الموسيقى بكل مفاتيحها السّبْعة والقيثارة الكلاسيكية. في معهد Athénée Royale Jean Absil بِإيترْبيك لِلموسيقى والرقص الكلاسيكي، الباليه، 

فضْلاً عن حِيازتِهِما لِلْإجازة كمهندِسي الدّولة في الإقتصاد...

     وأسْتغلُّ هذه المناسبة لِأُشير إلى شيءٍ أو حَدَث مُهِمّ في حياتي بِبْروكسل وقع لي يوم ذهب إبْني في غِيابي مع أمّه، وكان قد أنْهىدراسته الإبْتِدائية العُمومية وذهب لِيتسجّل في  الثانوي في مدرسة
 Athénée Royale Jean Absil ، فرفَضَ مُدير المُؤَسّسة تسْجيله في مدرسته هذه.
    وعند عوْدتي من مدرسة "سيرْجْ كْروز" بِمولَمْبيك التي كنتُ أشتغل فيها كأستاذ لِلتّربية الإسلامية آنَذاك. وجدتُ زوجتي وولدي حزينان ويحِسّانِ بنوعٍ من العُنْصُرية الحقيقية حين رُفِضَ تسجيل إبْني الوحيد والذي كان بكلّ صراحة يتمتّع بِسُلوك مُهذّب ومجتهد في دروسه وتِلْميذ مِثالي. فاصْطَحَبْتُ ابْني هادي وذهبتُ إلى مُدير المدرسة الذي كنتُ أعرفه لِأنّي أقمْتُ معرضا في مدرسته منذ 3 سنوات. ورحّبَ بي وشكرني على المعرض وسجّل إبني هادي بعد أن رفض تسجيل أبناء عديد من الأُسر المغربية المُهاجِرة وأغلبهم جيرانُنا. واعترف لي أنّ هذا الرّفض لِتسْجيلِ التلاميذ ذوي الأصل المغربي لم يكن نابِعاً من عقلية عُنْصُرية وإنّما إجْراءٌ إتّخذتْهُ إدارة المدرسة لِتفادي الإكْتِضاضُ بالمغارِبة ولِكيْلا يُشكِّلون الأغْلبية ويفْرضوا على التلاميذ الآخرين نمط عيشهم وتقاليدهم، وهذا ليس في مصْلحةِ انْدِماجهم في المجتمع البِلْجيكي، ولِأنّهم عنيفين وغير مُواظِبين على الدِّراسة وأنّ أغْلبية آبائهم أمّيّون ولا يمكن لهم مُساعدة أبنائهم في الدِّراسة لِأنّهم ليس لهم أيّ ماضٍ دِراسي وأنهم لم يدخلوا المدرسة أبداً. وأنّني أنا كُنْتُ مُخْتلِفٌ عنِ المُهاجِرين الآخرين إلخ ... 


المدرسة التي درس فيها أولادي في إيترْبيك 
في هذه المدرسة التي تفوق الرّوْعَة، دَرس أولادي الموسيقى  Coservatoire Royal de Musique à Bruxelles 


إبني هادي في أحد اِسْتِعْراضاته الموسيقية ببروكسل في معهد الموسيقى مع أستاذه

إبني هادي مع صديقته اليابانية عازفة البيان في عرْضٍ موسيقي احْتِفالاً بنهاية السنة الدراسية، مدير المعهد وأساتذته خلفهما


إبني هادي يُراجع دروس الصولفيج في البيت سنة 1991

لا يُمْكن أن نتغاضى عَمّا آلَتْ إليه تِلكَ البُذور، ولا أظُنُّ أنّ كل هذا لا علاقة له بِمَقاطِع العود السِّحْرِيّة والحزينة، التي كانت تنْبِثِق من عود جارنا الغريب الأطْوار، الأسْتاذ الجليل والموسيقار الخالِد في شُعوري ولاشُعوري ومِثالي الأعْلى وأسْتاذي العزيز، السيّد عبد القادر حَبْصَة، الذي يعيش مُشَعْوِذاً ومجْهولاً في خِرْبَةٍ من الحِجارةِ والطّين، داخل المقبرة اللاّصِقَة بحقولنا المُحيطة بِبَيْدَرِنا على يمين الدار. والذي ازْدادَ بُؤْسَه بعد وفاةِ أمّه رحمهما الله معاً..! 
    هناك أُناس كالأنبياء والملائكة يعيشون معنا ونحْتكُّ بهم يوْمياً، ولكننا لا نعرفهم  جيِّداً. إنّهم مُزارِعو الإرْتِقاء، وأعْظَم أساتِذة وجُنود الخفاء..!
    وقد وَجَدْتُ هذه الظّاهِرة في البِداية جميلة جِدّاً وراقية، تُعَبِّر عن 
مَدى عُمْق فَهْم الحياة بِالنِّسْبَة لِمُهَنْدِس هذا النَّمَط منَ العيْش الأصيل، وربّما تعكس لاشُعورياً ولاإرادياً نمط الأُبَّهَة التي كان يعيش فيها هؤلاء النّاس المُتواضِعون العُظَماء!؟ وفي نفس الوقت أراها غريبة نوْعاً ما وصادِمَة ..! 
     أنْ تَقَعَ مِثْل هذهالحفلات المُفاجئة وسط كل أسرتنا ويحظرها رِجالٌ غُرَباء وكل الخدم والحشم..! هذا كان يفوق تصوُّري. ولكن كالعادة في سُلوكي الفِكْري، لمْ أُرِد الحُكْم على هذه اللّحَظات السّارّة والنّادِرة. وقُلْتُ لِنفسي إسْتمْتِعي بجمال الحياة ولحظات السّعادة وتمهّلي في الحُكْم واتِّخاذ موْقِف لِأنّ الحَدَث كان بالنِّسْبةِ لي مُفاجِئاً ووقَعَ لي لِأوّلِ مرّة في حياتي. وربّما وقعَ مرّات عديدة وأنا نائمٌ في غُرْفة أمّي أُصارِع "بُوكَبَّاسِ"، وشبح الجوّال النّوْمي الذي كنتُ  أُعاني منه كثيراً هو و"ثْمْزَ" التي كانوا يُخوِّفوننا بها عندما نتيهُ بعيداً عن والِديْنا..!
    وقد ذهب بي حُبُّ الإسْتِطْلاع درجة بدأْتٌ أبحث معهاعَمَّنْ كان وراء تنْظيم هذا النّوْع الرّاقي من الحفلات، ومَنْ له المصْلَحَة في ذالك حَقّاً. هذا إذا كانت هناك مصْلحة ما أوْ عقْل مُدَبِّر وراء السِّتار فِعْلاً!؟:  
.ـ أُمّي بِاعْتِبار أنّ النِّساء يُحِبْنَ النّشاط ويمِلْنَ إليه لِتخطّي اكتِئاب أزمة مُنْتَصف العُمْر، ولا سَيّما بعد الأرْبعينيات بِصِفةٍ عامّة!؟ 
ـ أبي بِاعْتِبار أنّه رئيس ورأس الأسرة ومَنْ يتحمَّل أعْباء كل مصاريفها وأنّه يشتغل كثيراً وبِالتّالي له الحقّ في المُكافَأَة وبعضِ أيّام النَّشاط. و 
 ـ .أخي مُحَمّادي بِاعْتِبارِه أكْبر مُراهِقبَيْنَنا وأنّه يحْتاجُ إلى بعض لحظات العَرْبَدَة واللّهْو وهذا يُلائِمُ النَّشاط الجِنْسي في الإسْتِنْماء ولاسَيّما عندما يرى بعض الخادِمات يرقصْن..! 
    وبدأتُ أبحث عنِ الأسباب أوِ المُسبِّبات الخفية وراء ظُهور هذا النَّوْع من الجمال السُّلوكي والرُّوحي، وهذه اللّحَظات واللَّقَطات النّادِرة في حياتنا كُلّها. ولكن بِدونِ توْفيق ! ماعدا أنّني بدأتُ أُرَحِّب بالفِكْرة، وأنْتظِر بِلهْفةٍ متى ستُقام وأُشارِك بكلّ حيويّة في تنْظيمِها. وهذا يعْني أنّ النّشاط والإسْتِرْخاء نشاطٌ إنساني عادي يحبه كل البشر، وأنّه خُلِقَ أوْ وُجِدَ لِتَخْفيفِ الضُّغوط اليومية ليس إلاّ، اللّهُمَّ إذا كان الجار الفنّان المجْنون عبد القادر بطبيعته الفنّيّة واللاّمُنْتمِية، كان يجد في ذالك الإسْتِعْراض الرُّومانسي الجميل شيء عادي، بَلْ فُرْصة نادِرة لِتَغْذِيَةِ "بِداية تَضَخُّم الأنا" عِنده... وأنّهُ يدْخُل في إطارِالرَّفْع من قيمةِ شخصية الإنسان وصورته الذاتية عن نفسه والحاجة إلى التّقْدير ونَزْعَة فرْض الذّات إلخ. ولا سَيّما إذا كان فنّاناً شاعِرِياً حسّاساً يتغذّى من تشْجيعات الآخرين وتهْليلاتهم ..!  
     وماتتِ المرأة التي كانت تُؤْوي أخواي مُحمّادي وعبد الله خلال دراستهما بِمدرسة "رابَعْ نَتْراثْ". وانْقَطَعا عن الدِّراسة لِيُمْضيا السّنة كلّها في الذّهاب إلى الجامع حيث أنْهى أخي مُحمّادي حِفْظ 60 حِزْباً عن ظهْرِ قلْب. وكُنْتُ أصْطحِبهم غالِباً أحْياناً محْمولاً على أكْتاف أخي. لِيصِل محْصول ما حفظْتُهُ أنا عن ظهْرِ قلْب إلى 14 حِزْباً. لم أعُد أتذكّر منها سوى العناوين. ماعَدا الحزب الأوّل لِأنّه يتضمّن سُوَراً قِصارا تصْلح لِلصّلاة. ولِسببِ أنّي كنتُ أُردِّدها في كثيرٍ من المُناسبات والصّلوات. كما كُنْتُ أُعلِّمها لِأولادي. والشّيء إذا تكرَّرَ تَقَرَّر.       
    ولا أنْسى الذِّكْرى الأليمة التي اصْطَحَبَتْ هذا الحَدَث حين نجَوْتُ من الموْتِ المُحَقَّق غَرَقاً، وتِلْكَ كانت مُعْجِزة. وذالك حين أنْهى ألطّالِب المجتهد أخي مُحَمّادي سلْكَتَهُ الأولى من حفظ 60 حِزْباً عن ظهْرِ قلْب والتي لم يستعمِلْها أبداً لا في عِباداتِه وصلواته ولا في أعْمالِه ووظائفه إن لم أقُل كُلّ حياته... وعادَ أحَد الأيّام مع مجموعة الطّلَبَة الآخرين مِنْ حَفَظَةِ القرآن وأخي مُحَمّادي يتوسَّطهم كالأمير حامِلاً لوحته القرآنية مُزَخْرَفة بِالآيات الملوّنة الجذّابة التي تُشجِّع على الرّحْمَة والتّعاون والصّدَقَة والخير والعطاء والزّكاة والأثرة... ونحْن نذْهب من بَلْدَةٍ لِأُخْرى وننْتقِل من حارةٍ لِحارة وندُقُّ كُلّ الأبواب نطْلُبُ الصّدَقة لِلْفقيه المُنير والمُسْتنير والمُحَرِّر الذي أوْصانا بذالك لِكي يُعْطينا عُطْلة و"تحْرير"!. إلى أن مضى نِصْف اليوم جَرْياً وسَعْياً وتَزَلُّفاً وتقْطيعاً لِلأحْذِية، وبلغ بنا الجوع والعطش والتّعَب حدّهُ الأقْصى. فوقفنا مُتهالِكين لِنستريح على ضِفّةِ مُسْتنْقع كبير (أَرَيْمَمْ أمَقْران)، ونزعْنا ملابسنا وبدأنا نعوم...

   المستنقع الذي كنت سأغرق فيه

   كان المُسْتنْقع غارقاً، وأنا بِدونِ أيّة دِراية أوْ تجْرِبة في السّباحة. وبدأتُ ألْعبُ في الماء وسط ضحك ولعب الأطْفال في المُسْتنقع. إلى أن بدأتُ أُحِسُّ أنّني دخلْتُ عميقاً وأنّني بدأتُ أغْرَقُ فِعْلاً. وبدأتُ أخْتفي تحت الماء وأطْفو من جديد وأنا أبْتلِعُ الماء الوَسِخ وأصْرَخ بِكُلِّ قوّة طالِباً النّجْدَة والإغاثة. وتكرّرَ المشهد المُؤْلِم مرّات ومرّات بدونِ جدْوى، وبدأتُ أفْقِدُ الأمَل في النّجاة وأنا أرْقُص رقْصة الموْت مع المِياه الدّافِئَةِ والرّاكِدَة. وبَدَأْتُ أسْتسْلِمُ لِلْموْت وأنا أُفكِّر في أمّي وأبي وأخْتي مرْيَم العزيزة. ثم بَدى لي الأطفال الآخرين وقد تجمّعوا في مكانٍ واحِد وهم ينظرونَ إلَيَّ ويُمِدُّوني بِقصبة طويلة ويصْرَخون طالِبينَ مِنّي التّعلُّق بها لِلْخروج من المستنقع المصيدة. وفي خِضَمِّ تِلْك الحوادِث كَسَّرْنا كل البيض الذي أعطاه لنا الناس الكُرماء لِلْفقيه المِسْكين الذي كان يحبّ أكْله لِأنّه كان يحُضُّنا ويحُثُّنا على أن نأتي له بالبيض من بُيوتِنا... وكان هذا الفقيه سببُ توْبيخ أمّي لي يوم كنت ذاهب مع أخواي إلى الجامع لِحِفْظِ القرآن وأنا أُخْفي بيْضة في جيبي لِأُعْطيها لِلْفقيه المُسْتبِدّ حتى لا يضْرِبُني. ولمّا عرفتْ أمّي القصّة، قالت غاضِبة:
    ـ ليس لِلْفقيه الحق في فِعْلِهِ هذا ولا ضَرْبِك. أنْتَ تمشي إلى الجامع إخْتِياراً لِتَتَعَلّم وليس لِيضْرِبكَ الفقيه. سَتَجْعلُكَ عُقوباته وضرْبَه تكْرَهُ الدِّراسة والمدْرسة والمُعَلِّمين يا ابْني. وهذا ما لا أُريد..! الجماعة تُؤَدّي له أجْره مُقابِل خدماته كإمام وفقيه. بيْضة واحدة مثل هذه تُساوي حلْق رأس شخْصين عند الحلاّق.  
    وربتَتْ على رأسي بِحنان وقبّلَتْني قائلة:
    ـ لا بَأْسَ يا ابني هذه المرّة. إعْطي البيضة لِلفقيه وحاوِل ألاّ تُكسِّرها. المرّة المُقْبِلة سأعطيك بيْضة لِتُحَلِّقا شعركما أنتَ وأخوك عبد الله في حانوت عبد الله المعْطي كالعادة
    وتواترتِ الأيام مُخْتلِفة الإيقاع والمِزاج والأحْوال الجوّيّة والنّفْسيّة. ومرّتْ أسابيع ونحن مُعلَّقون بين آلام وآمال هذه الهِجْرة المُغامَرَة التي كانت تبْدو لنا غيْر واضِحة المَعالِم مَهْما تصوَّرْناها في خيالِنا..!
     وذات يوم، كنتُ ألْعب وألْهو مع إثْنيْنِ من أصدقائي أبناء الجيران، ثمّ هبطْنا إلى أحد حُقولنا التي كانت مزْروعة بالحُمّص قرب حانوت بومدْين. وجلسنا مُخْتبِئين نأكل الحُمّص المالِح اللّذيذ، حين باغَتَنا أخي مْحَمَّذ فجأةً وضربني، وجرى على الطّفليْنِ الآخريْن. فذهبْتُ إلى أمّي باكياً. وعندما حكيْتُ لها ما وقع، هَدّأتْ من روْعي ومسحتْ دُموعي وهي تقول:
    ـ لا تبْكِي يا ابْني. لَمْ يبْقَ الكثير لِنرْحَل من هُنا، والدّخول المدْرسي على الأبواب. بقي لِشهر شتنبر أُسْبوعان فقط ونكون في الناظور.
    وبدأَ خبرُ رحيلِنا ينْتشِر في البلْدة إنْتِشار النّار في الهشيم. ووصلَ الخبر إلى أخي مْحَمَّذ الذي ذهب إليها لِيَسْتَفْسِر. وعندما قالت له أنّها عازِمة فِعْلاً عن ترْحيل الأوْلاد إلى الناظور لِلتّمَدْرُس ونبْني حياتنا من جديد. عارَضَ أخي مْحَمَّذ فِكْرتها لِأنّ هذه الهجْرة غير مضْمونة العواقب في مدينةٍ كبيرة كالنّاظور التي كانت آنَذاك، أقْرَب تجمُّع سُكّاني ضَخْم إلى بني سيدال. وخَوّفَها بِعواقِب مِثْل هذه الهِجْرة المُغامرة وبِماذا سنعيش وأيْن وكيف وما هي الإمكانات المادّية لِلْحياةِ هُناك.!؟ ففكّرتْ أمّنا في ما قاله أخي مْحَمّد وأمّه لَلاّ ميمونت عيسى أنّ البقاء خير من هذه الخطْوَة في المجْهول. وأنَّ هذه الهِجْرة لا يُمْكِن أنْ يتكهّن أحَد بمصيرها. فقالت:

لَلاّ ميمونت عيسى زوجة أبي الأولى

     ـ لقد قرّرْتُ النُّزوح إلى الناظور لِيدرس أولادي. وبِالنِّسْبة لي تكْوين العُقول خير من زِراعة كل هذه الحُقول. قرّرْتُ أنا أُمّ هؤلاء الأوْلاد أن أُهاجِر بهم لِيتمدْرَسوا مثل أبناء كل أعْمامِهم الذين نجحوا. أوْلادي ليْسوا أغْبياء، ولكنهم لم يجدوا ولَنْ يجِدوا هُنا الظّروف المُلائِمة لِلدِّراسة. لا يُمْكِن أنْ يقْطعوا الجِبال ويمْشون 10 كيلومِتْرات كلّ صباحٍ و10 كُلّ مساء لِيقْرأوا.

     كان ما تقولُهُ أمّي بِهُدوء يبْدو لي صائِباً ولَوْ كُنْتُ مِنْ ناحيةِ العُمْر فَتِيّاً وصبِيّا. فكَمْ مِنْ أبٍ يظُنُّ أنّهُ بِفِعْلِ كوْنِه يشتغل بِعناءٍ خارج البيت لِمُدّة سنوات لِيعيل أبْناءَه ويُكبِّرهم وأنّهُ بذالك هو المُعيل القادِر والخَلاّق العظيم، وأنّه السَّبب الوحيد وراء نجاح الذُّرّية والأوْلاد! ولكنّ الحقيقة العميقة وراء هذه الواجِهة المُضَبَّبَة، أنّ المرْأة، أيْ الأمّ، هي المُهَنْدِس الخَفِيّ والوحيد لِكُلِّ نجاح في العائلة. وأنّها السِّرّ الأوْحد الكامِن وراء نجاح الأبْناء والبنات ورُقيّ الأسرة ونجاحها كَكُلّ. وذالك لِسَببٍ واحد عِلْمي ووجيه، وهذا هو الأساس المَتين الذي يُبرِّر اِقْتِناعاتي الموْضوعية التي أبْنيها عليه، وهو أنّ الطّبيعة التي رَكَّبَتْ في المرْأة أقْدَس شيئ وأهمّه في الحياة وهو: غريزة الأُمومة بِمَعْناها الأنْطولوجي الشّامل. وهو أنّ الأمّ، سواءٌ كانت أم حيوان أو إنسان، هذه الأمّ البُيولوجية والسّيْكولوجية لا تخْتار لِفلذاتِ أكْبادها سِوى الأجْمل والأسْعد والدّائم... ذالك لِأنّ سعادة أبنائها من سعادتها وصِحَّتِهِم من صِحّتِها... ولِذالك أقول اليوم وأنا بعيد جِدّاً في الزّمان والمكانِ، وبِذاكِرة ليستْ فتيّة أو صفحة بيضاء كما كُنْتُ خلال مرحلة الطّفولة، ولكنّها ذاكِرة شاخَتْ بِمُخْتلفِ تجارِب الحياة والعلاقات الإنسانية هُنا وهُناك. أقول أنّ أبي جاهَدَ بمعنى الكلمة من أجل نُضوجِنا وسعادتنا وتوفير جميع الحاجيات الفيسْيولوجية لنا جميعاً، لِدرجةٍ كان مِثالاً. ولكن لَوْلا أُمّنا العظيمة حقّاً، لَكُنّا اليوم في كِبرِنا وشيْخوختنا فلاّحين نَرْعى الأبْقار أو الماعِز في الجِبال مْثْل كُلّ أبناء حارتِنا في بني سيدال..!
      فأغْلَبُ شباب قرْيتنا وأوْلاد حارتِنا ولوْ تمدْرَسَ بعضهم بِشَقِّ الأنْفُس بِتضْحياتِ آبائهم، إلاّ أنّهم جميعاً إنْتهى بهم المَطاف بالْجُلوس على جُدْران الأحْجار (إغَبْرَوَنْ) في الحُقول المُجاوِرة لِلْمقْبرة التي توجد في الجهة اليُمْنى لِدارِنا، والتي كانتْ مُحاطة بسياج من الصُّبّار. تحت رحْمةِ ربّنا وشمسه الحارِقة. يأكلون الهَنْدِيَة، ويَحُكُّونَ أعْضاءَهم الجنسية مع الحيوانات أو الصُّبّار الشّوكي اللّزِج بعد إزالة الأشواك منه، وفتْحِ ثُقْبٍ فيه على شكلِ فرْج أُنْثى. 


الصُّبّار وما أدراكَ ما الصُّبّار، فيه أكْلٌ ولَهْوٌ ومنافِع لِلنّاس
   وبِما أنّ الصّبّار(أغْرُض) يتمتّع بخاصّية إفْرازِ سائل لَزِج يساعد على الوُلوج والخروج، فقد كان مِثالِياً لِلأكْل ولِلْإسْتِنْماء والرّاحة معاً..!
     هكذا كان يتخرّج من ضحّى واسْتثْمر وقته وجُهْده في التّمدْرس والتّعلُّم ولوْ في الجِبال ! وهذه عَيّنَة من الوظائف المُشرِّفَة التي تنتظِرهم لِيَشْغلونها بعد إنهاء دراستهم المُضْنية، ولا سيّما في مناطِقِنا بالرّيف حيث لا أثَرَ لِلدّولة ولا مشاريع ولو وهْمِية في التنمية وخلْق فُرَص الشُّغْل التي رُبّما ستكون عبثية في مغرِبٍ غير نافِع..! لذالك كان لِلمُتخرِّجين العديد من فُرص الوظائف:
     لَعِب البولا وتْسايَرْهاه. الرّاحة والتّخْمام مع جْوانات الكيف أو السّبْسي، السّرقة لِمَن اِسْتطاعَ إليها سبيلاً، رعْي الماشية إذا وُجِدَتْ، الفلاحة الموسمية إذا سقطتِ الأمْطار، والإسْتِنْماء مع الحيوانات أو الصُّبّار بَدَلَ مُضاجعة اِمْرأة لِأنّ تكاليف الزّواج أصْبحتْ خيالية وليست في مُتناول الجميع. 
      كانتِ العائلات قد بدأتْ تفْهم وتعي أنّ التّعليم هو الوسيلة الوحيدة الأمْثَل والأسْهَل لِتحْسين الوضْعية الإقْتِصادية والخروج من أزمة عُنُقِ الزُّجاجة. أو الجواز الوحيد الذي يسْمح بِنوعٍ من "التّسلُّق الطّبقي" نِسْبياً. وأنّ الشهادة الإبتدائية التي يحصل عليها التّلميذ بعد خمْس سنوات فقط من مُحاربة الأُمّيّة، تجعل منه مُعلِّماً براتِب شهري يمكن العيش به شِبْه كريم وبدونِ أن يموت جوعاً. ولذالك كانت ألأُسر تسْتثْمِر في تعليم أبنائها ولو بِبيْعِ مُجوْهراتها وبعض الأجزاء من أراضيها. لِأنّ الحافز كان أقْوى، والجزاء أوْ المُكافَأَة مُباشِرة، والوطن خرج من الإسْتِعْمار مُعَوَّقاً بدونِ أُطر ويعيش خصاصاً في التّأْطير في كل القِطاعات...

أختاي ميمونت وحورية 

     مضتْ أيّام على آخر مناقشة مسألة الرّحيل بين أمّي وأخي ربيبُها. ورأيتُ أمّي تبيع لِبعضِ النِّساء مُجوْهراتها وبعض فساتينها وقفاطينها استِعْداداً لِلْهِجْرة التي لا مَفَرَّ منها.
    كُنّا نُحِسّ ونحن بِصددِ الإستِعْدادِ لِلسّفر، أنّنا مَدْفوعون لِمُغادرةِ أرْضَ أجْدادِنا غَصْباً عَنّا، كان الأمازيغ الفارّين مِن بطْشِ قمْع المخْزَن إلى جبال الريف كما في جبال الأطْلس، يُحِسُّونَ دائماً أنّ هناك أيادٍ خفِية تريد اقْتِلاعهم من جُذورِهم وهم السُّكّان الأصْليّون..! وكان ذنب الأمازيغ الوحيد أنّهم يحْتقرونَ الذُّلّ، ويكرهون العُبودية كما يدُلّ على ذالك إسْمهم. ولهذا كان الإنْتِقام الرّهيب لِ "المَخْزَن" هو تكديسهم كَطبَقة من الأوْباش من الدّرجة الثّانية أو الأخيرة كمَحْميات حيوانية، في قُرى جبلية نائية عن كل المراكز الحضرية ومعْدومَة البنية التّحْتية وعَزْلها وإهْمالِها تماماً، لِيبْقوا مُتخلِّفين ويُقَدَّموا لِلْعالم كشاهِد حيّ على بِدائِيتِهِم وتخلُّفِهم وأنّ العرب المُسْلمين المُتحضِّرين مَنْ حرّرهم من التّخَلُّف والوثنية التي كانوا غارِقينَ فيها..! مِمّا كان يُسبّب في احتقان غضب الشعب وإحْساسه العميق بِ الذُّلِّ و"الْحَكْرَة"، وثورته مِراراً ضدّ رموز السلطة في المغرب التي كانت تُجيب بالقمع والإختِطاف والزّج في السّجون بالمناضلين الشُّرفاء..!
    وفي اليوم الموْعود لِلْهِجْرة، إستيقظتْ أمّي باكراً وأمرتِ الخادمة بتهْيئ القهوة والشاي والبيض المقلي في زيت الزّيتون. وذهبتْ إلى الحديقة الخلْفية حيث توجد أشجار التّين الكبيرة، فلقطت دلْواً من "الكرْموس" (ثَزَثْ)، وأخذت دلْواً صغيراً آخر ملَأَتْه بالهنْدية، فغسلتهما ووضعتهما على المائدة وهي تجلس وتقول:
    ـ ذوقوا معي يا أولادي خيَرات بِلادِنا، فهذه آخِر مرّة نأكُلُ فيها تينَنا وهنْديتنا..!
    كان الكلّ مستعدّ لِلْهِجرة. أختي ثمونْتْ الصّغْرى تقْريباً أرْبَع سنوات، أختي هُوَرِيَة، أنا حسب التّرتيب السِّنّي، أخي عبد الله، وأخيرا أخي مُحمّادي الذي كان يُدافِعُ دائماً عنّي ضِدّ عبد الله الذي كان كُلّما رآني أرْسُم وألوّن، يُزْعِجني ويمْنعني من مُمارسة هِوايتي المُفَضَّلَة.
    أخذتْ أمّي قِدْراً من الحديد وملَأتْهُ بالزّيتون الأسود الذي التقطناه من حُقولنا بِ "مَسْناذْ" ووضعتْه في حقيبة أخي مُحَمّادي. وجاَتْ الخادمة عيشة مامّة ميمون بكيْسٍ صغير من الحُمّص اليابِس وناولتْهُ لِأُمّي التي وضعته في حقيبة أخي عبد الله. وأخَذَتْ أمّي جميع الزّرابي والأواني التي كانت في غرفتها وحملتها بمساعدة الخادِمة إلى زوجة أبي لَلاّ ميمونت عيسى هدية منها لِضَرّتِها العزيزة. ثم طَوَتْ أمّي بَطّانتين ولَفّتْهما في إزارٍ أبيض على شكل كرة ضخْمَة (أشَمُّسْ). فعانقتْ ضَرَّتها والخادمة عيشة وأختها ميمونت. وفعلْنا نفس الشيء مثل أمّنا والكُلّ يلُفُّهُ الحُزْن، وودّعْنا دارنا ومَنْ فيها لِنذْهبَ إلى المجْهول...
     خرجْنا جميعا الواحِد تِلْوَ الآخر نتْبعُ أمَّنا. مشيْنا كثيرا حتى بدَأَ التَّعب يُداهِمُنا. وأُصِبْتُ بِدُوار حتى سَقطْتُ مُغْمى عليّ. 


    
    خلال طريقنا فوق الجبل، كُنّا نلْتَفِتُ كلّ مرّة لِنُلْقي تحيّات الوداع على دارِنا التي كانت تصْغَرُ شيئاً فشيئا. كانتْ أمّنا تتنَهَّد بِصَمْت، من شِدّةِ التّعَب والثِّقْل والحرارة والعطش. مررْنا من الدار التي كانت تسكن فيها المرأة الحنونة التي تُؤْوي أخَواي عندما كانا يدرسان في "رابَعْ نَتْراث" والتي ماتتْ مُنْذُ عام، وهو العام الذي أوْقَفَ فيه أخواي الدّراسة، واسْتَبْشَرْنا خَيْرا. ووقفنا لِتَسْتريحَ أُمّي قليلاً وننتظر عَلَّ وعسى يخرج إنسان لِيُعْطي لها كأسَ ماء، لِأنّها كانت عطْشى ومُتْعبة بسبب الثِّقْل الذي كانت تحمله وهي تصْعدُ الجبل. ودَقَّ أخي عبد الله في الباب ثلاث مرّات بدون جدْوى. وبَدا أنّ لا حياة لِمَنْ تُنادي، وكأنَّ الدّار مهْجورة وأنَّ الأُمور تغيّرت هنا بعد وفاة المرْأة الطّيِّبَة. وقامَتْ أمّي وأخذَتْ حمْلها الثّقيل مِنْ جديد. وقبْلَ أن نبْدَأ في هبوط السّفْح، تأمّلْنا من أعْلى قمّة الجبل لِآخِر مرّة دارنا البعيدة التي بَدَأَ يلُفُّها الضّباب. ثم استأْنفْنا سبيلنا ونحن نمْشي ونبْكي ..!

يتبع


Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الحياة في باسو - في انتظار الإعْدام

Chapitre 3 ـ Sana ـ سناء

فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث