الفقرة 18 المجرم الخطير إسماعيل ياسين



الفقرة 18

المجرم الخطير إسماعيل ياسين

يوميات فنان مهاجر 
 بحثاً عنِ الزمن الضّائع


إسماعيل ياسين المجرم الخطير
***

ن    نحن الآنَ في الناظور في أواخِر شهر أبْريل صباحاً من عام 1968. وبالضّبط في شارع المغرب العربي الذي أصْبحَ شارِعنا. مُنْذُ رجعْتُ من مستشفى إبن سينا بالرباط، وصِحّتي تتحسَّنُ شيئاً فشيئاً. ما زالتْ أشْياء ومَهامّ كثيرة تنتظرني لِأكْبر وأصيرُ رجلاً. أمّي تصاحبتْ مع إحْدى نِساء حيِّنا لِتُساعدها في الطّبْخ في المُناسَبات كطاهِية. كانتْ في سِنِّها وهي أيْضاً أرْمَلَة تُغذّي أرْبعة أوْلاد في مِثْلِ سِنِّنا. وهذا كان يُساعِدنا كثيرا من ناحية توْفير الغَذاء لنا جميعاً. ولا سيّما أيّام نِهاية الأسْبوع كالجمعة والسّبْت والأحد التي يُفضِّلها الناس لِإقامةِ حفلاتهم وأعْراسِهم وأفْراحِهِم، مثْلَ هذا اليوم الجمعة حيْثُ ستعْمل أمّي مع صديقتها طاهية الحيّ في عُرْسِ عند إحْدى العائلات البورجْوازِيات. وأخي مُحَمّادي يعْمل مُوَظَّف كالعادة ككاتِب عند نقيب المُحامين. ولكن ما هو غيْرُ عادي هو غِيابُه المُسْتمِرّ عن دارِنا. إذْ لا يأْتي إلَيْنا إلاّ نادِراً. إعْترفَ لنا يوْماً ليْسَ بِبعيد بِأنَّهُ يعيش مع صديقهِ إسْماعيل ياسين مُسْتَحْسب السّوق وأخْتهُ فتيحة الجميلة المُطَلَّقَة. هؤلاء الناس كانوا عرب من وجْدة.ة
لَسْتُ أدْري ما هي الظُّروف المَنْحوسَة التي جعلتْهم يتعرَّفون على أخي مُحمّادي وينْقَضُّوا عليه لِيَلْتهِموه مُنْذُ أنْ وجد وظيفة وبدأ يَشْتغل ويتقاضى أجْراً، مُسْتعْمِلينَ إبْنتهم المُطلّقة والآية في الجمال كَكُلّاب وطُعْمة يسْترْزِقون منها، ووسيلة لِاصْطِيادِ أخينا العزيز الذي كان مَكْبوتاً كملايين المُراهِقينَ في سِنِّه، والذي كان لهم فريسة سهْلة..! وهذا ما كان يُفسِّر زيارات المُسْتحْسِب المَشْؤوم إسماعيل ياسين لدارِنا لا لِيَبحث عن أخينا مُحمّادي فحسْب، بَلْ رُبَّما لِلتَّجَسُّس على أحْوالِنا المُزْرِية لِيَزيدَ لنا حِرْماناً وعَذابا..! وكانت أُمُّ اسماعيل ياسين تقودُ زوْجها الضّبع الأعْمى يوْمِيّاً لِيجْلِس على رصيفِ باب السّوق نهاراً كامِلاً يُرتِّلُ القُرآن ويسْعى. وتذْهب هي وابنتها الفائقة الجمال تتنزّهانِ وتُلبِّيان دعوات الرِّجال لِلْعشاءِ معهم والسّهرات في "حيّ الإيروس" عِنْدَ الأثْرِياء الذينَ يُفضِّلونَ ملذّات الحياة الدُّنْيا قبْلَ أوْهام حياة ما بعْدَ الواقِعة، وقبل أن تقومَ القيامة..! وتسْعيانِ أوْ ترْبحان الدّراهِمَ بطريقتهما السِّرّيّة الجميلة. لقد كانتِ الأمّ "الحاذْكَة" وابْنتها أفْروديتْ شريكتان رائِعتان لِإبْليس الذّكيّ في إشاعةِ قِيَم المُجون التي يعْبُدها الناس في سرائِرِهم ضِدّ فوْضى "تاناتوس" المَدْعوم من طرفِ الآلِهة..! إلى أنْ يأْتي المساء، فتعودُ إلى السّوق لِتُعيدَ زوْجها الذي بحَّ صوْتُه بترديد كلام الله إلى بيْتِهِما، ويحْسبا النُّقود التي جَنوْها من السِّعايةِ والقِوادة والسَّمْسرة في الفاحِشةِ والبغاء وتِلاوة القرآن..! لقد كان مَدّ أكُفَّهم لِجمْعِ فُتات صَدقات المُشْفِقين مِهْنتهم التي امْتهنوها من زمان قبل أنْ نعْرِفهم ويعْرِفوننا. ورُبّما في عقيدتهم اللاّشُعورية المُعَقَّدَة والسّكيزوفْرينية، كان هذا "المَكْتوب في اللّوْحِ المَحْفوظ" مُجَرّد "قضاء الله"، ويجبُ الخُضوع له والاِسْتِمْرار في السّعْي وطلب الصّدقات بأيادٍ مَمْدودة، والاِتِّجار في كنْزِ حُسْن وجمال إبنتهم فتيحة الخيالية..! وكان أنْ وقعَ أخي مُحمّادي المَكْبوت ككل أقْرانِه في سِنِّه ضحيتهم الضّعيفة، وفريسة أقْدارِهم المَعْطوبَة ونتيجة أيْضاً لِغباءِ أخي وسذاجته المُبْتَغاة في اللاّوَعْي لِغرضٍ في نفْسِ يعْقوب..! على كُلِّ حال، هذه "الطّريقة" المَطْبوخَة لِأخي مُحمّادي المِسْكين، خْيْرٌ من ألْفِ ليلة وليْلة كاللّيالي والأيّام التي كان يُمْضيها مع أوْلادِ حارتنا ببني سيدال في الذُّبولِ تحْت الشُّموسِ الحارِقة والإسْتِنْماء بِالصُّبّار الشّوْكي اللّزِج الذي خلق فيه الله مَنافِعَ لِلنّاس..! وكان ابنهم إسماعيل ياسين اللّقيط والمُسْتحْسَب في سوقِ الناظور، شريك العائلة الشّيْطاني في الإيقاع بِحبائِلِه بِأخي مُحمّادي وتزْويجهُ أخْته فتيحة سِرّاً، بِمُشاركة ومُبارَكة والده الأعْمى أعْماهُمُ الله جميعاً وخَرَّبَ بيْتهم. اللّهُمَّ آمين..! هذا الزّواج المُخْتَصَر بلا عُرْس ولا ضجيج ولا ضُيوف. والذي لمْ يعرف أحدٌ من عائلتنا متى تمَّ وكيف وأيْنَ ومَنْ تكلَّفَ بِعِقْدِ الزّواج إذا وُجِدَ أصْلاً..! كما كانتْ لِأخي غُرْفة نومه مع زوجتهِ في تِلْكَ الدار الصّغيرة التي انتقلوا إليها مُنْذُ بدأ أخي يشتغل ويتقاضى أجْرته الشّهْرية. وأظُنُّ أنّ أخي هو الذي اِسْتأْجرها. ولهذا كان يغيبُ عن دارِنا ليْلاً ونهاراً على إيقاعِ حُزْنِنا وشقاء أمّي المِسْكينة. وقد دعاني يوْماً لِقضاءِ الليلة عنده لِأعْرِفَ داره وعائلة زوجتِهِ "الشّريفة". فكان أنْ لَبَّيْتُ رغْبتَه وذهبْتُ معه.ء
ك    كانت داره تقع في إحْدى أزِقَّة حيّ لَعْري الشّيخ، سُفْلية بِساحةٍ وسطِ الدار واسعة ومُزَفَّتة. فرَّشَتْها حماة أخي مُحمّادي، أيْ أمّ فتيحة، بالبطّانيات والوِسادات بعْدَ أنْ نظّفتْها، ووضعتْ مائدة عليها صينية شاي وحلويات. وجلسنا جميعاً حوْلَ المائدة نُدرْدِشُ في تِلْكَ الأُمْسِية الدّافِئة ونأكل الحلويات التي هَيَّأتْها يد زوجة أخي الأولى، ونشربُ الشّاي بالنّعْناع. ء

ة

خِلال المُحاكمة وطلب الطّلاق

    كان الرّجل الأعْمى جالِسٌ أمامي مُطَأْطِئ الرّأس يُتمْتِم بِأشْياء مُبْهَمَة أحْياناً، وأحْياناً أخْرى واضِحة لِلسَّمْع تكْشِف عن خليطٍ مِنْ ترانيمِهِ الإنْفِصامية المُخْتلِطة..! وزوجته "الحاذْكة" بِجانِبِه تتأمَّلُ العريسان بِبهْجة وافْتِخار! ناسِيَةٌ أنَّ لِهذا الزَّوْج الغبِيّ أُمٌّ تتعَذَّبُ في الخفاء وتشْقى..! وأخي مُحمّادي على يميني هو وزوجته فتيحة الجميلة. كانتْ عُيوني كنوّار أو عبّاد الشّمْس. أيْنما قذفْتُها بعيداً، إلاّ وتعودُ لِتَتَثَبَّت وتسْتقِرّ على الشّمس بِجانِبِ أخي وتنْحني لها. كُلُّ الكلمات والمُرادِفات التي تصِفُ الجمال والسِّحْر والبهاء، سيصْعُب عليها وصْف جمال فتيحة..! كنتُ دائماً أحِبُّ الجمال ويروقُني تأمُّلُه، ويبْعَثُ في داخِلي شُعور لانِهائي بالسّعادة والبهْجة والسُّرور، أُحِسُّ معهُ أنّني نغْمةٌ تسْري وتنْسابُ في أجواء الجنّة، كأنّني في مِحْرابِ الجمال أصلّي لِهذا السِّحْر خاشِعاً. ولَوْ كان هذا الجمال بصري كالأصيل وغُروب الشمس المُنْعكِس على أمْواج البحرالمُرْتطِمة بِالصُّخور، أوْ سمْعي كسيمفونيات تْشايْكوفَسْكي وهدير العواصف وعواء الكِلاب وهُبوب الرّياح وحفيف أوْراق الأشْجارفي فصْلِ الشِّتاء..! أوْ شَمّي كالرّوائح العطِرة التي تنْبثق من الوُرود ويعْشقها الرّاقون مِثْل أزهار السهم والفريزيا والجاردينْيا والزّئْبق والياسْمين التي زرعْتُها جميعاً في بُسْتاني الواسِع الأخّاذ في ريفِ الناظور، إكْراماً لِأبي الذي كان يأْتي بهذا النّوع من النّباتات من الجزائر لِيغرسها في حديقتيْنا بِبَني سيدال، وأمّي العزيزة التي كانت مُولَعة بِزرْعِ النباتات والأزهار في منزلنا الصغير بالناظور... أوْ حِسّي كقُبْلة على شِفاهِ لارا..! وهذا سأتفاداهُ لِأنّهُ سيُطوِّحُني بعيدا بعيداً في الذِّكْريات اللاّنِهائية..!ءء



أنا وابن أخي في داري





ورود وأزهار حديقتي


ف   وكانت فتيحة، زوجة أخي مُحمّادي، أوّل جمال نادِر أُصادِفُهُ في حياتي. ولا أظُنُّ أنَّ أحَداً من إخْوتي وكل الرجال الذينَ عرفْتُهم، كَتَبَ لهم الحظّ أنْ تكونَ لهُم زوْجة آيَة حقيقيّة في الجمال مِثْل زوْجة أخي مُحمّادي. وهنا أتكلّم عن معايير الجمال العالمية للمرأة التي تتمثل في امتلاكها للملامح الأنثوية في وجهها مثل التفاصيل الناعمة والرقيقة لتقاسيم الوجه، والقامة والهيْأة والوزن ورائحة الأنفاس وطريقة المشي والكلام والحركات
والهُدوء ووو..! فلا تظُنّي سيِّدتي أنّهُ بِمجرّد أن تكوني أُنْثى بفرجٍ وأثداء ورِجلين ولِسان طويل، أنَّكِ امْرأة أو سيّدة أو هيْفاء ساحرة مثل فتيحة..! أبَداً..! مِنَ المُسْتحيل واللاّمَعْقول أنْ تكونَ هذه الغزالة من هذا الأعْمى الذي يُتمْتِمُ الآن بِجانبي الذي يظلُّ صارِخاً في أبْواب السّوق يسْعى ويسْعى، أوْ أُخْت إسْماعيل ياسين البَهْلواني وابنُ الحرام الذي احْتكر أخي وأُجْرته..! وفكَّرْتُ مع نفْسي ولو أنّني كنتُ صغير: أنّ البغاء مركز جاذِبية جَبّارة أزَلي لِلْجمال المُرَكَّز، ومرْكز لِاسْتِقْطابِ النِّساء الفاتِنات، وستبْقى الأمور هكذا إلى أنْ تفْنى الدَّنْيا ومَنْ عليْها. وأنَّ مَنْ يتزوّج فتاة جميلة في هذا المُسْتوى المُتجاوِز لِلْمَعْقول، فهو أحْمَق مائة في المائة..! وأنّ أسْواق الدّعارةِ والنّشاط، لا تنْتعِش حتى تلِجه عناصر الجمال المُثيرة والمُحَرَّمَة وتُغذّيه. فكُلُّ مَمْنوعٍ مَتْبوع كما يعْلمُ الجميع. ولوْ كان هذا الجمال مُرْتبِط بِعُقودٍ وعُقود، أي اِمْرأة مُتزوِّجة، فذالك ما يُظْفي على هذا الميدان سِحْره ومرْكزاً جاذِبيّاً لِلْمُغامِرين من هُواةِ الإيروس، الذين يسْرقون بعض لحظات اللّذّات الماجِنَة من الجنّة والفِرْدوْس قبْلَ القِيامة ويوم الآخِرة. فكُلُّ النِّساء في الأخير "حورالعين". ولاسَيَّما حورالعين الواقِعيّات المُثيرات والمُشحّمات قليلاً التي تُصادِفهُنَّ بِحِجاب خَجول، أوْ بِسِرْوال "دْجين" الأزرق على عتبةِ مَلاهي وحانات اللّيْل، وهُنَّ يُدخِّنْنَ المارْلْبورو الحمْراء، وبيْنَ أنامِلِهِنَّ النّاعِمة سيجارة فاخِرة، وكأس بِلَّوْري من "الفودْكا"..! "ولِلنّاس فيما يشْتهونَ مذاهِب"، هكذا الحياة..!اً

ء

فتيحة الهيْفاء الساحِرة، زوجة أخي مُحمّادي

    عُدْتُ يوْماً من المدرسة إلى دارنا. كان الوقتُ ظُهْراً. فوجدُتُ أختي حورية وثمونْتْ حزينتان وهما مُنْهمِكاتٌ في طَرْزِ غطاء الطاولة لِإحْدى الجارات الغنيّات التي وعدتْها بِإعطائها 300 درهم إذا أكْملتْها قبل نِهاية الأسْبوع بِسببِ حفْلةٍ مُسْتَعْجَلَة ستُقيمها لِصديقاتها. سألْتُهما ما بِهِما وماذا وقع لِتكونا حزينتان! فأجابتْني حورية بِصوْتٍ مُنْخفِظ لِكَيْلا يسْمعنا أحد، أنّ أمّنا رأتْ أخانا مُحمّادي يمُرُّ قُرْبَ بابنا مع "الوزيعة"، أيْ اللّحْم في كيسٍ بْلاسْتيكي ولمْ يُرِدْ أنْ يدْخُلَ عِنْدنا. ولهذا بكتْ أمّي كثيراً..!ء
   ـ     ـ إيه! نَمَتْ أجْنِحة أوْلاد الهِجْرة الجاحِدين وكبروا، وبَدَأَ يطيرونَ ويُغادِرونَ عُشَّهُم شيْئاً فشيئا. ناكرينَ لِجميل أمّهم التي شقتْ من أجْلِهِم..!ء
ف    فَكّرْتُ مع نفْسي وأنا أرْنو إلى عُيون أمّي الحمْراوان من أثَرِ البُكاء. إنّها لا تعرفُ رُبَّما أنّ ابْنها تزوّج! وأنّ زوجته لا تُضاهيها امْرأة في الجمال! وأنّهُ جِدُّ سعيد كما شاهدْتُ ذالكَ بِأمِّ عيْني في داره عندما قضيْتُ معهما الليلة في غُرْفةِ نوْمِهِما. لمْ يناما اللّيل كلّه. ظلاّ طَوالَ اللّيْل يتحرّكانِ في الظّلام ويضْحكانَ ويلْعبان في فِراشِهِما كالأطْفال الصِّغار. ظانّينَ أنَّ سُلْطان النّومَ ضربني على أُذُني..! ي
ء    تاهَ خيالي بعيداً في الماضي. عندما ذهبَ أخي مُحمّادي مع زوجته فتيحة الجميلة إلى شاطِئ بحْر "بويافار" واصْطحَبَنا معه أنا وأُختي حورية. مررْنا أوَّلاً على دار أختي يامْنة لِيُقدِّمَ لها أخي زوجته. ولمّا رأتْ فتيحة، اِنْبَهرتْ بِجمالِها وقالت بِدونِ وعْي:ء
ء    ـ سبحان الله الذي صوّرها..! إنّها رائعة أخي مُحمّادي..!ء



النّزهة التي كادتْ تغرق خلالها أختي حورية في بحر بويافار

   ك    كان الجوّ حارّ في تِلْكَ الأيّام من شهْرِ غُشْت 1968، وقد أعطتْنا أختي يامنة سطلاً مليئاً بالتّين والعِنب التي قطفتها من مزْرعتِها، وسِكّيناً سنحْتاجُه لِأكْلِ الدّلاح والبطّيخ الموجود في كلّ مكان من أراضيهم الواقعة على ضِفّةِ البحر.ء
ء    عندما وصلْنا إلى البحر الذي لم يكن بعيداً، نزعنا جميعا ثيابنا العادية، ولبسْنا ملابس السباحة، ولبستْ أختي قنْدورة طويلة، ودخلنا لِنعوم.ة
ء    أمّا أخي مُحمّادي فقد اِنْزوى عنّا قليلاً مع زوجته التي كانت لابِسة لِباساً أسود مُحْتَشماً مثل أختي. وبِما أنَّ بشرتها بيضاء، فقد كانتْ تبْدو ك"الآلهة فينوس" المُنْبثِقة من أعْماق البحر وهي تقْترب من الشاطئ لِتُعانِقَ حبيبها.ء



فينوس آلهة العلاقات غير الشرعية الجنسية لدي الرومان واسمها في اليونانية الآلهة أفروديت. اعتقد الرومان أن الإلهة فينوس ولدت في البحر وجاءت إلى شواطئ قبرص في محار. لوحة زيتية لِبوتشلي

ء    بدأنا نعوم ونضْحك ونلْعب مع الأمواج الصغيرة. كان الجوّ جذّاباً لِلْمُصْطافين الذين ملؤوا الشّاطئ بعيداً عن اليسار. أمّا نحْن، فقد تبِعْنا أخي مُحمّادي الذي اخْتارَ هذا المكان لِهُدوئِه. بدأْتُ أعوم وأبْتعِدُ مع التّيار شيْئاً فشيْئاً عن أختي حورية. وفجْأة، لاحظْتُ أنّها تدْخُل تحْتَ الماء وتخْرج وهي تبْصقُ ماء البحر المالح من فمها. ظننْتُها تلْعب مع أمواج البحر الهادِئة فاسْتمرّيْتُ أعوم. ثم بعد دقائق سمِعْتُها تصْرخ:ر
ء    ـ زِّمَحْماااااان..!ء
ء    فاسْتدرْتُ بِسُرْعة لِأرى أختي الصّغيرة العزيزة تغْرق في البحر. فأسْرعْتُ نحْوها وأنا أصْرخُ مَذْعورا:ء
ء    ـ حورية، لا تخافي، أنا هُنا أختي. أنا هنا. أنااا...ء
ء    وقفزْتُ أنْتشِلُها من قبْضةِ البحر الذي كان سيبْتلعها. وسحبْتُها إلى الرّمال الحارّة لِتسْتدْفِئَ بالشمس. ودثَّرْتُها بِفوطةٍ كبيرة. وجلسْتُ قُرْبها أتأمّلُها...ء



أختي حورية بعد صدمة الغرق في البحْر

ء    أردْتُ أن أُنادي على أخي مُحمّادي، فنصحتْني أختي حورية بِألاّ أُناديهِ أوْ أُخْبِرُهُ بما وقع، وأنْ أتْركه يلْعب ويلْهو مع زوجته في البحر ويسْتمْتِعا بِلحظاتهما، وألاّ نُنْغِصَ عليْهِ نُزْهته مع حبيبتِه فتيحة التي عشقها، وهما في شهْرِ العسل و"عشْرةُ أيّام الباكور" كما يقول المثل الشّعبي، والذي يسْبقُ الإنْفِصال والطّلاق الذي هو آتٍ لا رَيْبَ فيه. أقولُ هذا لَيْسَ أُمْنِيَة بالنِّسْبة لي أتمنّى أنْ تتحقَّق، ولا عَداءٌ تُجاهَ فتيحة زوجة أخي. أنا لَمْ أراها سِوى مَرّتيْن في حياتي، فكيْفَ أكْرهُها أوْ أحْقِد عليْها أوْ أبْغضها..! وكانتْ دائِماً لطيفة معي وقليلة الحديث. وعندما تتحدّث مع أحدٍ مِنَ الحاضِرين، فإنّها تخْتار أطْيَب الكلِمات وأرقّ العِبارات. كانت اِبْتِسامتها السّاحرة تسْبق حديثها. وصوْتُها كان أيْضاً جميل مثل وجهها. كُنْتُ أنْظُر إليها وإلى أخي مُحمّادي الذي كان سعيداً معها. ورُبّما لمْ يعرف أخي السّعادة الحقيقية حتّى عرفها وعاشرها وقرَّرَ الإقامة معها ليعيشَ في أحْضانها. كنتُ أتأمّلهما يُزقْزِقان كالعصافير أو الفراشات الحمْقاء! وفي نفسِ الوقت أفَكِّرُ في أقوال أمّي التي كانتْ قد اِتَّخذتْ قرارها المُسَبّق الصّارِم والحاسِم في شأنِ زوجته فتيحة: وكان القرار: ألاّ تبْقى هذه المرأة "الفاسِدة" التي تصْطادُ الرِّجال، زوجة لِابْنِها. يجب على أخي مُحمّادي أن يُطلِّقها حالاً ويتخلّص من هذه العائلة الفاسِدة وأخوها المُجْرِم إسْماعيل ياسين اللّعين الذي كان مُهَنْدِس هذه الكارِثة الكبيرة والطّامّة الكُبْرى التي حَلَّتْ بنا بعد هِجْرتِنا إلى الناظور..! أنا لَمْ أكُن مُتّفِقٌ مع أمّي "كاسِرةُ الأقْدار"، أنْ تُكسِّرَ أقْدار هذه المرأة الجميلة التي هي زوجة وحُلْم أخي العزيز مُحمّادي، والتي يعيشُ معها في سعادةٍ قُصْوى لمْ تَعِشْ مِنْها أمّي نفْسها ولَوْ ذَرَّة واحِدة في حياتها كُلّها في "بني سيدال" مع زوجها أبي، الحاج الهادي رحِمهُ الله. فلِماذا هذا العَداء المسْموم والمُبَكِّر لِأمّي ضِدّ هذه الفاتِنة بائعة الهَوى، والتي فَتَنَتْ فِعْلاً أخانا العزيز الذي "انْكَبَّ على وجْهِهِ" معها وابْتلعتْهُ عائلته هو وأُجْرتَه معاً..!؟ آآآه، الأُجْرَة..! هُنا مرْكز العُقْدة!ء
ء    في الواقع، إذا أردْنا أنْ نُعرّي على الحقيقة، فإنّ كل ذالك الصّراع المُحْتدِم لم يكن لا مِنْ أجْلِ حبيب الرّوح لِفتيحة، ولا لِأجْلِ فلذة الْكَبِد لِأمّي، والذي هو في كِلْتا الحالتيْن أخي مُحمّادي. ولكن هذا الصّراع كلّه كان من أجْلِ 600 دِرْهم، أجرة أخي التي تضمن لُقْمة العيش الكريم لِكِلا عائِلتيْنا، ولهذ السّبب، اِحْتدم الصِّراع بيننا بِقِيادة أمّي جان دارك، وبين عائلة فتيحة بِقيادةِ أبيها الأعْمى القُرصان الماكِر..!ء
ء    كانت أمّي في موْقِفِها الحاسِم الذي لا رجْعَةَ فيه، وهو طرْد الفاتِنة فتيحة وتطْليقها بِسُرْعة خوْفاً أنْ تلِدَ معه أولاد فيغْرَق بِمعْنى الكلمة، يتميّزُ بِنوْعٍ من المَنْطِق المُصْطَنَع، وتُحاول اِسْتِعْمال جميع وسائل الإقْناع والتّأْثير علينا بما في ذالك سِلاح التّهْديد والوعيد والدُّموع والقسَم "بِالله العظيم" والعاطفة وتَصَنُّع الغضب وكافّة أشْكال الهِسْتيرْيا... كل ذالكَ لِتُقْنِعَنا بِأُطْروحتها وعدائها لِفتيحة التي أتَتْ من عالم الدّعارةِ والفُجور، وتراها "دون مستوى عائلتنا" وتُحاول تشْتيتنا، وأنّها شَرٌّ أسْود يجب التّخلُّصُ مِنْه في أقْربِ الآجالِ إن شاء الله..! ولاسَيّما بعد أن اِنْتقلوا من الدار التي اسْتأْجرها لهم أخي، لِيرْحلوا إلى الدّار التي منحتْها السّلطة المحلّية لنا بعد شِكاياتٍ وطلبات عديدة، وأنّ أبانا قضى في حادِثة سيارة في طريقِهِ إلى وهْران، ولا نعرف قبْره، ولا رأيْنا تعْويضات من الدّولتين المَعْنيّتين، ويحْتلّوها بكلِّ بُرودة أعْصاب، ونحنُ سِتّةُ أشْخاص مُتكدِّسون في غُرْفتيْنِ ضيِّقتيْن..! وهنا فاضَ الكيْل وطفح، وبلغ السّيْل الزّبَى، ولمْ يعُدِ الأدب والصّبْر يُجْدِيانِ مع هذا القوْم المُتربِّصون الظّالِمون الذين يعيشون على الفُجور والسّعْي والنّصْب والإحْتِيال بسببِ فِقْرِهِم المُزْمِن. ولم تستطع أمّي ان يرْتاحَ لها البال، وأنْ تعيش بِهُدوء حتى تسترِدّ منزلنا الواسِع الذي زُرْناهُ مرّتين حين كان مَجْزرة بلدية، وكُنّا نحْلُمُ أن يكون منزلنا إلى الأبد..!ء
ء    فكّرتْ أمّي كثيراً في تورُّط أخي في هذا الزّواج السّرّي الذي تمْقُتُه بِقلْبِها بِسببِ ماضي الفتاة المُدَنَّس بالدّعارة. زوجة أخي مُحمّادي. لَوْ كانت اِمْرأة مُطلّقة من رجلٍ واحد وحافظتْ على شرفِها وعِفّتِها، لَتَزَوَّجتْ في مدينتها الأصْلِية وجْدة، ولَكانتِ الأُمور سهْلة وعادية. ولَتقبَّلها الناس وقد يطْلُبها بعض الأزْواج الأرامِل لِلزّواج في حيِّها وحارتها وكل مدينتها التي هربتْ منها بِسببِ فُجورِها وتشوُّه سُمْعتها التي توسَّخَتْ هناك، فهاجرتْ إلى الناظور لِتبْدأ حياة جديدة قالِبَة لِصفْحةِ الماضي الدّاعِر..! ولكن ألْبوم الصور الذي أعارتْهُ لي فتيحة ورأتْهُ أُخْتايَ وأُمّي، زادَ الطّينَ بَلَّة، فتضاعف كُرْهُ أمّي لهذه المرأة البريئة في نظري. ولاسيّما عندما رأتْ كيف كانت تعيشُ فتيحة مع أزْواجِها وعُشّاقها الأوّلين السّابِقين. وكادتْ بعد رُؤْيةِ ألْبوم صور فتيحة أن تُمزِّقه وتُحْرِقه، فمنعْتُها صارِخاً لِأنّهُ أمانة..!ء



بعض صور فتيحة من ألْبومها الخاصّ 




صور فتيحة عندما تزوّجها خليجي زواج المُتْعة


ء    وبعد أنْ حلَّلَتْ أمّي وضْعية أخي التي لا يُحْسدُ عليها، ورأتْ أنّ دعوات المحاكِم من أجْلِ تَطْليقِها لَنْ تزيدَ الأُمور سِوى تعْقيداً، ولاسَيّما بعد أنّ أكّدَ لها أحد المُسْتشارين القضائِيِّين أنّ الزّوج الذي هو أخي يحب، أنْ يُعوِّضَ الزّوجة ويُؤدّي لها صداقها ومُهْرها ومُتْعته معها...إلخ. غيّرتْ أمّي ستْراتيجيّتها وطريقة حلِّ هذه الإشْكالِية العويصة، وأرْسلتْ رِسالة شفوية إلى خالي عبد الله وَسْعيذ زوج أختي فاظْمة رحمهما الله جميعاً، الذينَ أعْطيْناهم دارنا ببني سيدال لِيسْكُنا فيها مع أوْلادهما بعد هِجْرتِنا، وأمَرَتْهُ حسب الرِّسالة (أَقّاصْ) أنْ يبيعَ كُلّ أثاثنا الغالي الذي تركتْهُ أمي في غُرْفةِ نوْمها احْتِياطاً، بِما في ذالِكَ جميع ملابسها المُتبقِّية والعديد من صُحون الفَخّار الغالية التي كان يأتي بها أبي من الجزائر، والصُّنْدوق الخشبي الجميل الذي كان بِمَثابة (رْمايّو) تحتفِظُ فيه بحلْيِها ومُجوْهراتِها وملابسها الفاخِرة. والزّرْبيتان الحَمْراوتان الغاليتان، ويأْخُذ كلُّ ما بقي من أثاث ويحْتفِظُ به لِنفْسِه. ويأتيها بِالنُّقود لِترْسلَ أخي مُحمّادي إلى ألْمانْيا..! وبِذالكَ تكونُ قدْ تخَلَّصتْ بِصِفةٍ جِذْرية بهذا المُشْكِل الذي أرَّقنا جميعاً ووقعَ فيه أخي، عندما تعرَّفَ على السّيّدة فتيحة الفاتِنَة الجميلة، وتزوّجتْ به لِتُحقِّق حُلْمها وحُلم عائِلتها، والذي دَمَّرَتْهُ المُهنْدِسَة العظيمة أمّي رحمها الله..!ء



يتبع









Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الحياة في باسو - في انتظار الإعْدام

Chapitre 3 ـ Sana ـ سناء

فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث