الفقرة 20 ـ الكلب المسعور
الفقرة 20
الكلب المسعور
ء بدَأَ هذا اليوم كئيباً وعاصِفاً بِمعنى الكلمة. عاصِفٌ في الجوِّ وفي الوَجْدان وقُعور أغْوار الرُّوح. حيْثُ تقْبَعُ الزّلازِل في الأعْماق في انْتِظارِ غفْلة الوعْي لِتطْفو وتتشابك وتتأوَّه وتثور..! وسينْتهي بِعواصِف سيْكولوجية روحِية أُخْرى أكْثرُ ألَماً ومرارة من الزّوابِع الطّبيعيّة العادية. ذالِكَ لِأنّ الحياة هكذا، مجموعة هِضاب ومُنْحدرات وفُصول روحِيَة..! طُلوع وهُبوط فوق جِبال الدُّنْيا كالمَلْعون "سيزيف"، وآمالٌ تنْجلي وتخْبو في القُلوبِ كالسّراب فوق البِحار، وأحْلامٌ تنْمو ثُمَّ تُجْهَضُ وتذْبل وتموت ككُلِّ الأزهار..! كأنَّ هذه الحياة أمْواجٌ مُتعانِقَة مِنَ الصِّراعات المُتشابِكة والضّحِكِ والبُكاء معاً. وقافلتنا اليتيمة، تُجَرْجِرُ كل هذا العبث والكوكْتيل المُتناقِض، في صمْتٍ وصبْرٍ وبِلا معْنى. وأُمُّنا خَزّانةُ الحنان، هي الوحيدة المَصْلوبة على واجِهة العذاب. لا تنْفكُّ تمْنحنا من حُبِّها الأمومي الغريزي الغزير بِلا أيّ مُقابِل..!ء
ء مَرَّتْ فِتْرة صمْتٍ ثقيلة. خرجتْ خِلالها بقية روائح الغاز الخانِقة. وأغْلقْنا باب دارنا بسببِ الرّياح الجامِحة، أرادتْ أمّي أن تُهيِّئ لنا الفُطور، فقام أخي عبد الله ورَكَّبَ لها الأُنْبوب البلاسْتيكي الذي كان قد أكلتْهُ الفِئْران في قارورة الغاز. فسمعت أمّي صوْت جارتِنا خالتي لْويزة تُكلِّمُها من مَطْبخِها الذي لم يكن يفْصِلُه عن مَطْبخِنا الضَّيِّق سِوى بعض الألْواح الخشبية القديمة، وهي تقول لها:ء
ء ـ خالتي مامّة، صباح الخير. لا تتْرُكي قارورة الغاز مفْتوحة بعد الطّبْخ سواءُ في النّهار أوْ في الليل. قُليها لِأوْلادِك. الفئران تقْضِم الأنابيب البلاسْتيكية وكادتْ رائحة الغاز تخْنقنا العام الماضي. وقعَ لنا نفْس الحادِث وكاد يموتُ الجميع اِخْتِناقاً نهاراً. هذه الدار قديمة والفئران أقامَتْ لها أعْشاشاً رسْمِية عندنا وعندكم. زوْجي أحمد بدأَ يبحث عن دارٍ أخْرى لِنكْتريها بِسببِ الفِئْران المُتكاثِرة.ء
ء فأجابتْها أمّي وهي تُرتِّبُ أوانينا القليلة المُبَعْثرة:ء
ء ـ الْويزة ابْنتي، إسْمحي لنا عن إزْعاجكم في هذا الصّباح الباكر. نحن أيْضاً سنبْحثُ عن دارٍ أُخْرى لِلْكراء. هذه الدار جِدُّ ضيِّقة، والآن مُشْكلة الفئران. إبْنتاي تخافانِ من الجُرْذان. ولهذا لنْ نبْقى هنا طويلاً. سنبحثُ اليوم عن دارٍ أخْرى بِأيِّ ثمن. إبْني عبد الله سيبدأُ العمل كمُعلِّم في شهر شتنبر من العام القادم إن شاء الله. ومحمّادي ذهب إلى ألمانيا. رُبَّما سيُفرجُ الله عليْنا يوْماً ما. أنا تعذّبْتُ كثيراً من أجْلِ تربية أبنائي. وهاجرْتُ بهم إلى الناظور من أجْلِ الدِّراسة والنّجاح في الحياة. والطّبْخ أنْهَكَ صِحّتي بِسببِ جهنّم ونيران المواقِد المُحيطةِ بي. سيقْتُلُني الرّوماتيزم يا ابنتي لْويزة.ء
ء ـ إن شاء الله خالتي مامّة ستكونينَ بِخير. أنْتِ تتعذّبينَ كثيراً من أجْلِ تربيةِ أوْلادِك الرّائعة، وسينجحونَ جميعاً بِحوْلِ الله. مَبْروك لِلمعلِّم سّي عبد الله. إذْهبي إلى حيّ "تِرقّاع" أوْ "إشومايْ" حيْثُ الكراء رخيص.ء
ء ـ سأفْعلُ اليوم. شكراً لكِ اِبْنتي لْويزة. مع السّلامة.ء
ء بعْدَ الفُطور مُباشرةً، لبِستْ أمّي إزارها الأبيض النّاصِع، ولبِسْتُ أحْذيتي وخرجْنا لِلذّهابِ إلى "إشوماي" لِلْبحْثِ عنِ الكِراء، تارِكينَ أخي عبد الله يُطالعُ مُقَرَّره، وأخْتايَ الصّغيرتان تطْرُزانِ غِطاء المائدة لِلْجارة...ء
ء مَررْنا منَ القيسارية ومحطّة الحافلات الشّعْبية، ثمَّ عرجْنا على حيّ "لَعْري الشّيخ". إلى أنْ وصلْنا إلى "إشوماي" قُرْبَ المستشفى الحسني.ء
ء كُنّا نتمشّى ونسْألُ الناس عن دِيارٍ لِلْكِراء. إلى أن وصلْنا إلى بُسْتانٍ واسِع فيهِ بعض ألأشْجار المُثْمِرة، وشجرة زيْتونٍ وسطَ البُسْتان كان كلْبٌ أسْود مَرْبوطٌ تحت ظِلالِها. وخرجتْ اِمْرأة تسْألُنا ماذا نُريد؟ ففسّرتْ لها أمّي أنّنا نبْحثُ عن دارٍ أو شُقَّةٍ لِلْكِراء، وأنَّ أحد الجيران دلَّنا على دارها.ء
ء ـ عندنا بيْتٌ فارِغ على اليمين. تعاليْ لِترَيْه.ء
ء وتقدّمتِ المرأة لِتحُلَّ باب البيْت ونحن خلْفها. فقالت لها أمّي:ء
ء ـ نحن نبحث عن دار أو شُقّة لا بَيْت. نحن عائلة. وهذا البيت لن يكْفينا أنا وأربعة أولاد. هل عندكم دار لِلكِراء؟ء
ء تركْتُهُما يتحدّثان، وانْقادتْ رِجْلايَ لاشُعورِياً لِحنينِي إلى أجْواءِ الحياة مع أبينا رحمه الله. وبدأتُ أتأمَّلُ الطّبيعة وأمْشي في الحديقة العريضة في هذه الدّار في "رَعْري نَشّيخ". كانت تُذكِّرُني بِدارنا الواسِعة التي هاجرْناها في بني سيدال، وهاجرْنا معها كلّ ذِكْريات طُفولتنا الحُلْوة بِسراديبِها العزيزة والعجيبة..! نفس الصُّبّار الشّوْكي، ونفس أشجارالتّينِ والزّيتون... ونفس رائحة التُّرْبَة وسماد المَزْبلة، ونفْس الصُّخور..! سالتْ دمْعتان على خدّي بِدونِ شُعور. وارْتعشَ حنيني إلى دارِنا وإلى أبي الحنون الذي كنتُ أنامُ في حِضْنِه، والذي تبخّرَ بعد وُجودٍ قصير، لَمْ نشْبَعْ خِلالها حتى كلمةِ "أبي" بِسببِ تِرْحالِهِ المُعْتاد..!ء
ء اِسْتيْقظْتُ من تيهاني في أعماقِ طُفولتي على نُباحِ الكلْبِ الفَرِح بِوَجْبةِ غذائه التي أتَتْهُ بِها فتاة في عُمْرِ أُخْتي ثمونْتْ. كانت لابِسةً مِعْطفاً أحْمر، فبَدَتْ لي وهي قُرْبَ الكلْبِ الأسْود مِثْل بطلة حِكاية "ليلى والذِّئْب" الشّهيرة التي كنتُ أقرأها مع "عنْزة السيّد سوغان"...ء
ء فاسْتدرْتُ وبدأْتُ أقْترِبُ من شجرة الزّيْتون لِأسْتمْتِع بهذه القصة الجميلة التي خلَبَتْ ألْباب كلّ الأطفال في زمنِنا. وعندما رآني الكلب أمْشي في اتِّجاهِه، قفزَ عليَّ مُنْتزِعاً الوتد المَغْروس في الأرض والحبْل الذي كان مرْبوطاً به، وهجم عليَّ بِوحْشِية. فحاولْتُ التّقهْقُر إلى الوراء فتعثَّرْتُ وسقطْتُ على ظَهْري وأنا أبكي وأصْرخُ من الذُّعْرِ والخوْف. فارْطمى على جسدي وعظّني بِأنْيابِهِ الحادّة في قدمي اليُمْنى. وجرتْ أمّي نحْوي وهي تصْرخُ خوْفاً عليّ. وهرْولتْ صاحبة الدّار تهُشُّ على الكلْب وتصْرخ على ابْنتِها لِترْبِطَه. ولكن فاتَ الأوان، لِأنَّ الكلْب كان قد عضَّني، وسالَتِ الدِّماء من الجُرْح الذي لا زالَ ظاهِراً إلى يومنا هذا. مَنْقوشاً على جسدي بِمرارة، كَوَشَمٍ مقيتْ، في ذاكِرةِ ذالِكَ الزّمَنِ المَلْعون..!ء
ء ضمَّتْني أمّي إليْها وأرادتْ أن تحْمِلني كما كانتْ تحملني على ظهرها دائماً في بني سيدال وتهْرُب بي من هُنا. ولكنّها لمْ تستطع بِسببِ ثِقْلي وعجْزِها لِتقدُّمِها في السَّنواتِ العِجاف. فشدّتْني من يدي وهرْولْتُ معها نحْوَ الباب وأنا أعْرَجُ وأصْرخُ من الألم، لِنُغادِرَ عتبة هذه الدّارالمَلْعونَة، مصْدر هذه الطّامّة الجديدة الكُبْرى التي لمْ نكنْ نتوقَّعُها..!ء
وء اِجْتمعَ الجيران حولنا يسْتطْلِعونَ ماذا حدث. وانْحنى رجلٌ يفْحصُ جُرْح قدمي ويمسحُ دمي ويقولُ مُخاطِباً صاحبة الدّار:ء
ء ـ أرْجو أنْ لا يكونَ كلْبكم مَسْعوراً لِأنّهُ بدَأَ ينبحُ كثيراً في الآوِنةِ الأخيرة..!ء
ء وزادَ هذا من قلقِ أمّي المِسْكينة التي لم تكُفّ عن البُكاء مُنْذُ عضّني الكلب الأسود المَسْعور. وانْظافَ هذا الحَدَث الأليم إلى رصيدِها من العذاب. فيا لهُ مِنْ يومٍ عجيبٍ وغريب..!ء
ء نطقَ جارٌ كان يتأمّلُ المَشْهد عن قُرْب:ء
ء ـ ضروري أنْ يذْهب إلى المُسْتشفى ويراهُ الطّبيب. الجُرْح بالِغ، ورُبّما كما قال ميمون أنَّ الكلب مَسْعور.ء
ء فحاولتْ أمّي حَمْلي على ظهْرِها من جديد. فقال لها الرجل ميمون:ء
ء ـ أنا مَنْ سيحْمِلُهُ سيِّدتي. أنتِ كبيرة وهو ثقيلٌ عليك.ء
ء ـ وأيْنَ ستحْمله؟ سألتْهُ أمّي.ء
ء ـ إلى الطّريق. وهناك ستجدينَ الطّاكسيات لِتَحْمِلكما إلى قِسْمِ المُسْتعْجلات.ء
ء حملني الرجل ميمون بيْنَ ذِراعيْهِ وأمّي تتْبعُنا وبعض الأشْخاص والأطفال الذينَ لا شُغْلَ لهم..!ء
ء على قارِعةِ الطريق، اِنْتظرْنا كثيراً. كنتُ أتألّم بِصمْت لِكيْلا تسْمعني أمّي وتتَألَّم بِدوْرِها.ء
ء بعْد نِصْف ساعة من الاِنتِظار، بدتْ لنا سيّارة خضْراء تقتربُ شيْئاً فشيْئا في ضبابِ ذاكَ الصّباح. فأشارتْ لها أمّي بالْوُقوف.ء
ء ـ أين تُريدينَ أنْ تذْهبي سيِّدتي؟ء
ء ـ من فضْلِك سيِّدي. إبْني مجْروح وينْزِفُ دما. عضّهُ كلْبٌ مَسْعور. هل يمكن أن تحملنا إلى المستشفى؟ء
ء وخرجَ من سيّارته لِيفْتح لنا الباب الخلْفي.ء
ء كانت معه امْرأة جميلة وعصْرِية مع شعرٍ مَصْبوغ ومَطْلوق وماكِياج. كانا يتحدّثانِ بالرّيفيّة في موْضوعٍ مُهِمّ حسَبَ ما تشي بهِ ملامِحهما. وحسَبَ ما الْتَقَطَتْهُ آذانُنا من شَذَراتِ الحِوار:ء
ء ـ إسْمعي حبيبتي عائشة، أنا تزوّجْتُكِ عن حُبّ وبِإخْلاص. ومُسْتعِدّ أن أُلبّي جميع طلباتِك وطلبات أوْلادك ولوْ الكمالِيَة مِنْها. ولكنّي غيْرُ مُسْتعِد أبداً أوْ أقْبَل أن أخْدُمَ على عائلتِكِ الفقيرة حياتي كُلّها..! أنا زوْجُكِ أنْتِ ولَسْتُ زوج عائلتِك ومُعيلُها. مُنْذُ عرفْتُكِ وأنْتِ لا تُفكِّرينَ سِوى في أمِّكِ وسبْع إخْوانِكِ اليتامى الفُقَراء. مَتى ستفْهمينَ أنّني زوْجكِ وأنَّ مالي يجبُ أنْ تحْتَفِظي بِهِ لِأوْلادي. وَكَّلْنا عليْكِ الله يا امْرَأة..!ء
ء عندما وصلْنا في مُناخٍ عصبي، أوْقفَ الرجل الثّائِر سيارته الخضْراء أمامَ باب المُستشفى، وفتح لنا الباب لِنخْرُج. فشكرتْهُ أمّي ودخلْنا إلى عُمْقِ المستشفى نبحثُ عن قِسْمِ المُسْتعْجلات.ء
ء جلسْنا على الكراسي ننتظِرُ قُدوم المُعالِج. بعد بِضْعةِ دقائق ظهر الطبيب بِبِذْلتِهِ البيضاء والسّمّاعة في عُنُقِه. فأسْرعَتْ أمّي ترْجوه:ء
ء ـ سيِّدي الطّبيب. إبْني عضّهُ كلْبٌ مَسْعور وينْزِفُ دماً.ء
ه ـ هَدِّئي من روْعِكِ سيِّدتي. لا تقْلقي. سأفْحصُه وسنرى.ء
ءء أجْلَسني الطبيب على سرير وبدأَ يفْحصُ رِجْلي. فقالت له أمّي:ء
ـ إنَّهُ إبْني الصّغير الحَنون! هَلْ ما بِهِ خطير دُكتور؟ هل سيُعالَج؟ء
ء ـ نعم سيّدتي، سيُعالَج. ولكن ليْسَ هُنا. بَلْ في "مستشفى الفارابي" بِوَجْدة. سأُعْطيكِ تَذْكِرة لِتَرْكبا في الحافِلة التي ستقِلُكم إلى وَجْدة مَجّاناً.ءء
ء وعندما انْتهى الطّبيب من تَضْميد الجُرْح الأليم، ربَتَ على رأسي بِحنان، وجلس إلى مكْتبِه يُدوِّن بعض المُلاحظات ويكتب إسْمي كامِلاً في تقْرير أوْ رِسالة إلى إدارة "مستشفى الفارابي" بِوَجْدة. ثُمَّ وضع الورقة في غِلافٍ أصْفر، وقام وسلَّمَ الرِّسالة لِأمّي قائلاً:ء
ء ـ في هذا الضّرْف تذْكِرتان لِلسَّفَر الذّهاب والإياب لَكِ ولِإبْنِكِ المريض، (رِكِزِسْيون). وفيه رِسالة إلى مدير المستشفى لِيُعالِجه في الجناح الخاصّ بِمَرْضى السّعر. هل فهِمْتِ سيّدتي؟ء
ء نظرتْ إليَّ المُهَنْدِسة نظْرة ذات مَغْزى لَمْ أفْهَمْ أبْعادَها آنَذاك. وكأنَّ فِكْرة وَمَضَتْ مُشِعّة في دِماغِها. فأجابتْ بِهُدوء:ء
ء ـ نعم سيِّدي، فَهِمْت. ولكن مُشْكِلتي أنَّ لي ابْناً يُكْبِرُه هو أيْضاً عضَّهُ فارٌ كبير البارِحة! هو أيضاً سيذْهبُ معنا إلى المُستشفى من فضْلِكَ سيِّدي الطّبيب..!ء
ء فما كان لِلطّبيب سِوى الإذْعان لِطلبِ أمّي وتلْبِيتِه. فأظافَ اِسْمَ أخي عبد الله إلى قائمة المرْضى البُؤساء..! ثمَّ سألها:ء
هلْ عندكم شهادة الضُّعْف؟ء
ء فتردَّدَتْ أمّي في الجواب. وبعد قليل قالت:ء
ء ـ إسْمَحْ لي سيِّدي الطبيب. لِأوَّلِ مرّة أسْمع عن "شهادة الضُّعْف" هذه. نحنُ ضُعفاء أصْلاً وبِلا شواهِد دكتور. وحالتنا تشْهد على ضُعْفِنا. أنا لا أمْلِكُ حتى ثمن الطّاكسي. سأحْمِلُ إبْني على ظهْري لِندْخُل إلى بيْتِنا. أعْرِفُ أنّني مريضة ولا أقْدِر على حمْلِ الأثْقال، والرّوماتيزم أنْهكَ رُكْبتاي. ولكنّهُ ابْني وفلذةُ كبِدي، وواجِبٌ عليَّ حمْلَهُ على ظهْري حتى أموت. شكرا سيّدي.ء
ء وهَمَّتْ أمّي بالخروج فقال لها الطبيب:ء
ء ـ إنْتظِري سيدتي، أتْبِعاني.ء
ء خرج الطبيب من غُرْفةِ عِيادتِه وقطَعَ بَهْواً طويلاً ونحن وراءَه. ونادى على أحد المُوَظَّفينَ وقال له:ء
ء ـ سِّي عَلي، قُلْ لِأحْمد أن يحْمِلَ هذا المريض وأمّه في سيارةِ الإسْعاف إلى دارِهِما. الولد لا يسْتطيع المَشْي.ء
ء نِمْتُ على جنْبي الأيْسر وبدأتُ أتأمّلُ ما تبقّى من أفرادِ عائلتي التي بدأ ينْقُصُ حجْمها وعدد أفْرادها بِسببِ الهِجْرة والموْت. وانْهالتْ على ذِهْني أسْئِلة وعلامات اِسْتِفْهام عن نوْع مَذاق الحياة، وكيفَ تسْتحِقُّ أنْ تُعاشَ بِلا عائلة كَ "ريمي"ي
Rémi - Sans famille
وما هي السّعادة بِلا جُذور..!ء
ء كسَّرتْ أُختي ثمونْتْ الصّمْت الثّقيل بِسُؤالها لَنا:ء
ء ـ تعطَّلْتُم كثيراً! هَلْ وجدْتُمْ داراً جديدة؟ء
ء لَمْ أُرِدْ أن أُجيب، رَغْمَ نظرات أُخْتايَ الثّابِتتانِ في وجْهي وعُيوني. فضْلاً عنْ أنّ جُرْحي يُؤْلِمُني. ولَمّا لَمْ تَتَلَقّى أيّ جواب مِنّا، أعادتْ ثمونْتْ سُؤالها بِصيغَةٍ أُخْرى:ء
ء ـ أمّي، جارتنا خالتي لْويزة دخلتْ عندنا وسألتْنا عَمّا إذا كُنْتِ وجدْتِ داراً جديدة لِلْكراءِ لنا؟ ء
ء فأجابَتْها أمّي بِشيْئٍ منَ العصبِيّة:ء
ء ـ لَمْ نجِدِ الدّار، ولكنّا وجدْنا تذكرة السّفر إلى وجْدة من أجْلِ الإسْتِشْفاء والعِلاج من السَّعَر. أخوكم عبد الرحمان عضّهُ كلْب في "إشوماي". وكذالكَ عبد الله عضَّهُ البارِحة فأرٌهُنا في مطْبخِنا. وغداً باكِراً سنُسافر نحْنُ الثّلاثة إلى وجْدة. يجبُ أن نكونَ في "مستشفى الفارابي" في الصّباح لِيبْدَآ العِلاج، وسأعود حالَما سيستقِرّان. لِأنّني لا يمكن أن أتْرُككُنَّ وحْدكُنّ. علِمْتُ أنَّ خالكم العرْبي سيَأْتي إليْنا من "بوحَوّا" لِيُقيمَ عندنا بعْض الأيّام قَصْدَ العِلاج من السُّلّ. لقد سبَقَ أن عادى أخاكُم عبد الرحمان بِمرضِه عندما كان يُقيمُ عندنا في بني سيدال. ولا أريدُ أن يُعْديكم من جديد. ولاسَيَّما أنّ الدار ضَيِّقة. وإذا جاء، سنترُك له هذه الغُرْفة لِيُمْضي فيها بعض الأيام. ء
ء وهُنا فقط، فهِمْتُ إصْرار أمّي على أنْ يذهب أخي عبد الله أيْضاً إلى المستشفى، وإلْحاحها على الطبيب لِيُظيفَهُ إلى لائِحة المرضى بِالسّعَر، ظالِمين الفأْر المِسْكين الذي لمْ يقْترِف أيَّ جِنايَة، ومُتّهِمينَ أيّاهُ بِجريمة العظّة وهو بريء..!ء
ء حينها احْتَجَّ أخي عبد الله مُسْتنْكِراً:ء
ء ـ ولكنّ الفأْر لَمْ يعُضّني أنا، وكيف سأُراجِعُ دروسي ومُقرّر التّدْريب في مُستشفى المَسْعورين!؟ء
ء قالَها وهو ينْظُرُ في قدمي ويسْتفِزُّني مُداعِباً.ء
ء فكّرْتُ في أمّي التي كانت تُقشِّرُ البصل والبطاطِس لِتُهيِّئَ لنا الغذاء. وبعد ذالِكَ بدأتْ تُصلّي وأنا أرْنو إلى حركاتها الأزلية. يا لَكَمْ تعذّبَتْ هذه المُجاهِدة التَّعِسة من أجْلِنا جميعاً مُنْذُ مات أبي: مِنْ مُصيبةٍ لِأُخْرى ومن طامّة لِطامّة، ومُسَلْسَلُ الكوارِثِ لا يُريدُ أنْ ينْتهي. والحياة تمُرُّ لا مُبالِيَة بِمَآسينا. الإنسان بِمُجَرَّد أنْ يدْخُل إلى الحياة، يبْدأُ الصِّراع الأزَلي بِصرْختِهِ الأولى. كالغارِق في غابةٍ كثيفة من الأدْغالِ والعُقَد والفوْضى الخَلاّقَة. وكُلّما فَكَّ هذه العُقْدة أوْ تِلْك، إلاّ وتتعقّد الأُخْرى وتتشابك أكْثر وتتراكمُ الفوْضى. والإنسان لا يعْرِفُ الرّاحة أبداً حتى يموت..! ولِهذا عندما كبٍرْتُ وعرفْتُ قيمة الحياة وجوْهرها، وأنّها مُجرَّد أحْزانٌ وكوابيس وقُيود... فَكَّرْتُ في الفناء كحلّ لِكُلِّ هذه الأكْوام والأهْرام من المُعاناة، والتّخلُّص من عبثِ هذا الوُجود..!ء
ء ـ إن شاء الله خالتي مامّة ستكونينَ بِخير. أنْتِ تتعذّبينَ كثيراً من أجْلِ تربيةِ أوْلادِك الرّائعة، وسينجحونَ جميعاً بِحوْلِ الله. مَبْروك لِلمعلِّم سّي عبد الله. إذْهبي إلى حيّ "تِرقّاع" أوْ "إشومايْ" حيْثُ الكراء رخيص.ء
ء ـ سأفْعلُ اليوم. شكراً لكِ اِبْنتي لْويزة. مع السّلامة.ء
ء بعْدَ الفُطور مُباشرةً، لبِستْ أمّي إزارها الأبيض النّاصِع، ولبِسْتُ أحْذيتي وخرجْنا لِلذّهابِ إلى "إشوماي" لِلْبحْثِ عنِ الكِراء، تارِكينَ أخي عبد الله يُطالعُ مُقَرَّره، وأخْتايَ الصّغيرتان تطْرُزانِ غِطاء المائدة لِلْجارة...ء
ء مَررْنا منَ القيسارية ومحطّة الحافلات الشّعْبية، ثمَّ عرجْنا على حيّ "لَعْري الشّيخ". إلى أنْ وصلْنا إلى "إشوماي" قُرْبَ المستشفى الحسني.ء
ء كُنّا نتمشّى ونسْألُ الناس عن دِيارٍ لِلْكِراء. إلى أن وصلْنا إلى بُسْتانٍ واسِع فيهِ بعض ألأشْجار المُثْمِرة، وشجرة زيْتونٍ وسطَ البُسْتان كان كلْبٌ أسْود مَرْبوطٌ تحت ظِلالِها. وخرجتْ اِمْرأة تسْألُنا ماذا نُريد؟ ففسّرتْ لها أمّي أنّنا نبْحثُ عن دارٍ أو شُقَّةٍ لِلْكِراء، وأنَّ أحد الجيران دلَّنا على دارها.ء
ء ـ عندنا بيْتٌ فارِغ على اليمين. تعاليْ لِترَيْه.ء
ء وتقدّمتِ المرأة لِتحُلَّ باب البيْت ونحن خلْفها. فقالت لها أمّي:ء
ء ـ نحن نبحث عن دار أو شُقّة لا بَيْت. نحن عائلة. وهذا البيت لن يكْفينا أنا وأربعة أولاد. هل عندكم دار لِلكِراء؟ء
ء تركْتُهُما يتحدّثان، وانْقادتْ رِجْلايَ لاشُعورِياً لِحنينِي إلى أجْواءِ الحياة مع أبينا رحمه الله. وبدأتُ أتأمَّلُ الطّبيعة وأمْشي في الحديقة العريضة في هذه الدّار في "رَعْري نَشّيخ". كانت تُذكِّرُني بِدارنا الواسِعة التي هاجرْناها في بني سيدال، وهاجرْنا معها كلّ ذِكْريات طُفولتنا الحُلْوة بِسراديبِها العزيزة والعجيبة..! نفس الصُّبّار الشّوْكي، ونفس أشجارالتّينِ والزّيتون... ونفس رائحة التُّرْبَة وسماد المَزْبلة، ونفْس الصُّخور..! سالتْ دمْعتان على خدّي بِدونِ شُعور. وارْتعشَ حنيني إلى دارِنا وإلى أبي الحنون الذي كنتُ أنامُ في حِضْنِه، والذي تبخّرَ بعد وُجودٍ قصير، لَمْ نشْبَعْ خِلالها حتى كلمةِ "أبي" بِسببِ تِرْحالِهِ المُعْتاد..!ء
ء اِسْتيْقظْتُ من تيهاني في أعماقِ طُفولتي على نُباحِ الكلْبِ الفَرِح بِوَجْبةِ غذائه التي أتَتْهُ بِها فتاة في عُمْرِ أُخْتي ثمونْتْ. كانت لابِسةً مِعْطفاً أحْمر، فبَدَتْ لي وهي قُرْبَ الكلْبِ الأسْود مِثْل بطلة حِكاية "ليلى والذِّئْب" الشّهيرة التي كنتُ أقرأها مع "عنْزة السيّد سوغان"...ء
ء فاسْتدرْتُ وبدأْتُ أقْترِبُ من شجرة الزّيْتون لِأسْتمْتِع بهذه القصة الجميلة التي خلَبَتْ ألْباب كلّ الأطفال في زمنِنا. وعندما رآني الكلب أمْشي في اتِّجاهِه، قفزَ عليَّ مُنْتزِعاً الوتد المَغْروس في الأرض والحبْل الذي كان مرْبوطاً به، وهجم عليَّ بِوحْشِية. فحاولْتُ التّقهْقُر إلى الوراء فتعثَّرْتُ وسقطْتُ على ظَهْري وأنا أبكي وأصْرخُ من الذُّعْرِ والخوْف. فارْطمى على جسدي وعظّني بِأنْيابِهِ الحادّة في قدمي اليُمْنى. وجرتْ أمّي نحْوي وهي تصْرخُ خوْفاً عليّ. وهرْولتْ صاحبة الدّار تهُشُّ على الكلْب وتصْرخ على ابْنتِها لِترْبِطَه. ولكن فاتَ الأوان، لِأنَّ الكلْب كان قد عضَّني، وسالَتِ الدِّماء من الجُرْح الذي لا زالَ ظاهِراً إلى يومنا هذا. مَنْقوشاً على جسدي بِمرارة، كَوَشَمٍ مقيتْ، في ذاكِرةِ ذالِكَ الزّمَنِ المَلْعون..!ء
ء ضمَّتْني أمّي إليْها وأرادتْ أن تحْمِلني كما كانتْ تحملني على ظهرها دائماً في بني سيدال وتهْرُب بي من هُنا. ولكنّها لمْ تستطع بِسببِ ثِقْلي وعجْزِها لِتقدُّمِها في السَّنواتِ العِجاف. فشدّتْني من يدي وهرْولْتُ معها نحْوَ الباب وأنا أعْرَجُ وأصْرخُ من الألم، لِنُغادِرَ عتبة هذه الدّارالمَلْعونَة، مصْدر هذه الطّامّة الجديدة الكُبْرى التي لمْ نكنْ نتوقَّعُها..!ء
وء اِجْتمعَ الجيران حولنا يسْتطْلِعونَ ماذا حدث. وانْحنى رجلٌ يفْحصُ جُرْح قدمي ويمسحُ دمي ويقولُ مُخاطِباً صاحبة الدّار:ء
ء ـ أرْجو أنْ لا يكونَ كلْبكم مَسْعوراً لِأنّهُ بدَأَ ينبحُ كثيراً في الآوِنةِ الأخيرة..!ء
ء وزادَ هذا من قلقِ أمّي المِسْكينة التي لم تكُفّ عن البُكاء مُنْذُ عضّني الكلب الأسود المَسْعور. وانْظافَ هذا الحَدَث الأليم إلى رصيدِها من العذاب. فيا لهُ مِنْ يومٍ عجيبٍ وغريب..!ء
ء نطقَ جارٌ كان يتأمّلُ المَشْهد عن قُرْب:ء
ء ـ ضروري أنْ يذْهب إلى المُسْتشفى ويراهُ الطّبيب. الجُرْح بالِغ، ورُبّما كما قال ميمون أنَّ الكلب مَسْعور.ء
ء فحاولتْ أمّي حَمْلي على ظهْرِها من جديد. فقال لها الرجل ميمون:ء
ء ـ أنا مَنْ سيحْمِلُهُ سيِّدتي. أنتِ كبيرة وهو ثقيلٌ عليك.ء
ء ـ وأيْنَ ستحْمله؟ سألتْهُ أمّي.ء
ء ـ إلى الطّريق. وهناك ستجدينَ الطّاكسيات لِتَحْمِلكما إلى قِسْمِ المُسْتعْجلات.ء
ء حملني الرجل ميمون بيْنَ ذِراعيْهِ وأمّي تتْبعُنا وبعض الأشْخاص والأطفال الذينَ لا شُغْلَ لهم..!ء
ء على قارِعةِ الطريق، اِنْتظرْنا كثيراً. كنتُ أتألّم بِصمْت لِكيْلا تسْمعني أمّي وتتَألَّم بِدوْرِها.ء
ء بعْد نِصْف ساعة من الاِنتِظار، بدتْ لنا سيّارة خضْراء تقتربُ شيْئاً فشيْئا في ضبابِ ذاكَ الصّباح. فأشارتْ لها أمّي بالْوُقوف.ء
ء ـ أين تُريدينَ أنْ تذْهبي سيِّدتي؟ء
ء ـ من فضْلِك سيِّدي. إبْني مجْروح وينْزِفُ دما. عضّهُ كلْبٌ مَسْعور. هل يمكن أن تحملنا إلى المستشفى؟ء
ء وخرجَ من سيّارته لِيفْتح لنا الباب الخلْفي.ء
ء كانت معه امْرأة جميلة وعصْرِية مع شعرٍ مَصْبوغ ومَطْلوق وماكِياج. كانا يتحدّثانِ بالرّيفيّة في موْضوعٍ مُهِمّ حسَبَ ما تشي بهِ ملامِحهما. وحسَبَ ما الْتَقَطَتْهُ آذانُنا من شَذَراتِ الحِوار:ء
ء ـ إسْمعي حبيبتي عائشة، أنا تزوّجْتُكِ عن حُبّ وبِإخْلاص. ومُسْتعِدّ أن أُلبّي جميع طلباتِك وطلبات أوْلادك ولوْ الكمالِيَة مِنْها. ولكنّي غيْرُ مُسْتعِد أبداً أوْ أقْبَل أن أخْدُمَ على عائلتِكِ الفقيرة حياتي كُلّها..! أنا زوْجُكِ أنْتِ ولَسْتُ زوج عائلتِك ومُعيلُها. مُنْذُ عرفْتُكِ وأنْتِ لا تُفكِّرينَ سِوى في أمِّكِ وسبْع إخْوانِكِ اليتامى الفُقَراء. مَتى ستفْهمينَ أنّني زوْجكِ وأنَّ مالي يجبُ أنْ تحْتَفِظي بِهِ لِأوْلادي. وَكَّلْنا عليْكِ الله يا امْرَأة..!ء
ء عندما وصلْنا في مُناخٍ عصبي، أوْقفَ الرجل الثّائِر سيارته الخضْراء أمامَ باب المُستشفى، وفتح لنا الباب لِنخْرُج. فشكرتْهُ أمّي ودخلْنا إلى عُمْقِ المستشفى نبحثُ عن قِسْمِ المُسْتعْجلات.ء
ء جلسْنا على الكراسي ننتظِرُ قُدوم المُعالِج. بعد بِضْعةِ دقائق ظهر الطبيب بِبِذْلتِهِ البيضاء والسّمّاعة في عُنُقِه. فأسْرعَتْ أمّي ترْجوه:ء
ء ـ سيِّدي الطّبيب. إبْني عضّهُ كلْبٌ مَسْعور وينْزِفُ دماً.ء
ه ـ هَدِّئي من روْعِكِ سيِّدتي. لا تقْلقي. سأفْحصُه وسنرى.ء
ءء أجْلَسني الطبيب على سرير وبدأَ يفْحصُ رِجْلي. فقالت له أمّي:ء
ـ إنَّهُ إبْني الصّغير الحَنون! هَلْ ما بِهِ خطير دُكتور؟ هل سيُعالَج؟ء
ء ـ نعم سيّدتي، سيُعالَج. ولكن ليْسَ هُنا. بَلْ في "مستشفى الفارابي" بِوَجْدة. سأُعْطيكِ تَذْكِرة لِتَرْكبا في الحافِلة التي ستقِلُكم إلى وَجْدة مَجّاناً.ءء
ء وعندما انْتهى الطّبيب من تَضْميد الجُرْح الأليم، ربَتَ على رأسي بِحنان، وجلس إلى مكْتبِه يُدوِّن بعض المُلاحظات ويكتب إسْمي كامِلاً في تقْرير أوْ رِسالة إلى إدارة "مستشفى الفارابي" بِوَجْدة. ثُمَّ وضع الورقة في غِلافٍ أصْفر، وقام وسلَّمَ الرِّسالة لِأمّي قائلاً:ء
ء ـ في هذا الضّرْف تذْكِرتان لِلسَّفَر الذّهاب والإياب لَكِ ولِإبْنِكِ المريض، (رِكِزِسْيون). وفيه رِسالة إلى مدير المستشفى لِيُعالِجه في الجناح الخاصّ بِمَرْضى السّعر. هل فهِمْتِ سيّدتي؟ء
ء نظرتْ إليَّ المُهَنْدِسة نظْرة ذات مَغْزى لَمْ أفْهَمْ أبْعادَها آنَذاك. وكأنَّ فِكْرة وَمَضَتْ مُشِعّة في دِماغِها. فأجابتْ بِهُدوء:ء
ء ـ نعم سيِّدي، فَهِمْت. ولكن مُشْكِلتي أنَّ لي ابْناً يُكْبِرُه هو أيْضاً عضَّهُ فارٌ كبير البارِحة! هو أيضاً سيذْهبُ معنا إلى المُستشفى من فضْلِكَ سيِّدي الطّبيب..!ء
ء فما كان لِلطّبيب سِوى الإذْعان لِطلبِ أمّي وتلْبِيتِه. فأظافَ اِسْمَ أخي عبد الله إلى قائمة المرْضى البُؤساء..! ثمَّ سألها:ء
هلْ عندكم شهادة الضُّعْف؟ء
ء فتردَّدَتْ أمّي في الجواب. وبعد قليل قالت:ء
ء ـ إسْمَحْ لي سيِّدي الطبيب. لِأوَّلِ مرّة أسْمع عن "شهادة الضُّعْف" هذه. نحنُ ضُعفاء أصْلاً وبِلا شواهِد دكتور. وحالتنا تشْهد على ضُعْفِنا. أنا لا أمْلِكُ حتى ثمن الطّاكسي. سأحْمِلُ إبْني على ظهْري لِندْخُل إلى بيْتِنا. أعْرِفُ أنّني مريضة ولا أقْدِر على حمْلِ الأثْقال، والرّوماتيزم أنْهكَ رُكْبتاي. ولكنّهُ ابْني وفلذةُ كبِدي، وواجِبٌ عليَّ حمْلَهُ على ظهْري حتى أموت. شكرا سيّدي.ء
ء وهَمَّتْ أمّي بالخروج فقال لها الطبيب:ء
ء ـ إنْتظِري سيدتي، أتْبِعاني.ء
ء خرج الطبيب من غُرْفةِ عِيادتِه وقطَعَ بَهْواً طويلاً ونحن وراءَه. ونادى على أحد المُوَظَّفينَ وقال له:ء
ء ـ سِّي عَلي، قُلْ لِأحْمد أن يحْمِلَ هذا المريض وأمّه في سيارةِ الإسْعاف إلى دارِهِما. الولد لا يسْتطيع المَشْي.ء
ء عِنْدَما اقْتربَ سائق سيارة الإسْعافِ من دارنا بِشارع المغرب العربي، رجوْتُه أن لا يستعمل المُنبِّه لِكَيْلا يُخيفَ إخْوتتي الصّغيرتان، ولِكَيْلا يرى الجيران حصادَنا هذا اليوْم من المصائِب والطّامّات الكُبْرى التي كانتْ مَكْتوبَنا وقدَرنا..! كُنْتُ أُحِسُّ بالنّقْص والإحْراج أن يعرف كل الناس أنَّ السّماء إخْتارتْ عائلتنا كقِرْبانٍ وهدف لِتُمْطِرَنا بِكلِّ هذه الوَيْلات، وتُصيبنا بِكُلِّ هذا السّعَر السّادي، وتصُبَّ عليْنا جامَ غضبِها وبراكين حِمَمِ سادِيتِها وعداءها لنا. بعْدَ أن أوْدَتْ بِحياةِ أبينا رحمه الله، وتركتْنا يتامى ومُهاجِرين تائِهين على وُجوهِنا..!ء
ء دخلْنا إلى دارنا ونحْنُ مُرْهَقانِ واجِمان. وحاوَلْتُ أنْ أبْدو عادِياً ولا أعْرجُ بِرِجْلي المجْروحة لِكَيْلا أثير اِنْتِباه إخْوتي. وضعتْ أمّي ظرْف رِسالة المستشفى على المكتب الخشبي، وفرّشَتْ لي بِسرْعة هيْدورة وغِطاء ووسادة لِأسْتلْقي. كانت أختايَ الصّغيرتان قد هيّأتا في الصباح برّاد الشاي والخبز والزّبدة، ووضعتا الكلّ بِعِناية على المائدة مع غُرّاف الماء الصّالِح لِلشُّرْب. وأخي عبد الله جالِسٌ في نفْسِ المكان يتصفّح كُتبه ومُذكِّراته اِسْتِعْداداً لِلتّدْريب في مدينة طنجة لِلْإنْخِراطِ في سِلْكِ التّعْليم كمُعلِّم في قبيلة "إلَحْياناً" حيْثُ تسْكن أُخْتي الكُبْرى تْلايَتْماسْ التي كانت تتجاوز سِنّ أمّي رحمها الله. لِأنَّ أمّي تزوَّجتْ صغيرة..!ءء نِمْتُ على جنْبي الأيْسر وبدأتُ أتأمّلُ ما تبقّى من أفرادِ عائلتي التي بدأ ينْقُصُ حجْمها وعدد أفْرادها بِسببِ الهِجْرة والموْت. وانْهالتْ على ذِهْني أسْئِلة وعلامات اِسْتِفْهام عن نوْع مَذاق الحياة، وكيفَ تسْتحِقُّ أنْ تُعاشَ بِلا عائلة كَ "ريمي"ي
Rémi - Sans famille
وما هي السّعادة بِلا جُذور..!ء
ء كسَّرتْ أُختي ثمونْتْ الصّمْت الثّقيل بِسُؤالها لَنا:ء
ء ـ تعطَّلْتُم كثيراً! هَلْ وجدْتُمْ داراً جديدة؟ء
ء لَمْ أُرِدْ أن أُجيب، رَغْمَ نظرات أُخْتايَ الثّابِتتانِ في وجْهي وعُيوني. فضْلاً عنْ أنّ جُرْحي يُؤْلِمُني. ولَمّا لَمْ تَتَلَقّى أيّ جواب مِنّا، أعادتْ ثمونْتْ سُؤالها بِصيغَةٍ أُخْرى:ء
ء ـ أمّي، جارتنا خالتي لْويزة دخلتْ عندنا وسألتْنا عَمّا إذا كُنْتِ وجدْتِ داراً جديدة لِلْكراءِ لنا؟ ء
ء فأجابَتْها أمّي بِشيْئٍ منَ العصبِيّة:ء
ء ـ لَمْ نجِدِ الدّار، ولكنّا وجدْنا تذكرة السّفر إلى وجْدة من أجْلِ الإسْتِشْفاء والعِلاج من السَّعَر. أخوكم عبد الرحمان عضّهُ كلْب في "إشوماي". وكذالكَ عبد الله عضَّهُ البارِحة فأرٌهُنا في مطْبخِنا. وغداً باكِراً سنُسافر نحْنُ الثّلاثة إلى وجْدة. يجبُ أن نكونَ في "مستشفى الفارابي" في الصّباح لِيبْدَآ العِلاج، وسأعود حالَما سيستقِرّان. لِأنّني لا يمكن أن أتْرُككُنَّ وحْدكُنّ. علِمْتُ أنَّ خالكم العرْبي سيَأْتي إليْنا من "بوحَوّا" لِيُقيمَ عندنا بعْض الأيّام قَصْدَ العِلاج من السُّلّ. لقد سبَقَ أن عادى أخاكُم عبد الرحمان بِمرضِه عندما كان يُقيمُ عندنا في بني سيدال. ولا أريدُ أن يُعْديكم من جديد. ولاسَيَّما أنّ الدار ضَيِّقة. وإذا جاء، سنترُك له هذه الغُرْفة لِيُمْضي فيها بعض الأيام. ء
ء وهُنا فقط، فهِمْتُ إصْرار أمّي على أنْ يذهب أخي عبد الله أيْضاً إلى المستشفى، وإلْحاحها على الطبيب لِيُظيفَهُ إلى لائِحة المرضى بِالسّعَر، ظالِمين الفأْر المِسْكين الذي لمْ يقْترِف أيَّ جِنايَة، ومُتّهِمينَ أيّاهُ بِجريمة العظّة وهو بريء..!ء
خالي العربي رحمه الله
ء حينها احْتَجَّ أخي عبد الله مُسْتنْكِراً:ء
ء ـ ولكنّ الفأْر لَمْ يعُضّني أنا، وكيف سأُراجِعُ دروسي ومُقرّر التّدْريب في مُستشفى المَسْعورين!؟ء
ء قالَها وهو ينْظُرُ في قدمي ويسْتفِزُّني مُداعِباً.ء
ء فكّرْتُ في أمّي التي كانت تُقشِّرُ البصل والبطاطِس لِتُهيِّئَ لنا الغذاء. وبعد ذالِكَ بدأتْ تُصلّي وأنا أرْنو إلى حركاتها الأزلية. يا لَكَمْ تعذّبَتْ هذه المُجاهِدة التَّعِسة من أجْلِنا جميعاً مُنْذُ مات أبي: مِنْ مُصيبةٍ لِأُخْرى ومن طامّة لِطامّة، ومُسَلْسَلُ الكوارِثِ لا يُريدُ أنْ ينْتهي. والحياة تمُرُّ لا مُبالِيَة بِمَآسينا. الإنسان بِمُجَرَّد أنْ يدْخُل إلى الحياة، يبْدأُ الصِّراع الأزَلي بِصرْختِهِ الأولى. كالغارِق في غابةٍ كثيفة من الأدْغالِ والعُقَد والفوْضى الخَلاّقَة. وكُلّما فَكَّ هذه العُقْدة أوْ تِلْك، إلاّ وتتعقّد الأُخْرى وتتشابك أكْثر وتتراكمُ الفوْضى. والإنسان لا يعْرِفُ الرّاحة أبداً حتى يموت..! ولِهذا عندما كبٍرْتُ وعرفْتُ قيمة الحياة وجوْهرها، وأنّها مُجرَّد أحْزانٌ وكوابيس وقُيود... فَكَّرْتُ في الفناء كحلّ لِكُلِّ هذه الأكْوام والأهْرام من المُعاناة، والتّخلُّص من عبثِ هذا الوُجود..!ء
يتبع







Commentaires
Enregistrer un commentaire