الفقرة 21


الفقرة 21

في مستشفى الفارابي

يوميات فنان مهاجر
بحثاً عنِ الزمن الضّائع


في مستشفى الفارابي

***  ***  ***

ف    في صباحِ اليوم التّالي، اِسْتيْقظتْ أمّي باكِراً. فصلَّتْ ثمّ هيّأتِ الغذاءَ لِأخْتايَ الصغيرتان، وهيّأتْ لنا جميعاً فُطورنا، ونبَّهَتْنا أنا وأخي عبد الله أنْ نلْبسَ ثِيابنا ونسْتعِدّ لِلذّهابِ إلى وجدة بعدَ تناولنا وجْبة الصّباح. ونصحتْنا بِأخْذِ كُتبنا ومُقرراتنا لِمُراجعتِها في المُسْتشْفى لِكيْلا نُضيِّعَ وقْتنا. ونصحتْ أُخْتايَ بعدمِ الخُروج وإنْهاءِ طرْز غِطاء الطاولة لِلْجارة، وأنّ غذائَهما مُهَيّأٌ في المطْبخ.ء
ء    عندما خرجْنا، دقَّتْ أمّي على جارتنا لْويزة لِتتفقّد أخْتايَ الصغيرتان خِلالَ غِيابِها المُؤَقّت، وأنّها ستعودُ في المساء. ثُمّ أوْصتْ جارنا صاحب الدار خيْراً بِإخْوتتي. وتابعْنا طريقنا تاركينَهُما تبْكيان.ء
ء    كانتْ محطّة الحافِلات قريبة من دارِنا. يكْفي أنْ تقْطع بِضْع خطوات، وتمُرّ أمامْ عِمارة الحاجّ عْمَرْ بوطيّب خال أمّي، وتجْتاز عِمارة الحاج مُقدَّم، حتى تجد نفْسك وسطها. كانتِ الحركة هادِئة في المحطّة. وسألتْ أمّي عنِ الحافلة المُتّجِهة إلى وجْدة. ولمّا وجدْناها، أعْطتْ أمّي تذاكِر سفرنا لِلسّائق الذي اخْتارَ لنا مكاناً مُريحاً نظراً لِوَضْعِيتِنا كمَرْضى...ء
ء    جلسْتُ قُرْبَ النّافِذة لِأسْتمْتِع بِرُؤْيةِ المدينة والناس. وجلستْ أمّي بِجانِبي وأخي عبد الله بِقُرْبِها على اليمين.ء
كُ    ألْقيْتُ نظْرةً في الأُفُقِ أمامي جِهة مدرستي ثانوية الكندي، التي كُنّا نراها من المحطّة، بسببِ اِنْعِدام المباني ورُكود حركة البِناء وقِلّة السُّكّان والمُضاربات العقارية. كانت الأعشاب المتوحِّشة والأشجار المختلفة والصّبّار والتّين الشّوْكي هي ما يُسيِّجُها ويمْلَؤُ مُحيطها من ثلاث جِهات، ما عدا ناحية البحر والكورْنيش.ء
ء    عندما وصلنا إلى محطة وجدة، نزلْنا وسألْنا عن مستشفى الفارابي. ومشيْنا لِمُدّةِ نِصْف ساعة ونحن نبحث إلى أنّ وصلْنا، فطرقتْ أمّي الباب الحديدية ودخلْنا.ء




 ء    سألَنا الحارس عنْ مُبْتغانا. ففسّرتْ له أمّي أنَّنا أُرْسِلْنا من طرفِ طبيب المستشفى الحسني بِالناظور لِلْمُعالجة. وأعْطتْهُ الرِّسالة الطّبّية. فقادنا إلى الإدارة.ء
ء    كان هناك طبيب لابِسٌ بِذْلته البيضاء ومعه سيِّدةٌ جميلة الوجه مُبْتسِمة وغليظة الجُثَّة. أعْطاهُ الحارس الظّرْف الذي يحْتوي على تقْريرِ الطّبيب وانْصرَف. وعندما انْتهى من قِراءتِه، اِسْتدار بِوجْهِه إلى السّيِّدة بِجانِبِه يقولُ لها:ء
ء    ـ أمّي خيرة، هؤلاءِ المرْضى لك. الولدان عبد الله، وعبد الرحمان. وهذه أمُّهما المُرافِقة. وقال لنا وهو يُشير إلى السّيِّدة بِجانِبه:ء
ء    ـ أمّي خيرة هي المسْؤولة على مرْضى السّعَر في هذا المستشفي. إذْهبا معها لِتبْدَآ العِلاج اليوم.ء
ء    فقامتْ أمّي خيرة وسلّمَتْ علينا وعلى أمّي، وأمرتْنا أنْ نتْبَعَها إلى جناحها الخاصّ وهي تُفسِّر لنا أنّنا سنمْكُثُ في المستشفى 21 يوْماَ، أي ثلاث أسابيع نتلقّى خِلالها صباح كل يوم حُقْنة في البطْن. وبعد ذالك سنخرج من المستشفى مُعافين.ء
ء    فتحتْ أمّي خيرة إحْدى الأبْواب، ودخلْنا إلى ساحةٍ مُزَفّتة ونظيفة. كانت فيها طاوِلتان وكراسي تحت شجرة التّين الوارِفة الظِّلال. وبعض الأشْخاص جالِسون. دَعَتْنا الرّئيسة أمّي خيرة لِلجُلوس. وجلستْ أمّي هي الأولى لِأنَّ السّفر أنْهكها. وقدّمتْ لنا أولئِكَ الأشْخاص على أنّهم مَرْضاها، وأنّنا هنا في جناحِها الخاصّ بِمرْضى السَّعَر الذينَ كانوا قليلين.ء

ء    لَمْ يكن أحدٌ فينا يمْلِكُ ساعة اليد لِنعْرِفَ أيّ وقْتٍ كان ذاكَ الصّباح..! إلى أنْ رجعتْ أمّي خيرة من مكْتبِها وقالتْ لِلْجميع:ء
ء    ـ الساعةُ الآن التّاسعة والنِّصف. هيّا يا أوْلاد. سنذهب الآن إلى مُسْتوْصِف الحُقَن.ء
ء    ثمّ قالتْ لِأمّي:ء
ء    ـ لالّة مامَّة، سأُرافِقُ أبْناءك مع المرْضى الآخرين من أجْلِ حُقْنة اليوم. أنْتِ كبيرة على هذا العَناء. أيْنَ أبوهم؟ء
ء    ـ أبوهم مات مُنْذُ سِنين. أنا الوحيدة مَنْ تُصارِعُ الأقْدارَ مِنْ أجْلِهِم. أملي الوحيد، أنْ ينْجحوا في حياتِهم ألَلاّ خيرة.ء
ء    ـ بعد اليوم، سيبقى لهم 20 يوْماً فقط هُنا، وبعدها يجبُ أنْ تعودي لِتُرافِقيهم لِيدْخلوا إلى دارِهِم.ء
ء    فتدخَّلْتُ في مُناقشتِهما، وقُلتُ لِأمّي خيرة:ء
ء    عِنْدنا أخْتانِ صغيرتان، بقِيَتا الآنَ وحْدهُما. وأمّي مريضة بالرّوماتيزم وعجوزة. لا يُمْكن أن تتعذّب ثانية وتعود إلى وجدة. عندما تنتهي مُدّة اِسْتِشْفائِنا، سنعودُ وحْدَنا أنا وأخي إلى دارِنا.ء
ء    ـ كما تشاؤون. أنْتِ للاّ مامّة، إذا أردْتِ أنْ تبْقيْ وتتغذّيْنَ معنا في المستشفى فمرْحباً بِك. وإذا كُنْتِ ستذْهبينَ الآن، فهيّا معنا، لِأنّنا نَمُرُّ على محطّة الحافِلات.ء
ء    فشكرتْها أمّي وقالت لها أنّها ستذْهبُ الآن لِأنّ بناتها الوحيدات ينْتظِرانِها.ا
ء    خرجنا جميعاً لِنذْهبَ إلى مُسْتوْصف العِلاج. كُنّا سبْعَ رِجال مِنْهم شباب ومُراهِقينَ في مِثْلِ سِنّي أنا وأخي. والرّئيسة البدينة واللّطيفة في المُقدِّمة تتْبعها أمّي دونَ أن تَنْبَس بِبِنْتِ شفة. كانت أمّي غارِقة في بِحارِها، فضْلاً عن أنّها لا تعْرِفُ كلمة واحِدة بالعربية. ولمّا وصلْنا إلى محطّةِ الحافِلات، نَبّهتْ الشّافَة أمي أنّها في المحطّة. وعانقتْنا أمي مُودِّعة وهي تشكر الشّافة. فدخلتْ إلى المحطّة وأنا أتْبعُها بِعُيوني الدّامِعة..!ء


ء    مَرّتْ عشْرةُ أيّامٍ على تواجُدِنا في مستشفى الفارابي بِوجْدة أنا وأخي عبد الله بِسببِ السَّعَرِ المَوْهوم والمقْصود، لِغايةٍ نبيلة في نفْسِ المُهنْدِسة الحنونة، أمّي رحمها الله. نُحْقَنُ صباحَ كلّ يوْم في بُطونِنا، وهو شيْئٌ أليم، ونلْعبُ الكارْطة" مع رئيسة جناح مرْضى السَّعَر، الشّافة أمّي خيرة كل مساء، في أجْواءِ شهر أبريل السّاخِنة... لكنها لم تمُر فارِغة وبِدونِ جدْوى. فهذه ليستْ من عاداتي أبداً، أنْ أهْدِرَ وقْتي عبثا. لِأنّي أنْهيْتُ قِراءة ثلاث مْؤَلّفات المَنْفلوطي: النّظرات، والعَبرات، ولاسَيَّما رائعتي المُفَضَّلَة "ماجْدولين" التي كنتُ أَلْتهِمُ فقراتها بِعشْقٍ ولَذّة. وأقرأ رسائلها الشّيّقة مع "سْتيفن"، في باديتهما تحْتَ ظِلالِ الزّيْزفون، بعيداً عن المدينة وصخبها، وضوضاء النّفاق في مُجتمعاتِهِما ومُجتمعي. كما كنتُ أفْعلُ خِلالَ "حياتي في باسو"، وكأنّني أُعيدُ كِتابة "تحتَ أشجار الزَّيْزفون أو الصّفْصاف"! وأنا أهيمُ على وجْهي في بار الهواء الطّلْق مُبْتهِجاً، وسط الصُّبّار الشّوْكي والأعْشاب المُتوحِّشة، مُحاطٌ بِقُطْعانِ الكِلاب الضّالّة والقِطط التّائِهة. وأتساءل:ء
ء  لماذا لا يكونُ باسو هو الجنة. وتتحوَّل قذارته إلى حدائق غَنَّاء، 
وبَساطة وعْيِ أهْلِه إلى عمْقٍ في الحكمة والأفكار..!ء
ويُصْبِحُ  بار الهواء الطَّلْقِ المُحَرَّمُ والمَلْعون..!ء
الذي تتجسَّس عليهِ النُّفوس المريضة، وتُراقِبُهُ العُيون..!ء
مُلْتقى لِلْعُشَّاقْ تحت أشْجارِ الصُّفْصافِ والصُّبّار...
حيْثٌ كُنْتُ أَقْضي ساعات وسط حِجارَتِهِ الصّمّاء وَأشْواك نباته الحادّة، وَكَأَنَّني في الْفِرْدَوْسِ، مُحْتَكِراً كل سعادة الدُّنيا لِوَحْدي أنا... أَجُوبُ بَراريه وفيافيه الكئيبة، مُحاطٌ بِالْكِلاَبِ وَالسُّكَارَى، وزُمْرة مِنَ الْمُتَسَكِّعِينَ والْمُتسَوِّلينْ والظّالِّين، وبعض الجُنود التّائِهين..!ء
وأَنا أُناجيها وَأَسْمَع كُلّ ما يجولُ في بيْتِها وقلْبِها لِساعاتٍ وساعات،ء
وَهِيَ في مَزْرَعَةِ أبِيها في مدينةِ تِطْوَانْ.
وأنا معها دَوْماً على الهواء وَلْهانْ..!ء
ء    كما بدأتُ جِدِّياً في دِراسة حياة جبران خليل جبران، وجُلِّ مُؤلّفاته بِالتّفْصيل لِسُهولتِها وسلاسة أسْلوبِها، ولاسيّما كتاب "النبيّ" الذي نشره سنة 1923. وجعله الكِتاب الأكثر مبيعًا بعد شِكسْبير ولازوي...ء
 و    بدأتُ أهْتمُّ بِفنِّه وأتتبّع معارضه ونشاطه الفني ونوْعية المدرسة التي يتبعها، وما هو تِيارهُ التّشكيلي وتِقْنياته في العملية التّشْكيلية والخامات التي يسْتعْمِلُها... وهل معهدهم الفنّي في نيويورك كان يُدرِّسُ لهم "تاريخ الفنّ" و"إنسِجام الألوان" و"تِقْنِيات الصِّباغة"... وهل كان طلبة الفنّ التّشْكيلي النّيويورْكِيّين يرْسُمونَ حَسَبَ نموذج فنّي حيّ، كما كُنّا في "الأكاديمية الملكية لِلفُنون الجميلة" بِبروكسل، نرسُمُ نِساء عارِيات وجميلات يسْحرْننا بِبهائِهِنَّ الفَتّان، ونحْنُ سُكارى بِسِحْرِ الفُنون وجمال الحورِيات النِّسْوان..!ء و 
ك    كما عرفتُ أنه ترك لنا 526 لوحة، منها 442 لوحة محفوظة بمتحفه بمدينة بشرى بلبنان، و84 لوحة أخذتها صديقته مارى هاسكل وافتتحت بهم متحفاً خاصاً حمل اسم
 (Tel Fair Musuem of Art)
 متحف تلفير للفن في مدينة سافانا بولاية جورجيا الأميركية...ة





بيع لوحة لـجبران خليل جبران فى مزاد علنى بلندن بـ 68.5 ألف استرلينى


ء     وامْتدَّتْ قِراآتي مع الوقت وتعاقُب سنوات الدِّراسة وتعمُّق أُفُقي الفِكْري واتِّساعِه، لِتشْمَلَ تحْليل كِتاب «النبي» الذي وضعه جبران خليل جبران في الإنكليزية بمساعدة صديقته ماري هاسكل، لٍتُباع منه عشرات ألوف النسخ، والذي أبْهرني بِأفكارِهِ الطّوباوية السّموحة، ودِراستِه من جميعِ أبْعادِه وكلّ ما كُتِبَ عنْه من دِراسات وانتِقادات وما قيلَ ويُنْشر عن أدبِه وشِعْرِه وفنِّه في مُخْتلف الصُّحُف والمجلاّت... وكان يبْدو لي في البِداية أصْعب لِمُسْتوايَ بِكثيرفي السّنوات الأولى من الثّانوي في الكِنْدي، لِأسلوبه الرّمْزي وفلسفته المِثالية المسيحية الغامِضة في الحياة، وتماهيه مع المُصطفى في شطحاتهما الطُّوباوية، وترانيمهما التّسامُحية الإنْفِصالية والإنْفِصامِية. كأنّ خِطاباتِه اِسْتِمْرارٌ لِمواعِظ يسوع المسيح في جِبال مدينة  أورفليس"أورشليم"، وهو يهْدي الوثنيِّين إلى الطريق المُسْتقيم..! لكن هذا الكتاب أعْتبره من عصير الكتب التي قرأتها وأحْببتها وترك في نفسي أثراً بارِزاً في مُسْتقْبلي الأدبي والفنّي معاً. مُسْتعيناً بِالطُّموح الثّائر، وعادة مُبارزة العمالِقة الكِبار..! إلى أن تخطَّيْتُ سنوات الكِنْدي ودخلْتُ الجامعة في الرباط، حيْثُ الأجْواء الثّقافية والفنّيّة أعْلى وأرْقى بِكثير عن مدينتِنا. فاكْتشفْتُ فْرِيديريك نيتْشه ومُؤلّفه العبقري: " هكذا تكلّمَ زرادشت"، الذي كان رِحْلةً قاسية إلى قلبِ الإلْحاد؟ وهنا وقَفَ حِمارُ الشّيْخ في العَقَبَة خاشِعاً ومَذْهولا..! وعرفْتُ أنني وضعْتُ يدي على كنْزٍ ثمين يُشْفي غليلي ولَوْ أنّهُ صعْب المَراس، ويُمِدّني بِفَأْسِه وجُنونِه، لِأساعِدهُ على هذا المَشْروع الإنساني النّبيل، الذي هو هدْم الأدْيان التي تتَسَبَّبُ في تعاسةِ الإنسان، مُحَطِّمينَ بَقايا أطْلال الآلِهة وكلّ إيقونات السّماء التي لم تستطع فلسفة الأنْوار اِسْتِئْصالها، ودَحْرِ الأصْنام التّجْريدية والآلِهة المُجرَّدة التي اسْتعْبَدَتِ الإنسان منذ سُقوطِه على الأرض ذليلا، وطُرِدَ من الجنّةِ ظُلْماً وبُهْتاناً لِتلْبِيةِ "أنانية الله" العُظْمى..! وهُنا اكْتشفْتُ العبْقرِية التي كنتُ أطْمَحُ إليْها وأبْحث عنها، وأجْري وراءَها. ووجدْتُ مُنْتهايَ، فأقْلعَ خيالي يُكسِّرُ الطّواحين الهوائية مع دونْ كيشوط بِكلِّ حماس. لكن الجهْلَ ما زالَ مُسْتَتَبّ، والغريمُ عريض القاعِدة بِجحافِل الجُهلاء والعبيد. ولا زال الطّريق نحْوَ الحقيقة ضبابي وغامِض وجِدُّ بعيد. والطّريقُ محْفوفٌ بِكلِّ أنواعِ المَخاطِرِ..!ء
ء     كانتْ في أعْماقي تجْثُمُ رغبات جامِحة لِلطُّموح والتّعْرِية والتّغْيير، والحاجة إلى التّعبير عن أفكاري الثّائِرة، واتِّجاهاتي النّفْسية المُتمرِّدة واللاّمُنْتمِية، التي لم تستطِعْ كل مُؤلّفات جبران المسيحي المِثالي المُؤْمِن، أنْ تُشْفي غليلي أوْ أشُقُّ بها طريقي الفلسفي اليساري. أوْ تسْتوْعِبني وأرْتاح إلى مبادِئِها المِثالية التي لم
  تكن "أرواحه المتمردة " 1908، و"أجْنِحتهُ المُتكسِّرة" وغيرها من مٌؤَلَّفاتِه الرومانسية العاطِفية، بعيدة عن "عَبَرات" المَنْفلوطي وماجْدولينن الحزينة، وكلّ ما خطَّتْهُ هاتيْنِ الإيقونتيْنِ الحزينتين من عَبرات ودُموع وابْتِسامات ورسائل سْتيفن المُذيبة لِلْمشاعِر والحبّ العُذْري الغارِق في الإسْتِلاب..! وبِاكْتِشافي لِلْمجْنون العبْقري فريدريك نيتشه، الفيلسوف الذي أعلن موت الله والثّورة على الأديان وكل الآلِهة، وبدأ يفقد عقله. إلى أنْ تُوفي في عام 1900 بداء الرئة مثل جبران خليل جبران.ء
هُ    هُنا عرفْتُ أنّي وجدْتُ رفيق طريقي الأزلي وصديق أفْكاري الحقيقي وشطحات خيالي وفلسفتي الثّورية في الحياة..!ء
وكل هذا جعلني أميلُ إليه وأنْ أكونَ من تلامِذتِه وأتْباعِهِ المُخْلِصين، ولاسيّما بعد أن ثار على الدين والكنيسة وممارسات الأكليروس التي تستعبد الإنسان، كما فعَلَ  نُظراؤُهُ فلاسفة عصر الانوار والنّهضة، كَ ديكارت الفيلسوف الذي قام بأهم اكتشاف في تاريخ الفلسفة، أي اكتشاف قارة الكوجيتو، وجان جاك روسو، وفولتير، وجون لوك ولايبنتز واسْبينوزا، ومونتيسْكْيو ودفيد هيوم وديدرو، وغيرهم من الثائرين على اللاّهوت المسيحي ورُموزِه من رِجال الدّين الذين كانوا يُخَدِّرونَ الشُّعوب بِالصّبْر على مَظالِمِ المجتمع التي يغْرقُ فيها الإنسان، لِنَيْلِ الثّواب السّراب، ويُتاجِرونَ في صُكوكِ الغُفْرانِ..!ت




صورة نيتشه الذي مات مجنونا

ء   لِذالك كان «هكذا تكلّمَ زْرادشْت» لنيتشه، الكتاب الذي يمكن اعتباره المرجع الرئيس الذي اعتمد عليه جبران خليل جبران، وتأثَّرَ بهِ عميقاً، لِيصيرَ «إنْجيلي المُقدَّس» الذي ينامُ دوْماً تحْتَ وِسادتي مكان "النّبيّ"، ولا يُفارِقُني أبداً. وفيهِ اكْتشفْتُ الخلاص لي، ولِكُلِّ الإنسانية على السّواء. كما اكتشفَ فيه مشاهير تاريخيون آخرون، فلسفةَ تنْقية المجتمعات من الضُّعفاء والأراذِل. وسَحْق الخُبثاء من البشر، والقضاء عليهم بالملايين من أجل تهْيِئة الأجواء لِظُهورِ الرجل السّوبِرْمان..! وتِلكَ المَحارِق، كانت بِداية الإنْتِخاب الطبيعي الذي اسْتلْهمه الرئيس الفوهْرر أدولف هِتْلِر من معلّمِه فْريديريك نيتشه، الذي اسْتقاهُ بِدوْرِه من البروفِسور شارْلز دارْوين، ولَمْ يُنْهِه لِخسارتِه في الحرب العالمية الثانية ضِدّ الحُلفاء. فلمْ يقْبلِ الخسارة. فانتحرَ مع عشيقته، ومات بطلاً واقِفاً..!ء
ك   وكُنتُ قدْ وضعْتُ من أولويات ما يجب معرفته والقيام به، دِراسة كل تفاصيل حياة جبران خليل جبران، والسِّجالات الكثيرة التي كانت تنشب ولا تنتهي بين مناصرين له ، وآخرين يرونه ثقيل الوطأة، وأقرب الى الصياغات الإنشائية ومثيراً للملل. ناهيك بأبعاده الأسطورية والغيبية والوعظية التي يمكن أن ترْدع أصحاب الفكر العقلاني عن تحمله. وقد قال عنه صديق الغربة، ميخائيل نعيمة ينقد كتاب "النبي" لِجبران: "ويا للأسف، لم يكن كله (النبي) من صياغة جبران. فشكله الإجمالي مستعار من نيتشه وزرادشت". ء





ا    وُلِدَ جبران في 6 يناير 1883، وتوفي بنْيويورك في 10 أبريل 1931 بِداء السُّلّ الذي أصابني أنا أيْضاً، ولكنه لم يقتلني. في حين أوْدى بِأُ خته سلطانة التي توفيت في 10 مايو من عام 1902. وبعد سنة، توفي أخوه بُطْرُس بنفس المرض. وتوفيت أمه بسبب السّرطان. أما ماريانا، أخت جبران، فهي الوحيدة التي بقيت معه، واضطرت للعمل في محل خياطة.ة
كان شاعراً وكاتبا ورساماً وإنْساناً يحبُّ الطّبيعة. وهو لُبناني عربي، ومن أدباء وشعراء المهجر. كنتُ أهْتمُّ بِدقائق الأمور في حياته، لِتشابُه حياتنا ومسارنا الفنّي وظروف عائلته وأمّه الأرْملة التي كانت تشتغل كخياطة مُتجوِّلة لِتُعيلَ أوْلادها اليتامى هو وأخوه  بطرس، وأخته  ماريانا. كما كانت تفعلُ أمّي معنا، نحنُ طابورها الّذي هاجرتْ به من بادية بني سيدال..!ء
كما أنه كان فناناً تشكيلياً، هاجرمع عائلته صبيّاً من بلده لُبْنان إلى أمريكا وحصل على جنسيتها، واستقرّ في بوسطن، كما وقع لي حين هاجرْتُ من بلْدتي بني سيدال ثُمَّ إلى أروبّا من أجْلِ الدِّراسات العُلْيا. وحصلْتُ مُنْذُ بِداية إقامتي في بروكسل، على الجِنسية البِلْجيكية...ء
م    مَن ْمِنّا لمْ يقرأ جبران بإشراقاته الروحية المفْتونة بسحر الطبيعة، والهائمة بالذات العليا الذائبة في الوجود، كَلمْسةِ نور متى مسَّتِ القلب احترق، فأضاء وأشرق بنورِهِ على العالمين..؟
ء    ومَنْ من الشّباب العربي لم يتأثّر بأشعاره فى المهجر ورسائله الرومانسية للأديبة مى زيادة وحبه الرومانسي لها ولِلطّبيعة..! وعلاقة الحب بينه وبين سلمى كرامة التي استوحى منها قصته (الأجنحة المتكسرة)؟ ء
ك    كُنتُ دائماً عندما أتأمّلُ لوحاته الواقعية، أتمنى أن أكونَ فنّاناً مِثْله، وأصِل إلى مُسْتواه وأُتْقِن الرسم بِالكلمات، كما يُتْقِنُهُ هو. كما اسْتهْواني حين علِمْتُ أنّ جزءاً كبيراً من حياته كرسهُ للنضال ضد الكنيسة.ة
ل    لكِنّي لمْ أتمنّ أبداً أن يقعَ لِعائلتي ما وقعَ لِعائلتِه التّعِسة التى أوْدى بهم السُّلّ والسّرطان في الغُرْبةِ جميعاً، ولو أنّهم يعيشونَ في "نيويورك" المتقدّمة..!ء
ء   وهكذا كان المَسار..! وهكذا شاءتِ الصُّدَف، أن أتعرَّفَ على هؤلاءِ الأساتذة العباقِرة العُظماء والأرواح المتمردة، الذينَ طبعوني بِطابعِهِم الإنْساني الخالِص والخاصّ، لِأصيرَ مُجاهِداً مُعاكِساً، وأسيرُ مُبْتهِجاً في قافِلتِهم السّكْرانة، مُغَرِّداً مع المواكِب والعواصف وكل المجانين وعرائِس المُروج، أُغْنية الحرية لِفِكْرِالخيال..!ءذالكَ لِأنَّ الإبداع الحر لا ينبع إلا من الذات الحرة، ومِنَ النفس التواقة المغرمة بالكشف عن المجهول وتجاوز المعلوم. وأنّهُ لا إبْداعَ بِدونِ حُرّيّة..!م

يتبع




إحدى اللوحات الجميلة لِجبران
كنتُ أحبّ بِطاقته التي كُتِبَ عليها بالفرنسية:ة
Halil Cibran : poète, philosophe et peintre.



من لوحات جبران

من لوحات جبران



صورة جبران


image

من لوحات جبران

يستضيف متحف الشارقة للفنون، معرض “البعد الإنساني في رسوم جبرانية” حتى 10 ديسمبر/كانون الأول المقبل، ويضم 30 عملا من لوحات تشكيلية زيتية، ومائية وأخرى مرسومة باستخدام الفحم على ورق وقماش “الكانفس”، بالإضافة إلى مخطوطات ودفاتر تعود للأديب اللبناني الأمريكي جبران خليل جبران.
ويقام المعرض بالتعاون مع لجنة جبران الوطنية، ويقدم فرصة نادرة للتعرف على الأعمال الأصلية التي أبدعها واحد من أهم الفنانين والأدباء في القرن العشرين.



Kahlil-Gibran-Portrait-of-a-young-woman-with-head-inclined-1908-1910.-Courtesy-of-Gibran-National-Committee


Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الحياة في باسو - في انتظار الإعْدام

Chapitre 3 ـ Sana ـ سناء

فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث