الفقرة 22 ـ ترانيم العُشّاق
الفقرة 22 ـ ترانيم العُشّاق
ترانيم العُشّاق
يوميات فنان مهاجر
بحثاً عنِ الزمن الضّائع
مع زوجتي الرائعة على أجْنِحة الغرام
الحب الخالِد
***
ن في مستشفى الفارابي بِوجْدة، كنّا نلعب الرّامي ولُعْبة الورق مع " الشّافة" أمّي خيرة رحمها الله كلّ يوم لِمُحاربةِ المَلَل. وكنتُ في بعْضِ الأحايين التي أُشارِكُهُم الماتْش، أصرخُ لِأُضيفَ إلى مُتْعةِ اللّعِب بعض الرّوح الفُكاهِية:خ
:بَ ـ بَشْكْليتْ بَشْكْليتْ!؟
ء فتُجيبُ أمّي للاّ خيرة:ء
ء ـ ها هي بَشْكْليتْ أوْليدي عبد الرحمان. أسّوطَة. هاهي.ء
ء وهي تُري لي ورقة 10. فأجيبها مازِحاً وأنا أنظر إلى درّاجة أحد الخدم وأقول لها:ء
ء ـ ها هي بَشْكْليتْ أوْليدي عبد الرحمان. أسّوطَة. هاهي.ء
ء وهي تُري لي ورقة 10. فأجيبها مازِحاً وأنا أنظر إلى درّاجة أحد الخدم وأقول لها:ء
ـ ـ أنا أقصد بَشْكْليتْ أمّي خيرة، أي الدّرّاجة وليس السّوطة.ء
فتضحك وتقول:ء
م كانتِ المَرّات التي كُنتُ أُشارِكُهُم فيها هذه اللُّعْبة نادِرة جِدّاً بِسببِ انْغِماسي في قِراءة المُؤَلَّفات الأدبية التي كانت تُعمِّق رصيدي اللُّغوي في اللُّغة العربية الجميلة من ناحية البلاغة وبديع الأُسْلوب. لِأنّي كُنْتُ من عُشّاق لغـة الضـاد، والمَغْرمون بها. كما كانت تُوسِّعُ من أُفقِ إلْمامي بِبُحورِ الأدب العربي والعالمي، التي بدأْتُ أمَيلُ إليْها شيئاً فشيْئاً مع تعاقُبِ السِّنين، بِفضْلِ التّرْجمة التي كانت تصْدُر من لُبْنان آنَذاك، ثمّ أصْبحْتُ بعد سنوات الجامعة، أقرأها بِلُغتِها الأم مِثل "البُؤساء" لِفيكتور هيغو بالفرنسية، والقصّة الشّيّقة مُغامرات "روبِنْسُنْ كْروزو" بِالإنْجليزية، أوْ أشْعار "مالارْميه" الرومانسية... وكانت أمّي خيرة تقولُ لي ناصِحة:ء
ء ـ أنتَ ولدي عبد الرحمان لكَ قُدْرة عالِية على الإنْدِماج وشخْصٌ مُتَفتِّح مَرِح، ومُتفاعِل اِجتِماعي، ومع ذالك تُفضِّلُ الإنْعِزال والقِراءة. جميل أنْ تكونَ مُجْتهِداً! ولكن يجبُ أن تسْتمْتِع بِالحياة وتُشارِكنا اللّعِب مِن حينٍ لٍآخر لِتكون "الحياة حِلْوَة"، وهي تنْطِقُها وكأنّها تُغنّي هذه الأغْنية لِفريد الأطْرش مُقَلِّدةٌ ألْحانِها الرّائعة..!ء
ء كانت أمّي الحاجّة خيرة رئيسة جناح السَّعَر في المستشفى، من نمط النّوع المرِح من النِّساء اللّواتي يُحِبْنَ الحياة، ولاسيّما عندما يتخطّى عُمُرُهُنَّ الأرْبعين، وكُنتُ أُشارِكهم بعض أشْواط اللّعِب إرْضاءً لها وعَمَلاً بِنصيحتِها، وأنا مَنْ كان أيضاً يُسجِل نَتائِج اللاّعبين، دونَ أنْ أنْحازَ إلى فريقِ أخي عبد الله الذي كان يلعب معهم أكثر مِمّا كان يُراجعُ مُقرّرِه الدِّراسي. كان هذا آخرُ يوْمٍ لنا في المستشفى. وغداً سنعود إلى دارنا لِنرى أمَّنا الحزينة، وإخْوتتي الصغيرتينِ الّلتيْنِ اشْتقْنا إليْهِما كثيراً.ا
ء وفي صباحِ الغد، تناولْنا فُطورنا كالعادة، وأعْطتْنا الشّافة أمي خيرة تذاكِرَ عوْدتنا في الحافِلة، وذهبْنا بعد أنْ تلقَّيْنا آخر حُقْنة في بُطونِنا ضِدّ السَّعَر.ة
ء عندما وصلْنا إلى دارنا، وجدنا أمنا وإخْوتتنا في انتِظارِنا. وبعْدَ أن سلَّمْنا عليهِنَّ جميعاً، هيَّأتْ أمّي المائدة، وجلسْنا كُلُّنا لِتناوُلِ الغذاء ونحنُ فرِحين.ء
ء بعد الغذاء، جلستُ على عتبةِ باب دارِنا كالعادة لِأُفكِّر، وأتأمّلُ الغادين والرّائِحين من جيراننا وسُكّان مدينتِنا الهادِئة...ء
ء مَرَّ السّيد العُمّالي بِقامتِهِ الطّويلة وهو يُسوّي ربطة عُنُقِه الحمْراء مرّاتٍ عديدة. حيّاني مُبْتسِماً، واسْتمرَّ في طريقِه في اتِّجاه الشارع الرّئيسي..! وعلى اليمين حيْثُ السّوق الذي كانتْ أصْداء ضجيجِه تصِلُ إليْنا خافِتة، كان الناسُ يتقاطعون ويغْدونَ ويروحون وهم يقْظونَ أغْراضهم اليوْمية المُعْتادة بِكُلِّ سلام...ة
ء هَبَّتْ رِياحٌ خفيفة، أعْقَبَها ظُهور خيال رجل مُتسكِّع "أحْمَق"! مِنَ الشارع الخلْفي. اِقْتربَ بِهُدوئِهِ المُعْتاد حاني الرّأس يَلْتقِطُ من الأرض ما يجِدُهُ صالِحاً من أشْياء وفُتات الخُبْزِ اليابِسِ لِيقْتاتَ به. كان مَعْروفٌ بِوَداعَتِهِ الملائِكيّة وطَرْبوشهُ البنفْسجي ولحْيتهُ الخفيفة. نفْس الملابِس والأحْذِية مُنْذُ سنوات. ونفْس الهَيْأة المُنْحَنِيَة بِسببِ ظُروف القهْر وخيْرُ أُمَّةٍ لا تُبالي إلاّ بِمصالِحِها الأنانية!. تساءلْتُ مع نفسي: لِماذا يَنْعَتُهُ النّاس بِالْأحْمق وهو أعْقَل منهم جميعاً!؟ لِأنّهُ عندما يمُرُّ، لا تكادُ تُحِسُّ بِه. ودائماً قليل الكلام ومُطأْطِئُ الرّأْس. وما هي الظّروف التي جعلتْهُ مُشَتَّتٌ تائِه وبِدونِ عائِلة رُبَّما. وإذا كانت عنده عائلة، فلِماذا قذفوا بِهِ بِلا رحْمَة إلى الجحيم!؟ جحيم الغُرْبة واليُتْم..! وهَلْ هُناكَ مِنْ جحيم أشَدُّ وَطْأَةً على النّفس من أنْ تكونَ وحيداً في الوُجود..!؟ء
ء مَرّتْ فتاتان بِشعرٍ أسْود وطويل تَتَحدّثانِ بِهُدوءٍ ملائِكي، وأصْداء حديثِهما يقترب كسمْفونية أنْغامٍ راقية، لابِستان جلابيب رمادية. وأوْجُهِهِنَّ ساحِرة الجمال. إنّها مليكة زوجتي الحبيبة التي لا يُضاهي جمالُها أيُّ جمال، ولا هُدوءها أيُّ هُدوء. إسْتحْضرْتُ المُسْتقْبل لِيُعانِقَ الحاضِر، وبدأتُ أسْتمْتِع بِالتّأمُّل في الشّريط السِّحْري أمامي في شارِع المغرب العربي الرّومانْسي الأصيل، مُخْتَلِطٌ بِمشاهِد اللّيالي الورْدِية في مَنْزِلنا في شارِع "أليكَسْ مارْسيتْ" قُرْبَ كنيسة "سانْتْ أونَطْوان" بِبروكسل، وليالي "هِلْتون"..!ء
ء خَلبَني جمال الفتاة المارّة، مليكة، وشعرْتُ في تِلْكَ اللّحْظَة، أنّ شيْئاً تَزَلْزَلَ بِعُنْفٍ في داخِلي، وأنَّ وجْداني "ذهَبَ مع الرّيح"، تائِهاً وراءَ سِحْرِ الجمال، وطائراً بِأحْنِحتي الخيالية..!ء
ء قُمْتُ من مكاني فوْقَ العتبة، وخفقانُ قلْبي يزّدادُ حِدّة،ةتقدَّمْتُ خطوات نحْوَ الفتاتيْن وأنا جِدُّ خجول. ولَمّا وقفتا، سألْتُ أجْملهما بِحياء:ة
ء ـ هلْ أنْتِ أُخْت مْحَمَّذْ السّعودي؟ ما اسْمُكِ من فضْلِك؟ء
ء فابتسمتْ وأجابتْ وهي تنظر في عيوني:ء
ء ـ نعم. أنا هِيَ. أنا مليكة السّعودي أُخْت مْحَمَّذْ السّعودي. ومَنْ أنْتَ؟ءء
ء ـ أنا جاركم عبد الرحمان صديق أخيك مْحَمَّذْ.ء
ء ـ آآآه تذكَّرْت. حدَّثني أخي عنْك مِراراً. أنْتَ الفنّان الصقلي؟ء
ء ـ أنا في الطّريق، رسّام مُبْتدِئ، وأطْمحُ أن أكونَ فنّاناً في المُسْتقبل. وسيُسْعِدُني كثيراً أنْ أرْسُمَ صورتك. جمالُكِ سحرني يا جارة..!ء
ء وخفظتْ عيْناها وأحْنَتْ رأْسها حياءً وهي تبْتسِم.ء
ء ـ وأينَ تدْرُسين مليكة؟ سألْتُها وأنا كُلّي لهْفة لِأعْرِفَ مدْرستها ومُسْتواها...ء
ء ـ مدرسة سيدي عْلي تِمْكارْت، قِسْم الشّهادة. لِماذا تسْأل؟ء
ء ـ هكذا. مُجرَّد حُبّ اِسْتِطْلاع. أرْجوك مليكة. لا تنْسَيْ أن تُعْطيني صورتك. لقد وعدْتِني. أريدُ أن أرْسُمَ لوْحة زيْتيّة لِوجْهِك. جمالُكِ ساحِر وفَتّان..!ء
ء رفعتْ حقيبة يدها وبدأتْ تُفتِّشُ فيها عن صورِها. ثمّ نظرتْ في عيوني ملِياً وقالت: ء
ء ـ والله غداً سأعْطيكَ صورتي. أثِقُ فيك. ولكن، قبْلَ أنْ ترْسُمَ وجْهي وأؤطِّرُه لِأعلِّقه في غُرْفَتي، أوَّلاً إرْسم لي منْظريْن أوْ ثلاثة طبيعيّين صغيرين لِأُقدِّمهما لِعائِلتي وأُعلِّقهما في صالونِنا. وبِذالِكَ أسْتغِلُّ الفُرْصة لِأُقدِّمُكَ لِأبي وأمّي فضْلاً عنْ كوْنِكَ صديق أخي. نحن عائلة مُحافِظَة. ولا تنْسى عبد الرحمان أنْ تُعْطي اللّوَحات لِأخي مْحَمَّذْ ولا تأْتي بِها بِنفْسِك إلى دارِنا.ء
ء ـ سأفْعل ما تأْمُرينني به. فقط أعْطِني صورتك، وسأرْسُمُ لكِ لوحة خالِدة. ستريْن. لِأنّكِ بِذالِك، ستُساعِدينَني في نجاحي في فنّي كثيراً.ء
ء فانْدَهَشَتْ مليكة ونظرتْ في أخْتِها فاطمة مُحْتارَة وقالتْ:ء
ء ـ أنْتَ تُحَيِّرُني بِأفْكارِك عبد الرحمان! أنْتَ الذي ستُصوِّرُ لي اللّوحات، وأنْتَ مَنْ يَتحكَّمُ في الإبْداع، فكيفَ سأُساعِدُك؟ آه، تُريدُ أنْ أُؤَدِّي لَكَ ثمن هذه اللّوَحات؟ تَسْبيق مَثَلاً. سأُؤَدّي يا عزيزي الفنّان.ء
ء وأرادتْ أنْ تَسْحبَ من حقيبةِ يدِها ثَمَنُ التّسْبيق. فمَنَعْتُها قائلاً:ء
ء ـ لا أبَداً مليكة. لا تفْعلي ذالِك. أنا لَمْ أقْصِدِ النُّقودَ أبداً. ولا وُجود لِفِكْرةِ الأداء أو المُقابِل المادّي في عقْلي.ء
ء ـ أنا مُحْتارَة عبد الرّحمان! لا تُريدُ النُّقود وتُلِحُّ أنْ أُساعِدَك، كيْف!؟ء
ء ـ صداقتُكِ بِالنِّسْبةِ لي مليكة، تُساوي كُلُّ ما في الدُّنْيا، ولا يُضاهيها أيُّ مُقابِل. ما قصدْتُه بِمُساعدتِكِ لي، هو أنّني عندما أرْسُمُ شيْئاً أُحِبُّه، فإنّني أجْعلُهُ مَرْكز اِهْتِمامي، وأشْحَذُ كُلّ طاقاتي الإبْداعِية، مُسْتعْمِلاً كلّ ما أمْلِك من وسائل وتِقْنياتِ الرّسم والصّباغة من أجْلِ إنْجاحِ لوَحاتي وأعْمالي الفنّية من أجْلِ الذي أُحِبّ. يعْني أنّ صورتك ستكونُ عروسة شِعْري ومَصْدَر إلْهامٍ لي وغذائي الرّوحي، وستُشْعِل حوافِزي النّفْسية لِأنْجَحَ في فنّي مُسْتقْبلاً. لا بُدَّ أنْ يكونَ لِكُلِّ شيئ موْضوع. وستكونينَ موْضوع فنّي وإيقونتي ومَنْبع إلْهامي ومَصْدَرُ سعادتي..!ء
ء خفظتْ عيْناها الجميلتان من جديد وقد لَفَّها الحياء، واحْمَرَّ وجْهُها من شِدّةِ الخَجَل. ونظرتْ إلى أختها وهي مُنْشغِلة البال وقالت:ء
ء ـ حقيقةً أنْتَ غريبُ الأطْوار عبد الرحمان، وأنا أحْترِمُكَ كثيراً. ما تقولُهُ شاعِري وعميق ويروقُني. غداً ستكون عندك الصورة. إنْ لمْ آتي أنا، فَسأُعْطيها لِأخْتي فاطمة هذه لِتُسلِّمها لك. الحديثُ معك شيِّق وأنا مُتلهِّفةٌ لِأرى إبْداعَك، والآن سنذْهب، تعطّلْنا وأخافُ أنْ يرانا أبي. مع السّلامَة عبد الرحمان.ء
ء ـ مع السّلامَة مليكة.ء
ء واسْتأْنفتا طريقهما نحْوَ مدرسة الرّاهِبات الإسْبانيات حيْثُ كانت تُقيمُ إخْوتتي الصّغيرتان، لِتعْليمِ الخياطة والطّرْز، وأنا جامِدٌ في مكاني أتْبعهما بِنظراتي كرومْيو المَجْنون، أوْ "قَيْس" الأحْمَق..!ء
ء خرجتْ أمّي تبْحثُ عنّي وتُناديني. ولمحتْ مليكة وأختها فاطِمة ذاهِبتان وهما تُديرانِ رُؤوسهما لِرْؤْيتِنا نتحدّث أنا وأمّي:ء
ء ـ إبْني عبد الرحمان، ميمون صديقك، ذاكَ الرّجُل التَّمْتام، صاحب دُكّان الإطارات المُقابِل لِمكْتبة السّعيدي قُرْبَ السّوق، جاء ثلاث مرّات إلى الدّار يبحثُ عنْك عندما كُنْتَ في المستشفى. يريد أن ترْسُمَ له بعض المناظِر الطّبيعية لِأحدِ زُبنائِه الأثْرياء.ء
ء أفْرَحَني هذا الخبر كثيراً. ولاسيّما أنَّ جُيوبي خاوِيَة الوفاض، صِفْرُ الْيَدَيْنِ ولا أمْلِكُ حتى دِرْهم واحِد لِأذْهبَ مع أصْدِقائي إلى المقْهى أو السّينِما، لِرُؤْيةِ إحْدى الأفْلام الهِنْدية الرومانْطيقية، كعادةِ كل أفْلام الهِنْد في ذالِكَ الزّمن الهادئ والجميل. ثُمَّ أنّني سأحْتاجُ إلى النُّقود لِشِراءِ الصِّباغة الزّيْتية والكرْطون المُقَوَّى وشيتات، لِأرْسُمَ لِحبيبتي مليكة ثلاث مناظِر طبيعية، وصورتها التي أنْوي أنْ أسْتعْمِلَ كلّ مهاراتي وأُعصِّرُها، من أجْلِ إبْداعِها لِتكونَ تُحْفَة أفْتخِرُ بِها أنا، ولاسيّما مليكة، حينَ ستُقدِّمُها لِأبيها وعائلتها مع المناظر الطّبيعية الأخْرى...ء
ء اِلْتفَتْتُ إلى أمّي التي تابعَتْ الْفتاتان بِنظراتِها حتى ابْتلعتْهما المسافة وأشجار الشوارِع وخيالات المارّة. فقلْتُ لها:ء
ء ـ سأذْهبُ حالاً عِندَ ميمون لِأراه. شكراً أمّي العزيزة.ء
ء كان المختار خال زوْجتي المُغْترِب، رجلٌ ليبِرالي مُثقَّف ومُتحرِّر الفِكْر. وكان يأتي إليْنا كلّ أيّام السّبت صباحاً باكِراً لِيُؤدّي الصّلاة صباح الأحد المُقدَّس في كنيسة "شُهود جيهوبا" في بروكسل، والذينَ كنتُ أعْرِفُ إثْنانِ مِنْ أعْضائِها: شابٌّ وشابّة. كانتْ مُهمّتهما اللِّقاء بِالناس من جميعِ الأجْناس، لِشَرْحِ مبادِئ دينِهم الجديد، وفلسفة إلاههم "جيهوبا" في الحياة، والتي كانت تتلخَّصُ في اسْتِتْبابِ السلام، وتحْريرالعالم من الأديان الكاذبة، وعقائد الإرْهاب..!ا
ء "شُهود جيوفا" أو"يهوه"، فرْعٌ من المسيحية تكوَّنَ في أمريكا في 1870. وكان يُطْلَق عليهم "دارِسو الإنْجيل". وأصْدروا مجلّة عُنوانها: "إسْتيْقِظوا"! لِيهْدوا البشر إلى طريقهم المُسْتقيم، وإنشاء "ملكوت الله على الأرض". مَمْلكةُ الله التي هي الحل الوحيد لعلل الإنسانية وكلّ مشاكلها، وِفْقاً لِدينِهم الجديد المُنير، وإلاههم جيهوبا المُبْدِع العظيم..!كما كانوا مُراجِعينَ لِلدّيانة المسيحية لِتصْحيحها لِإحْلال المسيحية الحقيقية على الأرض. وكانوا يرْفضونَ مَبْدأ "التّثْليث المسيحي":(الآب، الإبن، والرّوح القُدُس) التي يرسمها المؤمنون المسيحيون في صلاتهم على شكل صليب. وأن مريم "العذْراء" لم تكن شخْصاً، بل صِفة تعبّر عن تجلِّيات الرّبّ "جيهوبا" في العالم السُّفْلي، كما أنّ هناك الكثير من الأشياء التي نُسِبَتْ إلى المسيحية ولم تكن من صُلْبِها. لِذالِكَ يجبُ تنْقيتها وتصْحيحها ومُراجَعتها. كما كانوا يرْفضونَ كلّ الأديان التّوحيدية الأخْرى من مسيحية ويهودية وإسْلام. مُعْتَبِرينها اسْتِنْساخاً فقط لِلمسيحية، ولاسَيَّما الإسلام. وأنّها من خلْقِ الشّيْطان في "بابل العظيم". وأنّ الإسْلام لم يكن إلاّ اقْتِباسات من المسيحية مع إظافاتٍ أخْرى لِلتَّمْييز، وإضْفاء صِفات أُلوهية جديدة صارِمَة وقاسِية إلى ذات الله، مِثْل صِفات القاهِر، الغالِب، وعالِم كل شيء، ومُعذِّب البشر الجانِحين، وخلْق سبع أنواع جهنّم كالسّعير وسقَر وأهْوال القُبور...الخ. لِيكون إله المُسلمين الجبّار عكْس صورة المسيح ربّ النّصارى الطّيّب السّموح، الذي ضَحّى بِحياتِهِ من أجْلِ إنْقاذِ البَشر من ثِقْلِ الخطيئة العُظْمى، وماتَ مصْلوباً..ء
ء ويعتقد شهود جيهوبا في إلهٍ واحد، الذي يعبدون تحت اسم يهوه 133، وهو شكل لاتيني من القرون الوسطى من تيتراغراماتون "يهوه" 134. كما أنهم يرفضون عقيدة الثالوث المُقَدَّس، المشتركة بين المسيحيين، والتي وفقا لهم ليست من الكتاب المقدس 135. ووفقا لمذهبهم، كان يسوع المسيح موجودا قبل القدوم إلى الأرض. هو الملاك مايكل، الملاك الوحيد الذي تم إنشاؤه مباشرة من قِبَل الله، وفي هذا المعنى يفهمون لقبه ابن الله. ثم شارك في إنشاء جميع المخلوقات الأخرى (137). وهم يريدون أيضا أن يكونوا محايدين سياسيا، ويرفضونَ أداء الخدمة العسكرية لِأنّهم ضِدّ الحُروبِ بيْنَ بني الإنسان. وعقيدتهم التّسامُح والسّلام.ء
ء اِسْتيقظْتُ من تيهاني في ماضي ومُسْتقبل حياتي على صوْتِ أمّي وهي تسْألُني:ء
ء ـ عبد الرحمان، هل تعرفُ تِلْكِ البنات؟ء
ء ـ نعم أمّي. إنّهما بنات الجيران المُحْترَمات، يسْكُنَّ هُناك قُرْبَ رِجال المَطافِئ. تريدُ إحْداهُنَّ أنْ أرْسُمَ صورتها وستُؤدّي ثمن اللّوْحة.ة
ءء ـ أعْرِفُك. أنتَ جِدُّ كريم يا ابني. ودائماً تُعْطي أكْثر مِمّا تأخُذ. لكن المهمّ أنْ تتعلّم وتتدرّب. هل ستذْهب إلى ميمون بوكْواذْراواثْ؟
ءء ـ سأذهب حالاً أمّي.ء
ء ـ إذا ربحْتَ الكثير من النُّقود، ستُساعِدُني لِأشْتري لِأُختِكَ حورية آلة الخياطة. هي أيْضاً تُريدُ مُساعدتنا. عندها ديبْلومان: واحد لِلخياطة والتّفصيل، والدِّبْلوم الآخر لِلطّرْز. بدأَ الجيران يعرفونَ مَهارتها بعد أنْ رأوْا قِطْعتها المَطْروزة أخيراً. أريدُ أنْ أُهَيِّئْكُم لِمُجابَهَةِ قسْوة الحياة في مُسْتقْبلِكم. أنا كبُرْتُ وصِرْتُ مريضة. وأخافُ أن أموتَ وأتْرُككم ورائي تتعذّبون. الحياةُ صعْبة يا ابْني... ء
ء ـ لَنْ تموتي أبَداً أمّي العزيزة. ستبْقيْنَ حيّة ما حيِيت. ورُبَّما حتّى بعْدَ موْتِنا، ستبْقيْنَ دائِماً حيّة في ذاكِرةِ الفنّانينَ والمُثقّفين. إن شاء الله أمّي سَتَتعافين. سأذهبُ الآن عند ميمون. وسأُعْطيكِ كلّ ما سأرْبَحهُ من المال.ء
ء عندما وصلْتُ إلى دُكّان ميمون، كان في الغُرْفةِ الخلْفية الضّيّقة، مُنْهمِكاً في قطْع وترْكيب الإطارات لِلصّور. دخلْتُ وأنا أتقدَّمُ بِحذر لِضيْقِ الدُّكّان وامْتِلائِه بِالسّلَع التي يشْتغِلُ بها.ء
ـ السلام عليكم. ميمون كيْفَ حالُك؟ء
ء نظر إليَّ وابْتسم. ثمَّ قال:ءءء
ء ـ عَ عَعع عع عبد الرحمان، بَ بَبب بَحَثْتُ عنْكَ مِراراً، وقالت لي أمّك أنّكَ كُ كُ كُنْتَ في المستشفى بِوجْدة. يَ يَييْ يَاكْ لاباس؟ء
ء ـ الحمد لله أميمون.ء
ء أخَذَ غِلافاً أبْيض واقْتربَ مِنّي. بعَدَ أنْ سلَّمَ عليَّ، أخْرَجَ من الغِلافِ صورتان فوطوغْرافِيتان قديمتان بِالألْوان. مُتوسِّطتي الحجم، ومَدَّهُما لي وهو يقول:ء
ء ـ ع ععع عبد الرحمان. أعْرِفُ أنّكَ تُتْقِنُ المناظِر الطّبيعية. ه هه هههلْ يُمْكِنُ أن ترسم هذه الصّوَر بِالألوان الزّيتية وتُكبّرُها 50×70سنتم؟ ه هه ههههكذا، مِثْل هذه. وهو يُشير إلى صورة منظر طبيعي بحْري بِإطارٍ رفيع. ء
ء أخذْتُ الصورتان وبدأتُ أتأمّلهما.ء
ء ـ مُمْكِن ميمون. يجبُ أنْ أقومَ بِمجْهودٍ جبّار لِأُعيدَ الحياة إلى هذه الألوان الباهِتة. الصور صغيرة وقديمة وأدْركتْهُما الرُّطوبة. وألْوانُها مُحِيَتْ بِفِعْلِ تقادًمِ الزّمن. وبعض الأماكِن باهِتة لا تُرى تماماً. ولكني سأبْذُلُ مجْهوداتي لِتكونَ هذه اللّوحات جميلة.ء
ء ـ ه هههه هذه المرأة صاحِبة اللّوحات أُخْتُ زوْجتي. زوجها ثرِيّ وسيُؤدّي الثّمن الذي تُريد. ه هههههه هذهِ الصّور لِحديقة دار أمّها. و ووو وهي ذِكْرياتٌ غالية عِنْدها. لِأنّها اِزْدادت وعاشتْ طُفولتها ف ففف في هذه الدار هُنا كما ترى.ء
ء كانتِ الصّور تُمثِّلُ منْزِلاً قروياً قريباً من البحر تُحيطُهُ حدائِق غنّاء. وكان وقت الأصيل. وغروب الشمس أضْفى ألْوانهُ الذّهبية على البحر والطبيعة.ء
ء وناولني ميمون صورة أُخْرى لِوجْهِ رجلٍ أنيق وهو يقول:ء
ء ـ شْ شششش شوف عبد الرحمان. هذه صورة ز ززز زوجها الغنيّ. سْليفي، تُريدُ زوجته أنْ تُهْديها لهُ كهدية ومُفاجأة ع ععع عع على شكْلِ بورتْريه بِإطارٍ جميل، بِمُناسبةِ عيد ميلادهِ يوم السبت القادِم . ستُكبِّرُها وتُصوِّرُها بِالألوان الزّيتية أيْضاً. ص صصص صَوِّرْها لِتروقَ له، أتْقِن العمل واطْلُب ثمنَك. وستُعْطيك م ممم ما تشاء. كَ كَكك كَمْ تطْلُب في الصّور الثّلاث عبد الرحمان؟ء
ء فكّرْتُ في آلة الخِياطة التي تُريدُ أنْ تشْتريها أمّي لِأخْتي حورية. وكلّ الأدوات التي سأشْتريها لِأرْسم صور مليكة. فقلتُ له:ء
ء ـ سيُعْطيني 500 دِرهم.ء
ء ـ سَ سسسس سيُعْطيها لك بدونِ شكّ ولا مُ ممم مُشْكِل. أتْقِنِ العمل فقط.ء
ء ـ ولكني أحْتاجُ إلى نِصْف الثّمن الآن لِشِراءِ الصِّباغة والشّيتات والورق المُقوّى.ء
ء فمدَّ ميمون يده وفتحَ دُرْج مكْتبِه وأعطاني 250 درهم وهو يوصيني:ء
ء ـ عبد الرحمان، يَ يَ يَيييوْم الجمعة أوالسبت صباحا يجبُ أن تكون عندي بورْتْريه سْليفي. لِكي أُأُأُؤَطِّرها وتأخذها زوجته. مُم مُمُم مُتّفقين؟ء
ء ـ مُتّفِقين. كُنْ مُطْمئِنّ ميمون. اليوم الثلاثاء. بقيَ أرْبعةُ أيّامٍ لِعيدِ ميلاد صهْرِك. سأُكمِّلها في الموْعِدِ المُحدَّد. ولِكيْلا نُضيِّعَ الوقت، سأذْهبُ حالاً لِشِراءِ ما يلْزمني من أدوات لِأبدأَ العمل. مع السّلامة ميمون وشكراً جزيلاً صديقي.ء
ء ذهبْتُ تَوّاً إلى مكتبةِ الطّالِب في المَحطّة لِأشْتري قلم رصاص ومِمْحاة، وبعض الشِّيتات الجديدة لِأسْتعْمِلها لِرَسْمِ مُحيّا وقسمات وجه مليكة النّاعِم كالحرير. ومن الحديديّة اِشْتريْتُ خمْس عُلَب صِباغة زيتية صغيرة فقط، لِكيْلا أُنْفِق الكثير من الدراهم: اللّون الأحمر والأزرق والأصفر. أي الألْوان الرّئيسيّة، فضْلاً عنِ المُركَّبَيْنِ الأساسِيَيْن الأبيض والأسْود الذيْنِ لا يُعْتَبَرانِ من الألْوان. بَلْ تُسْتَعْمَلُ فقط لِفتْح وإغْلاق الألوان جميعاً وعكْسِها كالأبيض الذي يعْكِسُ النور، أو اِمْتِصاصِها من الأسود الذي يبْتلِعُ كلّ الألْوان كما في الليل. وقرَّرْتُ أنْ أخْلِطها بِنفْسي لِمزيدٍ من الدِّراسة، ولِتوْليدِ الألْوان المُخْتلِفة. مُسْتعيناً ب "روزاس كْروم" صنعْتها خِصّيصاً لِخلْطِ الألوان وتوْليدها، والتي ستُمكِّنُني بالحُصول على آلاف الألوان الفرْعية المُشْتَقّة. وما بَقِيَ من الدراهم أعْطيْتُها لِأمّي لِتشْتري آلة الخياطة لِأختي حورية، وأنا فرِحٌ ومُرْتاح الضّمير...ء
ء عندما دخلْتُ إلى دارِنا، كانت السّاعة الحمراء التي اشتراها أخي مُحمّادي تُشيرُ إلى الرّبعة والنِّصْف مساءً. وفوق المائدة صينيةُ الشّاي مع الإسْفَنْج الذي هيّأتْهُ أختي حورية. إنْبَثَقَتْ آذان العصْر صادِحة من الصّوِْمَعة القريبة. تلاها سُؤالُ أمّي لي:ء
ء ـ إبني عبد الرحمان، هلْ أعْطاكَ صديقك ميمون شيئاً من الدّراهِم؟ء
ء ـ نعم أمّي. إتّفقْنا أن أرسُمَ اللّوحات مُقابِل 500 درهم. وكعرْبون، أعْطاني النِّصف لِشِراءِ أدوات العمل، 250 درهم.ء
ء ووضعْتُ أدواتي فوق المكتب، وأعطيتُها ما تبقّى، 223 درهم، وأنا أُطَمْئِنُها وأقولُ لها:ء
ء ـ هذ ما تبقّى منَ التّسْبيق الذي أعْطاني ميمون. وعندما أُنْهي لوحاته الثّلاث، سيزيدُ لي 250 درهم أُخْرى.ء
ء تفحّصتْ أمّي الأدوات التي اشْتريْتُها وقالتْ مُتعجِّبَة:ء
ء ـ هلْ هذا كلّ ما ستحْتاجُه لِرسْمِ اللّوَحات؟ عادَةً تشْتري ضِعْفَ هذه الكمّيّة من عُلَبِ الصِّباغة لِرسْمِ لوْحةٍ واحِدة!ء
ء ـ هذا كُلُّ ما سأحْتاجُهُ هذه المَرَّة أمّي. أريدُ أنْ أتعلَّمَ اسْتِخْراج الألْوان بِنفْسي لِأتعَلّم أكْثَر.ء
ء نظرتْ أمّي إلى الدّراهِم في يدِها وإلى أُخْتي حورية نظْرةً ذاتَ مَغْزى، وقالت:ء
ء ـ أنْتَ فَعَلْتَ هذا من أجْلِ شِراءِ آلة الخياطة لِحورية! أنْتَ عظيمٌ يا ابْني..!ء
ء أردْتُ أنْ أقولَ لها: "أنْتِ أعْظَم أُمّاه". ولكنني صَمَتْتُ..!ء
ء كُنْتُ جِدّ فَرِح صباح ذاكَ اليوْم من شهْرِ أبريل البهيج من عام 1970. لا لِأنّ صديقي ميمون وجَدَ لي عملاً أنا في حاجةٍ إليْهِ لِأُساعِدَ عائِلتي الفقيرة التي ليْسَ لَها إلاّ الله. ولا لِكَوْني ساعدْتُ أمّي لِشِراءِ آلة الخياطة لِأُخْتي حورية التي ستُساعِدنا بِدوْرِها على تغْطِيَةٍ مصاريف العائلة... ولكن لِأنّي فَتَحْتُ قلب مليكة التي أصْبحتْ تحترمني وتُحِبُّني، لِنُنْجِبَ ذُرّيَةً رائعة كَثَمْرَة حُبِّنا. وتِلْكَ كانتْ من أرْوَع فُتوحاتي الغرامية في كلِّ حياتي..!ء
ء اِسْتردَّتْ أنْفاسها وهي تبتسم وتلْتفِتُ إلى الوراء لِتتأكَّد أنْ لا أحَد يراها. ثمّ مَدّتْ لي ما بِيدِها قائِلة:ء
ء ـ مُنْذُ البارِحَة وأنا مُنْعزِلَة أُفكِّرُ فيك. هذه الأوراق الكرْطونية كانت في دارِنا ولكِنّنا لا نحْتاجُها. وفكَّرْتُ أنّها ستصْلح لَكَ لِترْسُمَ عليها لوحاتي. وهذا دفْتر ذِكْرياتي، أريدُ أن تكتُبَ فيه ما يروقُ لَك لِأحْتفِظَ عليْها كذِكْرى غالِية. أيُّ انْطِباعٍ يُعْجِبُك. ولكن لا تُطْلِع عليهِ أحَدا. أنا لا أُعْطيهِ سِوى لِأصدقائي المُخْلِصين. وفيهِ أيْضاً صُوري التي وَعَدْتُكَ بِها. هل أُعْطيكَ ما تشْتري بهِ الصِّباغة مِنَ النُّقود؟ء
ء لا مليكة. شكراً. اٍشْتريْتُ الصِّباغة وكلّ ما يلْزمُني من أدوات. وغداً صباحاً سأبْدَأُ العمل. أنا مَسْرورٌ بِرُؤْيتِكِ مليكة وأشكركِ كثيراً على الصور وعلى مُخاطرتكِ بِلِقائي. أحِبُّكِ يا فاتِنة قلْبي..!ء
ء ـ وأنا كذالك عبد الرحمان! أُحِبُّك!ء
ء فاحْمَرَّ وجْهها خجلاً، فاسْتدارتْ وذهبتْ جارِيَة...ء
ء سمِعْنا أصْوات فتياتٍ يَهْتِفْنَ بِأسْمائِنا:ء
ء ـ عبد الرحمان... مليكة... مليكة وعبد الرحمان...ء
ء ء أدَرْتُ رأسي إلى مصْدرِالأصْوات، فوجدتُ ليلى إبْنة الكوماذْرونَة (القابْلة) في المُسْتشْفى البحري الذي كان قريباً من منازلنا. وهي تُراقِبُنا مع صديقاتها من الفتيات حينَ كُنّا نتحدّث بيننا، فقالت:ء ء
ء ـ أنتما تلْتقيان وتحبّانِ بعضكما أنْتَ ومليكة. سأُخْبِرُ أمّها خالتي خديجة.ء
ء فقلتُ لها مُتذمِّراً من تطفُّلِها:ء
ء ـ أنْتِ يا ليْلى تتدخّلينَ فيما لا يُعْنيك. أوَ ليْسَ لكِ شُغْل لِكي تُراقِبي الناس هكذا؟ء
ء وأجابتْ مُتحدِّية وهي تضْحكُ معَ صديقاتِها من بنات الجيران:ء
ء ـ لا. أخْطَأْتَ أيُّها الفنّان. أنا عِنْدي أشْغال وليْسَ شُغْل واحِد. وسترى البُرْهان هذا اليوْم. وانْفجرتْ مع صديقاتِها في الضّحك وهُنَّ يبْتعِدْنَ..!ء
ء في صباحِ الغد، ذهبْتُ إلى المَخْبَزَة لِشِراءِ الخُبْز. فوجدْتُ على الطّرُق المُزفَّتَة والأرْصِفة، عبارات الحُبّ مثل: عبد الرحمان ومليكة... مليكة + الفنان... مليكة تحب عبد الرحمان... صقلي سعودي..! فعلِمْتُ أنَّ ليْلى المُشاغِبة صاحبة هذه الدِّعاية المَجّانِية، لِتَصْنعَ من حُبِّنا أنا ومليكة، أُسْطورةً أُخْرى مْثْلَ أُسْطورة لارا في باسو االحزين..!ء
ء ومن هذه التّجارِب الواقِعِية التي عِشْتُها مع عشيقاتي رْمومْنَة، ومليكة، ولارا... تيقَّنْتُ أنّ الحبّ الحقيقي غير موْجود عند الإنسان، وأنّهُ عِبارةٌ عن فراشة تائِهة، وشطحاتِ عاطِفية، ونزوات القلب الشّاعِرية، وغرائز جِنْسية لاشُعورية..!ء
ء ـ أنتَ ولدي عبد الرحمان لكَ قُدْرة عالِية على الإنْدِماج وشخْصٌ مُتَفتِّح مَرِح، ومُتفاعِل اِجتِماعي، ومع ذالك تُفضِّلُ الإنْعِزال والقِراءة. جميل أنْ تكونَ مُجْتهِداً! ولكن يجبُ أن تسْتمْتِع بِالحياة وتُشارِكنا اللّعِب مِن حينٍ لٍآخر لِتكون "الحياة حِلْوَة"، وهي تنْطِقُها وكأنّها تُغنّي هذه الأغْنية لِفريد الأطْرش مُقَلِّدةٌ ألْحانِها الرّائعة..!ء
ء كانت أمّي الحاجّة خيرة رئيسة جناح السَّعَر في المستشفى، من نمط النّوع المرِح من النِّساء اللّواتي يُحِبْنَ الحياة، ولاسيّما عندما يتخطّى عُمُرُهُنَّ الأرْبعين، وكُنتُ أُشارِكهم بعض أشْواط اللّعِب إرْضاءً لها وعَمَلاً بِنصيحتِها، وأنا مَنْ كان أيضاً يُسجِل نَتائِج اللاّعبين، دونَ أنْ أنْحازَ إلى فريقِ أخي عبد الله الذي كان يلعب معهم أكثر مِمّا كان يُراجعُ مُقرّرِه الدِّراسي. كان هذا آخرُ يوْمٍ لنا في المستشفى. وغداً سنعود إلى دارنا لِنرى أمَّنا الحزينة، وإخْوتتي الصغيرتينِ الّلتيْنِ اشْتقْنا إليْهِما كثيراً.ا
ء وفي صباحِ الغد، تناولْنا فُطورنا كالعادة، وأعْطتْنا الشّافة أمي خيرة تذاكِرَ عوْدتنا في الحافِلة، وذهبْنا بعد أنْ تلقَّيْنا آخر حُقْنة في بُطونِنا ضِدّ السَّعَر.ة
ء عندما وصلْنا إلى دارنا، وجدنا أمنا وإخْوتتنا في انتِظارِنا. وبعْدَ أن سلَّمْنا عليهِنَّ جميعاً، هيَّأتْ أمّي المائدة، وجلسْنا كُلُّنا لِتناوُلِ الغذاء ونحنُ فرِحين.ء
ء بعد الغذاء، جلستُ على عتبةِ باب دارِنا كالعادة لِأُفكِّر، وأتأمّلُ الغادين والرّائِحين من جيراننا وسُكّان مدينتِنا الهادِئة...ء
ء مَرَّ السّيد العُمّالي بِقامتِهِ الطّويلة وهو يُسوّي ربطة عُنُقِه الحمْراء مرّاتٍ عديدة. حيّاني مُبْتسِماً، واسْتمرَّ في طريقِه في اتِّجاه الشارع الرّئيسي..! وعلى اليمين حيْثُ السّوق الذي كانتْ أصْداء ضجيجِه تصِلُ إليْنا خافِتة، كان الناسُ يتقاطعون ويغْدونَ ويروحون وهم يقْظونَ أغْراضهم اليوْمية المُعْتادة بِكُلِّ سلام...ة
ء هَبَّتْ رِياحٌ خفيفة، أعْقَبَها ظُهور خيال رجل مُتسكِّع "أحْمَق"! مِنَ الشارع الخلْفي. اِقْتربَ بِهُدوئِهِ المُعْتاد حاني الرّأس يَلْتقِطُ من الأرض ما يجِدُهُ صالِحاً من أشْياء وفُتات الخُبْزِ اليابِسِ لِيقْتاتَ به. كان مَعْروفٌ بِوَداعَتِهِ الملائِكيّة وطَرْبوشهُ البنفْسجي ولحْيتهُ الخفيفة. نفْس الملابِس والأحْذِية مُنْذُ سنوات. ونفْس الهَيْأة المُنْحَنِيَة بِسببِ ظُروف القهْر وخيْرُ أُمَّةٍ لا تُبالي إلاّ بِمصالِحِها الأنانية!. تساءلْتُ مع نفسي: لِماذا يَنْعَتُهُ النّاس بِالْأحْمق وهو أعْقَل منهم جميعاً!؟ لِأنّهُ عندما يمُرُّ، لا تكادُ تُحِسُّ بِه. ودائماً قليل الكلام ومُطأْطِئُ الرّأْس. وما هي الظّروف التي جعلتْهُ مُشَتَّتٌ تائِه وبِدونِ عائِلة رُبَّما. وإذا كانت عنده عائلة، فلِماذا قذفوا بِهِ بِلا رحْمَة إلى الجحيم!؟ جحيم الغُرْبة واليُتْم..! وهَلْ هُناكَ مِنْ جحيم أشَدُّ وَطْأَةً على النّفس من أنْ تكونَ وحيداً في الوُجود..!؟ء
صورة من ألبوم "مجانين مدينتي". إخذتُ هذه اللقطة في أحدِ أحياء الناظور سنة 1985 حيث كان يتسكّع هذا الإنسان" المتشرِّد المسكين. أعطيته بعض النقود لِيشتري ما يأكل، وصوّرته لِكيْ أفعل مثل فنّانين كِبار، ومنهم بابلو بيكاسّو الذي كان يرسم لوحات لِمجانين بلْدتِه "كِرْنيكا" التي دمّرها فرانْكو صديق "هِتْلِر" و"موسولّيني".ي
Pablo Picasso : Carnaval - Le Fou, Lithographie signée
De la folie dans l'art à l'art des fous
L’Art des fous antonin-artaud_489 1651
LA FOLIE par Odilon Redon
ء مَرّتْ فتاتان بِشعرٍ أسْود وطويل تَتَحدّثانِ بِهُدوءٍ ملائِكي، وأصْداء حديثِهما يقترب كسمْفونية أنْغامٍ راقية، لابِستان جلابيب رمادية. وأوْجُهِهِنَّ ساحِرة الجمال. إنّها مليكة زوجتي الحبيبة التي لا يُضاهي جمالُها أيُّ جمال، ولا هُدوءها أيُّ هُدوء. إسْتحْضرْتُ المُسْتقْبل لِيُعانِقَ الحاضِر، وبدأتُ أسْتمْتِع بِالتّأمُّل في الشّريط السِّحْري أمامي في شارِع المغرب العربي الرّومانْسي الأصيل، مُخْتَلِطٌ بِمشاهِد اللّيالي الورْدِية في مَنْزِلنا في شارِع "أليكَسْ مارْسيتْ" قُرْبَ كنيسة "سانْتْ أونَطْوان" بِبروكسل، وليالي "هِلْتون"..!ء
ء خَلبَني جمال الفتاة المارّة، مليكة، وشعرْتُ في تِلْكَ اللّحْظَة، أنّ شيْئاً تَزَلْزَلَ بِعُنْفٍ في داخِلي، وأنَّ وجْداني "ذهَبَ مع الرّيح"، تائِهاً وراءَ سِحْرِ الجمال، وطائراً بِأحْنِحتي الخيالية..!ء
ء قُمْتُ من مكاني فوْقَ العتبة، وخفقانُ قلْبي يزّدادُ حِدّة،ةتقدَّمْتُ خطوات نحْوَ الفتاتيْن وأنا جِدُّ خجول. ولَمّا وقفتا، سألْتُ أجْملهما بِحياء:ة
ء ـ هلْ أنْتِ أُخْت مْحَمَّذْ السّعودي؟ ما اسْمُكِ من فضْلِك؟ء
ء فابتسمتْ وأجابتْ وهي تنظر في عيوني:ء
ء ـ نعم. أنا هِيَ. أنا مليكة السّعودي أُخْت مْحَمَّذْ السّعودي. ومَنْ أنْتَ؟ءء
ء ـ أنا جاركم عبد الرحمان صديق أخيك مْحَمَّذْ.ء
ء ـ آآآه تذكَّرْت. حدَّثني أخي عنْك مِراراً. أنْتَ الفنّان الصقلي؟ء
ء ـ أنا في الطّريق، رسّام مُبْتدِئ، وأطْمحُ أن أكونَ فنّاناً في المُسْتقبل. وسيُسْعِدُني كثيراً أنْ أرْسُمَ صورتك. جمالُكِ سحرني يا جارة..!ء
ء وخفظتْ عيْناها وأحْنَتْ رأْسها حياءً وهي تبْتسِم.ء
ء ـ وأينَ تدْرُسين مليكة؟ سألْتُها وأنا كُلّي لهْفة لِأعْرِفَ مدْرستها ومُسْتواها...ء
ء ـ مدرسة سيدي عْلي تِمْكارْت، قِسْم الشّهادة. لِماذا تسْأل؟ء
ء ـ هكذا. مُجرَّد حُبّ اِسْتِطْلاع. أرْجوك مليكة. لا تنْسَيْ أن تُعْطيني صورتك. لقد وعدْتِني. أريدُ أن أرْسُمَ لوْحة زيْتيّة لِوجْهِك. جمالُكِ ساحِر وفَتّان..!ء
ء رفعتْ حقيبة يدها وبدأتْ تُفتِّشُ فيها عن صورِها. ثمّ نظرتْ في عيوني ملِياً وقالت: ء
ء ـ والله غداً سأعْطيكَ صورتي. أثِقُ فيك. ولكن، قبْلَ أنْ ترْسُمَ وجْهي وأؤطِّرُه لِأعلِّقه في غُرْفَتي، أوَّلاً إرْسم لي منْظريْن أوْ ثلاثة طبيعيّين صغيرين لِأُقدِّمهما لِعائِلتي وأُعلِّقهما في صالونِنا. وبِذالِكَ أسْتغِلُّ الفُرْصة لِأُقدِّمُكَ لِأبي وأمّي فضْلاً عنْ كوْنِكَ صديق أخي. نحن عائلة مُحافِظَة. ولا تنْسى عبد الرحمان أنْ تُعْطي اللّوَحات لِأخي مْحَمَّذْ ولا تأْتي بِها بِنفْسِك إلى دارِنا.ء
ء ـ سأفْعل ما تأْمُرينني به. فقط أعْطِني صورتك، وسأرْسُمُ لكِ لوحة خالِدة. ستريْن. لِأنّكِ بِذالِك، ستُساعِدينَني في نجاحي في فنّي كثيراً.ء
ء فانْدَهَشَتْ مليكة ونظرتْ في أخْتِها فاطمة مُحْتارَة وقالتْ:ء
ء ـ أنْتَ تُحَيِّرُني بِأفْكارِك عبد الرحمان! أنْتَ الذي ستُصوِّرُ لي اللّوحات، وأنْتَ مَنْ يَتحكَّمُ في الإبْداع، فكيفَ سأُساعِدُك؟ آه، تُريدُ أنْ أُؤَدِّي لَكَ ثمن هذه اللّوَحات؟ تَسْبيق مَثَلاً. سأُؤَدّي يا عزيزي الفنّان.ء
ء وأرادتْ أنْ تَسْحبَ من حقيبةِ يدِها ثَمَنُ التّسْبيق. فمَنَعْتُها قائلاً:ء
ء ـ لا أبَداً مليكة. لا تفْعلي ذالِك. أنا لَمْ أقْصِدِ النُّقودَ أبداً. ولا وُجود لِفِكْرةِ الأداء أو المُقابِل المادّي في عقْلي.ء
ء ـ أنا مُحْتارَة عبد الرّحمان! لا تُريدُ النُّقود وتُلِحُّ أنْ أُساعِدَك، كيْف!؟ء
ء ـ صداقتُكِ بِالنِّسْبةِ لي مليكة، تُساوي كُلُّ ما في الدُّنْيا، ولا يُضاهيها أيُّ مُقابِل. ما قصدْتُه بِمُساعدتِكِ لي، هو أنّني عندما أرْسُمُ شيْئاً أُحِبُّه، فإنّني أجْعلُهُ مَرْكز اِهْتِمامي، وأشْحَذُ كُلّ طاقاتي الإبْداعِية، مُسْتعْمِلاً كلّ ما أمْلِك من وسائل وتِقْنياتِ الرّسم والصّباغة من أجْلِ إنْجاحِ لوَحاتي وأعْمالي الفنّية من أجْلِ الذي أُحِبّ. يعْني أنّ صورتك ستكونُ عروسة شِعْري ومَصْدَر إلْهامٍ لي وغذائي الرّوحي، وستُشْعِل حوافِزي النّفْسية لِأنْجَحَ في فنّي مُسْتقْبلاً. لا بُدَّ أنْ يكونَ لِكُلِّ شيئ موْضوع. وستكونينَ موْضوع فنّي وإيقونتي ومَنْبع إلْهامي ومَصْدَرُ سعادتي..!ء
ء خفظتْ عيْناها الجميلتان من جديد وقد لَفَّها الحياء، واحْمَرَّ وجْهُها من شِدّةِ الخَجَل. ونظرتْ إلى أختها وهي مُنْشغِلة البال وقالت:ء
ء ـ حقيقةً أنْتَ غريبُ الأطْوار عبد الرحمان، وأنا أحْترِمُكَ كثيراً. ما تقولُهُ شاعِري وعميق ويروقُني. غداً ستكون عندك الصورة. إنْ لمْ آتي أنا، فَسأُعْطيها لِأخْتي فاطمة هذه لِتُسلِّمها لك. الحديثُ معك شيِّق وأنا مُتلهِّفةٌ لِأرى إبْداعَك، والآن سنذْهب، تعطّلْنا وأخافُ أنْ يرانا أبي. مع السّلامَة عبد الرحمان.ء
ء ـ مع السّلامَة مليكة.ء
ء واسْتأْنفتا طريقهما نحْوَ مدرسة الرّاهِبات الإسْبانيات حيْثُ كانت تُقيمُ إخْوتتي الصّغيرتان، لِتعْليمِ الخياطة والطّرْز، وأنا جامِدٌ في مكاني أتْبعهما بِنظراتي كرومْيو المَجْنون، أوْ "قَيْس" الأحْمَق..!ء
ء خرجتْ أمّي تبْحثُ عنّي وتُناديني. ولمحتْ مليكة وأختها فاطِمة ذاهِبتان وهما تُديرانِ رُؤوسهما لِرْؤْيتِنا نتحدّث أنا وأمّي:ء
ء ـ إبْني عبد الرحمان، ميمون صديقك، ذاكَ الرّجُل التَّمْتام، صاحب دُكّان الإطارات المُقابِل لِمكْتبة السّعيدي قُرْبَ السّوق، جاء ثلاث مرّات إلى الدّار يبحثُ عنْك عندما كُنْتَ في المستشفى. يريد أن ترْسُمَ له بعض المناظِر الطّبيعية لِأحدِ زُبنائِه الأثْرياء.ء
ء أفْرَحَني هذا الخبر كثيراً. ولاسيّما أنَّ جُيوبي خاوِيَة الوفاض، صِفْرُ الْيَدَيْنِ ولا أمْلِكُ حتى دِرْهم واحِد لِأذْهبَ مع أصْدِقائي إلى المقْهى أو السّينِما، لِرُؤْيةِ إحْدى الأفْلام الهِنْدية الرومانْطيقية، كعادةِ كل أفْلام الهِنْد في ذالِكَ الزّمن الهادئ والجميل. ثُمَّ أنّني سأحْتاجُ إلى النُّقود لِشِراءِ الصِّباغة الزّيْتية والكرْطون المُقَوَّى وشيتات، لِأرْسُمَ لِحبيبتي مليكة ثلاث مناظِر طبيعية، وصورتها التي أنْوي أنْ أسْتعْمِلَ كلّ مهاراتي وأُعصِّرُها، من أجْلِ إبْداعِها لِتكونَ تُحْفَة أفْتخِرُ بِها أنا، ولاسيّما مليكة، حينَ ستُقدِّمُها لِأبيها وعائلتها مع المناظر الطّبيعية الأخْرى...ء
ء اِلْتفَتْتُ إلى أمّي التي تابعَتْ الْفتاتان بِنظراتِها حتى ابْتلعتْهما المسافة وأشجار الشوارِع وخيالات المارّة. فقلْتُ لها:ء
ء ـ سأذْهبُ حالاً عِندَ ميمون لِأراه. شكراً أمّي العزيزة.ء
ء كُنْتُ جِدّ فَرِح صباح ذاكَ اليوْم من شهْرِ أبريل البهيج من عام 1970. لِمَ لا وقد حقَّقْتُ انْتِصاراً هائلاً في حُروبي ومعارِكي في أدْغالِي الوجْدانية المُحافِظَة، واتِّجاهاتي النّفسية المُتشابِكة المُيول. وعلى الخُصوص في هذه الغْزْوة الأخيرة مِنْ غزواتي العاطِفِيَة، التي اسْتطعْتُ أنْ أقْهَر فيها حيائي السّاذِج وخجلي العنيف الذي كان كابوساً يشلُّ قُدْرتي على التّعْبير عنْ مَكْنونات قلْبي وخلجاته تُجاهَ الفتيات. وأسْطو على قلْبِ جارتنا التي كان يعْشقها ويتمنّاها كل الرِّجالِ والشّباب أمْثالي، ولا يتجرَّأونَ على الاِقْتِرابِ مِنْها أوْ سُؤالِها. بِسببِ جمالِها الفتّان وهُدوءها العظيم، ووضْعيتِها الاِجتماعية المُتألِّقة والمُريحة.ةء
ء كان خال مليكة في تِلْكَ المرْحلة من السِّتّينات من القرن الماضي، الدكتور مُقدّم، من أبرزِ الأطِبّاء في ذالك العهْد. كانت له عِيادة طِبّيّة في العِمارة اللاّصِقة لِصيْدلية عبد الله الإسْبانية في شارع محمد الخامس. وبعْدها انْتقل إلى المستشفى الحسني وتسلَّمَ مفاتيح إدارتِه لِيُصْبِحَ مُديره. وهناك أدْخَلَ صهره أحمد السّعودي، والِد زوجتي مليكة، ليكون مُوَظَّفاً يسوق سيارة الإسْعاف. كما تدخَّلَ لدى السُّلْطة المَحلِّية لِتُسلِّمَ لِعائلته الدار التي كانوا يسْكُنونَ فيها قُرْبَ مركز رِجال المَطافِئ، لِتكونَ مِلْكاً رسْمياً لهم. كما كان خالُ مليكة السيد اليمني "كومَنْدار" في الجيش الملكي، والذي زارنا شخْصياً أنا ومليكة في بروكسل حين تزوّجْنا في أواخِرِ عام 1981. ولكن الفرْد الوحيد من عائلةِ زوجتي الذي كانت لي معه علاقة فِكرية وفلسفية عميقة، هو السيّد المخْتار، خال مليكة، الذي كان يسكن في مدينة "لْيِيجْ" الفرانْكوفونية البعيدة بِحواليْ 60 كيلومتر عن بروكسل العاصمة، حيث عِشْتُ كلّ حياتي.ءء كان المختار خال زوْجتي المُغْترِب، رجلٌ ليبِرالي مُثقَّف ومُتحرِّر الفِكْر. وكان يأتي إليْنا كلّ أيّام السّبت صباحاً باكِراً لِيُؤدّي الصّلاة صباح الأحد المُقدَّس في كنيسة "شُهود جيهوبا" في بروكسل، والذينَ كنتُ أعْرِفُ إثْنانِ مِنْ أعْضائِها: شابٌّ وشابّة. كانتْ مُهمّتهما اللِّقاء بِالناس من جميعِ الأجْناس، لِشَرْحِ مبادِئ دينِهم الجديد، وفلسفة إلاههم "جيهوبا" في الحياة، والتي كانت تتلخَّصُ في اسْتِتْبابِ السلام، وتحْريرالعالم من الأديان الكاذبة، وعقائد الإرْهاب..!ا
Les Témoins de Jéhova. de porte a porte
ء "شُهود جيوفا" أو"يهوه"، فرْعٌ من المسيحية تكوَّنَ في أمريكا في 1870. وكان يُطْلَق عليهم "دارِسو الإنْجيل". وأصْدروا مجلّة عُنوانها: "إسْتيْقِظوا"! لِيهْدوا البشر إلى طريقهم المُسْتقيم، وإنشاء "ملكوت الله على الأرض". مَمْلكةُ الله التي هي الحل الوحيد لعلل الإنسانية وكلّ مشاكلها، وِفْقاً لِدينِهم الجديد المُنير، وإلاههم جيهوبا المُبْدِع العظيم..!كما كانوا مُراجِعينَ لِلدّيانة المسيحية لِتصْحيحها لِإحْلال المسيحية الحقيقية على الأرض. وكانوا يرْفضونَ مَبْدأ "التّثْليث المسيحي":(الآب، الإبن، والرّوح القُدُس) التي يرسمها المؤمنون المسيحيون في صلاتهم على شكل صليب. وأن مريم "العذْراء" لم تكن شخْصاً، بل صِفة تعبّر عن تجلِّيات الرّبّ "جيهوبا" في العالم السُّفْلي، كما أنّ هناك الكثير من الأشياء التي نُسِبَتْ إلى المسيحية ولم تكن من صُلْبِها. لِذالِكَ يجبُ تنْقيتها وتصْحيحها ومُراجَعتها. كما كانوا يرْفضونَ كلّ الأديان التّوحيدية الأخْرى من مسيحية ويهودية وإسْلام. مُعْتَبِرينها اسْتِنْساخاً فقط لِلمسيحية، ولاسَيَّما الإسلام. وأنّها من خلْقِ الشّيْطان في "بابل العظيم". وأنّ الإسْلام لم يكن إلاّ اقْتِباسات من المسيحية مع إظافاتٍ أخْرى لِلتَّمْييز، وإضْفاء صِفات أُلوهية جديدة صارِمَة وقاسِية إلى ذات الله، مِثْل صِفات القاهِر، الغالِب، وعالِم كل شيء، ومُعذِّب البشر الجانِحين، وخلْق سبع أنواع جهنّم كالسّعير وسقَر وأهْوال القُبور...الخ. لِيكون إله المُسلمين الجبّار عكْس صورة المسيح ربّ النّصارى الطّيّب السّموح، الذي ضَحّى بِحياتِهِ من أجْلِ إنْقاذِ البَشر من ثِقْلِ الخطيئة العُظْمى، وماتَ مصْلوباً..ء
ء ويعتقد شهود جيهوبا في إلهٍ واحد، الذي يعبدون تحت اسم يهوه 133، وهو شكل لاتيني من القرون الوسطى من تيتراغراماتون "يهوه" 134. كما أنهم يرفضون عقيدة الثالوث المُقَدَّس، المشتركة بين المسيحيين، والتي وفقا لهم ليست من الكتاب المقدس 135. ووفقا لمذهبهم، كان يسوع المسيح موجودا قبل القدوم إلى الأرض. هو الملاك مايكل، الملاك الوحيد الذي تم إنشاؤه مباشرة من قِبَل الله، وفي هذا المعنى يفهمون لقبه ابن الله. ثم شارك في إنشاء جميع المخلوقات الأخرى (137). وهم يريدون أيضا أن يكونوا محايدين سياسيا، ويرفضونَ أداء الخدمة العسكرية لِأنّهم ضِدّ الحُروبِ بيْنَ بني الإنسان. وعقيدتهم التّسامُح والسّلام.ء
الصلاة لِربِّ العالمين: يهوه العظيم
ء وَوِفْقاً لِهذا المذهب الجديد، فإنّ الشيطان هو في الأصل ملاك خلقه الإله يهوه، ولكنه تمرد على يهوه بِرفْضِهِ السّجود لِآدم وحواء، الذينِ وضعهما يهوه في الجنة الدنيوية. فأكلوا من الشجرةِ ًالمُحرّمة. وبذالكَ تمّ عِصيانه، بِسببِ إغراء الشيطان لهما مُتنكرا في صورةِ ثُعبان. ومن هذا الخطيئة الأصلية حُكِمَ على الإنسان الخطّاء بالموت..! كما أنّ شُهود جيوبا لا يعتقدون بِخُلود الرّوح لِأنّ ذالكَ يتناقض مع الكتاب المقدس. ويُؤمنونَ أنّهُ ليس هناك جحيم في الآخِرة، حيث الأرواح تعاني من اللعنة الأبدية أصْلاً وفي جحيمٍ أبدي..!ء
و وكنتيجة لخطأ آدم، كان يهوه قد أرسل يسوع ابنه، الذي ولد من مريم العذراء كرجل مثالي، لتعليم الرجال الحقيقة عن الله وتبين لهم الطريق إلى الحياة الأبدية. أعطى يسوع حياته كفدية لتخليص خطأ آدم، وللاستفادة من هذا الخلاص والحصول على الحياة الأبدية، يجب أن ينتمي شهود يهوه إلى منظمتهم التي يعتبرونها "منظمة يهوه"، وأن يفعلوا ما يفهمونه أن يكون الإرادة الإلهية، وينشروا دينهم الحنيف. وبذالك سينْعَمُ أتْباعُ يهوه بِالخلاص الأبدي في أرْضِ الجنّة. ويسمى هؤلاء المؤمنين بِ "الحشد العظيم"...ء
و كان خالُ زوجتي مليكة وصديقي المُتفتِّح المُحْتَرَم، يقْضي الليل معنا نُدرْدِشُ ونُناقِش مواضيعَ فِكرية مُخْتلِفة ومُمْتِعة تتعلّق بالذُّهان والعُصاب، والبِنْية السّكيزوفْرينية والوسْواس القَهْري الذي كان يُعاني منه أحد إخْوتِه، وكان موضوع الدّين الكثير الجِدال والتّعْقيد والتّجْديد في الفتاوى بِدونِ فائدة هو الذي يطْغى على مُناقشاتِنا الجادّة..! وكان المُختار يُحاولُ اسْتِقْطابي علانية لِأدْخُلَ في الطّائِفة الدينية المسيحية الجديدة التي اعْتنقها منذ تزوّجَ مع فتاة بِلجيكية مُثقّفة تنْحدِر من أُسْرةِ الفنّان المُطرِب العالمي "لوسْيانو بافاروتي" الإيطالي المشْهور عالمياً... وفي صباح يوم الأحد، كان صديقي المُخْتار يُودِّعنا لِيعودَ إلى مدينتِهِ في شمالِ بلجيكا، بعْدَ أنْ يذهب إلى الكنيسة لِلصلاة لِإلهِهِ الجديد..!ءو وكنتيجة لخطأ آدم، كان يهوه قد أرسل يسوع ابنه، الذي ولد من مريم العذراء كرجل مثالي، لتعليم الرجال الحقيقة عن الله وتبين لهم الطريق إلى الحياة الأبدية. أعطى يسوع حياته كفدية لتخليص خطأ آدم، وللاستفادة من هذا الخلاص والحصول على الحياة الأبدية، يجب أن ينتمي شهود يهوه إلى منظمتهم التي يعتبرونها "منظمة يهوه"، وأن يفعلوا ما يفهمونه أن يكون الإرادة الإلهية، وينشروا دينهم الحنيف. وبذالك سينْعَمُ أتْباعُ يهوه بِالخلاص الأبدي في أرْضِ الجنّة. ويسمى هؤلاء المؤمنين بِ "الحشد العظيم"...ء
Luciano Pavaroti. Chanteur d'opéra. Artiste lyrique; Ténor
ء ـ عبد الرحمان، هل تعرفُ تِلْكِ البنات؟ء
ء ـ نعم أمّي. إنّهما بنات الجيران المُحْترَمات، يسْكُنَّ هُناك قُرْبَ رِجال المَطافِئ. تريدُ إحْداهُنَّ أنْ أرْسُمَ صورتها وستُؤدّي ثمن اللّوْحة.ة
ءء ـ أعْرِفُك. أنتَ جِدُّ كريم يا ابني. ودائماً تُعْطي أكْثر مِمّا تأخُذ. لكن المهمّ أنْ تتعلّم وتتدرّب. هل ستذْهب إلى ميمون بوكْواذْراواثْ؟
ءء ـ سأذهب حالاً أمّي.ء
ء ـ إذا ربحْتَ الكثير من النُّقود، ستُساعِدُني لِأشْتري لِأُختِكَ حورية آلة الخياطة. هي أيْضاً تُريدُ مُساعدتنا. عندها ديبْلومان: واحد لِلخياطة والتّفصيل، والدِّبْلوم الآخر لِلطّرْز. بدأَ الجيران يعرفونَ مَهارتها بعد أنْ رأوْا قِطْعتها المَطْروزة أخيراً. أريدُ أنْ أُهَيِّئْكُم لِمُجابَهَةِ قسْوة الحياة في مُسْتقْبلِكم. أنا كبُرْتُ وصِرْتُ مريضة. وأخافُ أن أموتَ وأتْرُككم ورائي تتعذّبون. الحياةُ صعْبة يا ابْني... ء
ء ـ لَنْ تموتي أبَداً أمّي العزيزة. ستبْقيْنَ حيّة ما حيِيت. ورُبَّما حتّى بعْدَ موْتِنا، ستبْقيْنَ دائِماً حيّة في ذاكِرةِ الفنّانينَ والمُثقّفين. إن شاء الله أمّي سَتَتعافين. سأذهبُ الآن عند ميمون. وسأُعْطيكِ كلّ ما سأرْبَحهُ من المال.ء
ء عندما وصلْتُ إلى دُكّان ميمون، كان في الغُرْفةِ الخلْفية الضّيّقة، مُنْهمِكاً في قطْع وترْكيب الإطارات لِلصّور. دخلْتُ وأنا أتقدَّمُ بِحذر لِضيْقِ الدُّكّان وامْتِلائِه بِالسّلَع التي يشْتغِلُ بها.ء
ـ السلام عليكم. ميمون كيْفَ حالُك؟ء
ء نظر إليَّ وابْتسم. ثمَّ قال:ءءء
ء ـ عَ عَعع عع عبد الرحمان، بَ بَبب بَحَثْتُ عنْكَ مِراراً، وقالت لي أمّك أنّكَ كُ كُ كُنْتَ في المستشفى بِوجْدة. يَ يَييْ يَاكْ لاباس؟ء
ء ـ الحمد لله أميمون.ء
ء أخَذَ غِلافاً أبْيض واقْتربَ مِنّي. بعَدَ أنْ سلَّمَ عليَّ، أخْرَجَ من الغِلافِ صورتان فوطوغْرافِيتان قديمتان بِالألْوان. مُتوسِّطتي الحجم، ومَدَّهُما لي وهو يقول:ء
ء ـ ع ععع عبد الرحمان. أعْرِفُ أنّكَ تُتْقِنُ المناظِر الطّبيعية. ه هه هههلْ يُمْكِنُ أن ترسم هذه الصّوَر بِالألوان الزّيتية وتُكبّرُها 50×70سنتم؟ ه هه ههههكذا، مِثْل هذه. وهو يُشير إلى صورة منظر طبيعي بحْري بِإطارٍ رفيع. ء
ء أخذْتُ الصورتان وبدأتُ أتأمّلهما.ء
ء ـ مُمْكِن ميمون. يجبُ أنْ أقومَ بِمجْهودٍ جبّار لِأُعيدَ الحياة إلى هذه الألوان الباهِتة. الصور صغيرة وقديمة وأدْركتْهُما الرُّطوبة. وألْوانُها مُحِيَتْ بِفِعْلِ تقادًمِ الزّمن. وبعض الأماكِن باهِتة لا تُرى تماماً. ولكني سأبْذُلُ مجْهوداتي لِتكونَ هذه اللّوحات جميلة.ء
ء ـ ه هههه هذه المرأة صاحِبة اللّوحات أُخْتُ زوْجتي. زوجها ثرِيّ وسيُؤدّي الثّمن الذي تُريد. ه هههههه هذهِ الصّور لِحديقة دار أمّها. و ووو وهي ذِكْرياتٌ غالية عِنْدها. لِأنّها اِزْدادت وعاشتْ طُفولتها ف ففف في هذه الدار هُنا كما ترى.ء
ء كانتِ الصّور تُمثِّلُ منْزِلاً قروياً قريباً من البحر تُحيطُهُ حدائِق غنّاء. وكان وقت الأصيل. وغروب الشمس أضْفى ألْوانهُ الذّهبية على البحر والطبيعة.ء
ء وناولني ميمون صورة أُخْرى لِوجْهِ رجلٍ أنيق وهو يقول:ء
ء ـ شْ شششش شوف عبد الرحمان. هذه صورة ز ززز زوجها الغنيّ. سْليفي، تُريدُ زوجته أنْ تُهْديها لهُ كهدية ومُفاجأة ع ععع عع على شكْلِ بورتْريه بِإطارٍ جميل، بِمُناسبةِ عيد ميلادهِ يوم السبت القادِم . ستُكبِّرُها وتُصوِّرُها بِالألوان الزّيتية أيْضاً. ص صصص صَوِّرْها لِتروقَ له، أتْقِن العمل واطْلُب ثمنَك. وستُعْطيك م ممم ما تشاء. كَ كَكك كَمْ تطْلُب في الصّور الثّلاث عبد الرحمان؟ء
ء فكّرْتُ في آلة الخِياطة التي تُريدُ أنْ تشْتريها أمّي لِأخْتي حورية. وكلّ الأدوات التي سأشْتريها لِأرْسم صور مليكة. فقلتُ له:ء
ء ـ سيُعْطيني 500 دِرهم.ء
ء ـ سَ سسسس سيُعْطيها لك بدونِ شكّ ولا مُ ممم مُشْكِل. أتْقِنِ العمل فقط.ء
ء ـ ولكني أحْتاجُ إلى نِصْف الثّمن الآن لِشِراءِ الصِّباغة والشّيتات والورق المُقوّى.ء
ء فمدَّ ميمون يده وفتحَ دُرْج مكْتبِه وأعطاني 250 درهم وهو يوصيني:ء
ء ـ عبد الرحمان، يَ يَ يَيييوْم الجمعة أوالسبت صباحا يجبُ أن تكون عندي بورْتْريه سْليفي. لِكي أُأُأُؤَطِّرها وتأخذها زوجته. مُم مُمُم مُتّفقين؟ء
ء ـ مُتّفِقين. كُنْ مُطْمئِنّ ميمون. اليوم الثلاثاء. بقيَ أرْبعةُ أيّامٍ لِعيدِ ميلاد صهْرِك. سأُكمِّلها في الموْعِدِ المُحدَّد. ولِكيْلا نُضيِّعَ الوقت، سأذْهبُ حالاً لِشِراءِ ما يلْزمني من أدوات لِأبدأَ العمل. مع السّلامة ميمون وشكراً جزيلاً صديقي.ء
ء ذهبْتُ تَوّاً إلى مكتبةِ الطّالِب في المَحطّة لِأشْتري قلم رصاص ومِمْحاة، وبعض الشِّيتات الجديدة لِأسْتعْمِلها لِرَسْمِ مُحيّا وقسمات وجه مليكة النّاعِم كالحرير. ومن الحديديّة اِشْتريْتُ خمْس عُلَب صِباغة زيتية صغيرة فقط، لِكيْلا أُنْفِق الكثير من الدراهم: اللّون الأحمر والأزرق والأصفر. أي الألْوان الرّئيسيّة، فضْلاً عنِ المُركَّبَيْنِ الأساسِيَيْن الأبيض والأسْود الذيْنِ لا يُعْتَبَرانِ من الألْوان. بَلْ تُسْتَعْمَلُ فقط لِفتْح وإغْلاق الألوان جميعاً وعكْسِها كالأبيض الذي يعْكِسُ النور، أو اِمْتِصاصِها من الأسود الذي يبْتلِعُ كلّ الألْوان كما في الليل. وقرَّرْتُ أنْ أخْلِطها بِنفْسي لِمزيدٍ من الدِّراسة، ولِتوْليدِ الألْوان المُخْتلِفة. مُسْتعيناً ب "روزاس كْروم" صنعْتها خِصّيصاً لِخلْطِ الألوان وتوْليدها، والتي ستُمكِّنُني بالحُصول على آلاف الألوان الفرْعية المُشْتَقّة. وما بَقِيَ من الدراهم أعْطيْتُها لِأمّي لِتشْتري آلة الخياطة لِأختي حورية، وأنا فرِحٌ ومُرْتاح الضّمير...ء
ء عندما دخلْتُ إلى دارِنا، كانت السّاعة الحمراء التي اشتراها أخي مُحمّادي تُشيرُ إلى الرّبعة والنِّصْف مساءً. وفوق المائدة صينيةُ الشّاي مع الإسْفَنْج الذي هيّأتْهُ أختي حورية. إنْبَثَقَتْ آذان العصْر صادِحة من الصّوِْمَعة القريبة. تلاها سُؤالُ أمّي لي:ء
ء ـ إبني عبد الرحمان، هلْ أعْطاكَ صديقك ميمون شيئاً من الدّراهِم؟ء
ء ـ نعم أمّي. إتّفقْنا أن أرسُمَ اللّوحات مُقابِل 500 درهم. وكعرْبون، أعْطاني النِّصف لِشِراءِ أدوات العمل، 250 درهم.ء
ء ووضعْتُ أدواتي فوق المكتب، وأعطيتُها ما تبقّى، 223 درهم، وأنا أُطَمْئِنُها وأقولُ لها:ء
ء ـ هذ ما تبقّى منَ التّسْبيق الذي أعْطاني ميمون. وعندما أُنْهي لوحاته الثّلاث، سيزيدُ لي 250 درهم أُخْرى.ء
ء تفحّصتْ أمّي الأدوات التي اشْتريْتُها وقالتْ مُتعجِّبَة:ء
ء ـ هلْ هذا كلّ ما ستحْتاجُه لِرسْمِ اللّوَحات؟ عادَةً تشْتري ضِعْفَ هذه الكمّيّة من عُلَبِ الصِّباغة لِرسْمِ لوْحةٍ واحِدة!ء
ء ـ هذا كُلُّ ما سأحْتاجُهُ هذه المَرَّة أمّي. أريدُ أنْ أتعلَّمَ اسْتِخْراج الألْوان بِنفْسي لِأتعَلّم أكْثَر.ء
ء نظرتْ أمّي إلى الدّراهِم في يدِها وإلى أُخْتي حورية نظْرةً ذاتَ مَغْزى، وقالت:ء
ء ـ أنْتَ فَعَلْتَ هذا من أجْلِ شِراءِ آلة الخياطة لِحورية! أنْتَ عظيمٌ يا ابْني..!ء
ء أردْتُ أنْ أقولَ لها: "أنْتِ أعْظَم أُمّاه". ولكنني صَمَتْتُ..!ء
ء كُنْتُ جِدّ فَرِح صباح ذاكَ اليوْم من شهْرِ أبريل البهيج من عام 1970. لا لِأنّ صديقي ميمون وجَدَ لي عملاً أنا في حاجةٍ إليْهِ لِأُساعِدَ عائِلتي الفقيرة التي ليْسَ لَها إلاّ الله. ولا لِكَوْني ساعدْتُ أمّي لِشِراءِ آلة الخياطة لِأُخْتي حورية التي ستُساعِدنا بِدوْرِها على تغْطِيَةٍ مصاريف العائلة... ولكن لِأنّي فَتَحْتُ قلب مليكة التي أصْبحتْ تحترمني وتُحِبُّني، لِنُنْجِبَ ذُرّيَةً رائعة كَثَمْرَة حُبِّنا. وتِلْكَ كانتْ من أرْوَع فُتوحاتي الغرامية في كلِّ حياتي..!ء
ء
ف في مساء ذاك اليوم الدّافِئ والبهيج، خرجْتُ أتفسّح وحْدي أفكِّر كعادتي، كيف سأعْمل وألبِّي كلّ هذه الطّلبات المُسْتعْجَلَة: لوحات مليكة الأرْبعة، والّلوحات الدّسِمة الثّلاث لِصهْرِ ميمون الغني. الكُلُّ مُسْتَعْجَلٌ في الحقيقة، وعائلتي مُحْتاجةٌ إلى النُّقود، وأحلامي وطُموحاتي لانِهائِية، والوقت ضيِّق..!ء
ء وصلْتُ إلى دُكّان "بوجَدّار" خَلْفَ منزلنا. وسمِعْتُ صوْتاً رخيماً يُناديني. اِلْتَفتْتُ ورائي لِأرى مليكة السّاحِرة الجمال تُسْرِعُ في اتِّجاهي، حامِلَةً ورقاً مُقَوّى ودفتراً. ففَرِحْتُ بِرْؤْيتِها. كانتْ تلْهَثُ بِسببِ الجَرْيِ وثِقْل أوراق الكرْطون. سلّمَتْ عليّ وقالت: ء
ء ـ أهْلاً عبد الرحمان، كيف حالُك؟ إسْمَحْ لي، أنا مُسْتَعْجَلَة، وأخافُ أنْ يراني أحَدٌ من عائلتي أو بنات الجيران. تعْرِف التّقاليد هُنا. كُلُّ شيءٍ حرامٌ في بِلادِنا..!ءء اِسْتردَّتْ أنْفاسها وهي تبتسم وتلْتفِتُ إلى الوراء لِتتأكَّد أنْ لا أحَد يراها. ثمّ مَدّتْ لي ما بِيدِها قائِلة:ء
ء ـ مُنْذُ البارِحَة وأنا مُنْعزِلَة أُفكِّرُ فيك. هذه الأوراق الكرْطونية كانت في دارِنا ولكِنّنا لا نحْتاجُها. وفكَّرْتُ أنّها ستصْلح لَكَ لِترْسُمَ عليها لوحاتي. وهذا دفْتر ذِكْرياتي، أريدُ أن تكتُبَ فيه ما يروقُ لَك لِأحْتفِظَ عليْها كذِكْرى غالِية. أيُّ انْطِباعٍ يُعْجِبُك. ولكن لا تُطْلِع عليهِ أحَدا. أنا لا أُعْطيهِ سِوى لِأصدقائي المُخْلِصين. وفيهِ أيْضاً صُوري التي وَعَدْتُكَ بِها. هل أُعْطيكَ ما تشْتري بهِ الصِّباغة مِنَ النُّقود؟ء
ء لا مليكة. شكراً. اٍشْتريْتُ الصِّباغة وكلّ ما يلْزمُني من أدوات. وغداً صباحاً سأبْدَأُ العمل. أنا مَسْرورٌ بِرُؤْيتِكِ مليكة وأشكركِ كثيراً على الصور وعلى مُخاطرتكِ بِلِقائي. أحِبُّكِ يا فاتِنة قلْبي..!ء
ء ـ وأنا كذالك عبد الرحمان! أُحِبُّك!ء
ء فاحْمَرَّ وجْهها خجلاً، فاسْتدارتْ وذهبتْ جارِيَة...ء
ء سمِعْنا أصْوات فتياتٍ يَهْتِفْنَ بِأسْمائِنا:ء
ء ـ عبد الرحمان... مليكة... مليكة وعبد الرحمان...ء
ء ء أدَرْتُ رأسي إلى مصْدرِالأصْوات، فوجدتُ ليلى إبْنة الكوماذْرونَة (القابْلة) في المُسْتشْفى البحري الذي كان قريباً من منازلنا. وهي تُراقِبُنا مع صديقاتها من الفتيات حينَ كُنّا نتحدّث بيننا، فقالت:ء ء
ء ـ أنتما تلْتقيان وتحبّانِ بعضكما أنْتَ ومليكة. سأُخْبِرُ أمّها خالتي خديجة.ء
ء فقلتُ لها مُتذمِّراً من تطفُّلِها:ء
ء ـ أنْتِ يا ليْلى تتدخّلينَ فيما لا يُعْنيك. أوَ ليْسَ لكِ شُغْل لِكي تُراقِبي الناس هكذا؟ء
ء وأجابتْ مُتحدِّية وهي تضْحكُ معَ صديقاتِها من بنات الجيران:ء
ء ـ لا. أخْطَأْتَ أيُّها الفنّان. أنا عِنْدي أشْغال وليْسَ شُغْل واحِد. وسترى البُرْهان هذا اليوْم. وانْفجرتْ مع صديقاتِها في الضّحك وهُنَّ يبْتعِدْنَ..!ء
ء في صباحِ الغد، ذهبْتُ إلى المَخْبَزَة لِشِراءِ الخُبْز. فوجدْتُ على الطّرُق المُزفَّتَة والأرْصِفة، عبارات الحُبّ مثل: عبد الرحمان ومليكة... مليكة + الفنان... مليكة تحب عبد الرحمان... صقلي سعودي..! فعلِمْتُ أنَّ ليْلى المُشاغِبة صاحبة هذه الدِّعاية المَجّانِية، لِتَصْنعَ من حُبِّنا أنا ومليكة، أُسْطورةً أُخْرى مْثْلَ أُسْطورة لارا في باسو االحزين..!ء
ء ومن هذه التّجارِب الواقِعِية التي عِشْتُها مع عشيقاتي رْمومْنَة، ومليكة، ولارا... تيقَّنْتُ أنّ الحبّ الحقيقي غير موْجود عند الإنسان، وأنّهُ عِبارةٌ عن فراشة تائِهة، وشطحاتِ عاطِفية، ونزوات القلب الشّاعِرية، وغرائز جِنْسية لاشُعورية..!ء
يتبع















Commentaires
Enregistrer un commentaire