الفقرة 2 ـ نهاية موسم الحصاد
يوميات فنان مهاجر
بحثاً عن الزّمن المفقود
نهاية موسم الحصاد
نهاية موسم الحصاد
*** ***
. جلس الجميع على أرضية الشّرْفة التّرابية التي كانت مفروشة بزربيةٍ طويلة حمراء من الصوف الخالِص ووِسادات لِلإستلقاء والنوم. واسْتلْقَتْ أختي مرْيَم المعْطوبة مُنْزويةٌ تُعاني ألَمَها الحادّ في أحد أركان البيت بِعمودها الخشبي الذي تضْبِطُ به إيقاع نبضات قلبها السريع الخَفَقان. في حين جلستْ أختاي الصغيرتين ثَمونْتْ وهُوَرِيَة بِجِوارِ أمي التي كانت تصُبُّ الشاي السّاخن لِشقيقها وتتحدّث معه. وأبي العزيز بِجانبها بِسُبحته مُطَأْطِئ الرّأس يسْترِق السّمْع لِحديثِ الضّيْف وشقيقته ويُسبِّح لِربِّ العالمين ..! وجلستْ أختي يامْنة بِجِوارِ أخي مُحمّادي وأنا وعبد الله بِجانبهِما نُقشّر القاوْقاوْ (الفول السوداني) ونشرب الشاي بالنّعْناع.
كان العشاءُ المُهَيَّأ على شرَفِ خالي العرْبي دَسِماً ولذيذاً: المُسَمَّن مع الدّجاج بالمرق والبرْقوق الأسود اليابس، الثّريد (تْريذْ) الذي اجْتَمَعَ حوله أفراد العائلة السّعيدة. ولكن ليس كُلُّ أفراد عائلتي هنا هذا المساء ! أخي عُمَرالذي أسْمَعُ عنه ولم أرَه مات قبل أن أُولَد. وأختي ميمونت أيضاً ماتت رضيعة فخلفتْها أمي بميمونت أخرى هي أصْغرنا اليوم جميعاً. والتي نُفضِّل أنْ نُناديها ثمونت. وأختي الكبيرة يمينة متزوّجة في سِنٍّ لا يتجاوز 14 سنة في "آيْت حْساين" سمعْتُ أنّها ستأتي لِترى خالنا العزيز. أخي الأكبر محمد أظُنّ أنه يسكن في "أزْغَنْغان" يعمل كخيّاط. في حين كان أخي مْحَمّذ مُهاجراً في أوْتْريخْت بهولندا ولا يعود إلى بني سيدال إلا نادِراً لِيحْكينا حِكايات عنِ الرُّوس والميرِيكان ..!
أختي مرْيم الوديعة والجميلة حامِلة عصاها الذي لازمها حتى قَضَتْ نحْبَها. كانت بيضاء اللّون مع شيئ من الإصْفِرار بسبب المرض وعدم الخروج. كانت تشبه بهدوئها وجمالها مريم العذراء. وماتتِ المِسْكينةُ فِعْلاً عذْراء..! كانت مريضة بِعُنْف وقوّة ضربات القلب وبعدم انتظامها التي تحدث نتيجة الإصابة بارتفاع ضغط الدم وتدفُّقه بقوة في الشّرايين، ولذالك كانت تحمل عصى غليظة تضعها على صدْرِها حيْثُ قلبها، وتُسْنِدُها إلى الجدار لِخَفْضِ قوّة الضّربات القلبية التى كنا نسمع نبْضه.
إنْسابتْ أصوات آذان العشاء إلى آذان الحاضرين. إنه صوت نفس المُؤذّن في جامعنا الوحيد في حارتنا (دْشارْ اَنَّغْ). هذا الجامع الذي وقعتْ لي فيه حادِثتين أليمتين:
1ـ الأولى حين طلب مني الفقيه عرْض سورة من القرآن كان قد كتبها لي في لوحتي الخشبية لِأحْفَظَها عن ظهْرِ قلب، فقلِبْتُ بعض عباراتها "يدخُلونَ خَدْوَلو" التي أحفظها عن ظهر قلب بِسبب تِكْرار أخي محمّادي لها مِراراً وهو يضحك معي مازِحاً. فكان أنْ أمَرَ الفقيه أحد الطّالِبان بِتحْميلي لِيُشْبِعني الفقيه المسْعور ضرْباً مُبْرِحاً في رِجلاي حتى سال منها الدم..!
2ـ المرّة الثانية كان يوم تغيّب الفقيه كالعادة عندما يرْغب في "قضاء أغْراض" !، وترك إثنان من الطّلبة الكبار ليحْرُسوننا ونحن نحفظ ونُردِّد القرآن بصوتٍ مرتفع. واعِداً الجميع بالحرية إذا أتوْا ب "التّحْرير". أي أن يترصّد الطلبة مُرور أحد الناس ويسألونه بعض الفرنْكات نُعطيها للفقيه مقابل الجزاء وهو السّماح للجميع بمغادرة "المدرسة". أي عطلة التّحرير. فاتّفق الحارسان بِوضْع الصّبّار الشّوكي بِأشواك كبيرة وغليظة تحت الحصير الذي نجلس عليه ولاسيّما المدْخل قرب الباب. وبعد ذالك صرخ الحارسان معاً :
ـ هناك في الخارج رجل يبدو أنه ميْسور. أسْرِعوا واطلُبوا له نُقود التّحْرير لِنخرج من هذه المدرسة.
فقام الجميع يُهَرْوِلُ نحو الخارج بِمّن فيهم أنا. لِأُسْرع بينهم وأتسابق حافياً جارِياً على الأشْواك التي دخلتْ بعمْق في رِجْلاي الرّهيفتين، لِأخِرَّ ساقِطاً وأنا أبْكي وأصْرخ من شِدّةِ الألم الشّديد ..!
هذه من الذكريات الأليمة جدّاً والتي لا يمكن أن أنْساها أبداً. وكيف أنْساها وقد حُفِرَتْ في ذاكرتي وطَبعَتْ كلّ وجْداني بل وحتى كيفية تفكيري اليوم ؟!
وقام أبي ليُصلي. في حين قامت أمّي وأختي يامنة لِإحْضارِ العشاء ...
في الصّباح الباكر وقبل طُلوع الشّمس، أحْسَسْتُ بيدٍ توقِظُني وأخي عبد الله يهْمِس في أُذُني :
ـ إنْهَظْ لِتَفْطر. لقد تركْتُ لكَ كأْساً مليئة بالشاي.
كُنْتُ أعْرف أنّ هذه اللّطافة النّادِرة مِنْ قِبَلِ أخي عبد الله فيها إنّ. فهو فِطْرياً لا يكون لطيفاً معي إلاّ إذا كانت له مصْلحة يُريدُ قضاءَها. فينْحني قليلاً ريْثما يحقّق مأْربه الأناني. بِالأمْسِ فقط وما قبله، ذهبْتُ كعادتي لِآكل الخبز الحافي مع الشاي البارد في الصّباح الباكر ريْثما تستيقظ العائلة لِتحْظيرالفطور. فلم أجد في البرّاد ولوْ نقطة. وكذالك صباحات الأيام التي قبله. ولكن ما لم يكن يعرفه أخي هو أنني فهمتُ سبب لطافته الفُجائية معي هذه المرّة. فهو يحاول اِسْتِدْراجي لِأكون شريكه وكاتم سِرِّه في سرقة "أرِّفْرِشْكو". ولكن هذه المسْألة لن تكون عقَبَة لِنتفاهم ونشترك في المُخطّط الشّيطاني. لِأنّ مصالحنا المُشْتركة تقاطعتْ هذه المرّة، ولِأني أنا أيضاً أحبّ مذاق "أرِّفْرِشْكو"، ويعجبني
شرابه.
شرابه.
أمّي رحمها الله، و"سْفَيَّة" زوجة خالي العربي، وبِجانبها زكريا مجاهد إبن خالي عبد السلام مجاهد رحمهم الله جميعا
قُمْتُ وذهبتُ توّاً لِآكل الخبزالحافي مع الشاي البارد. وبعد ذالك خرجت إلى الساحة أمام مدْخل باب الدار الواسِع، وصعِدْتُ فوق الصّخرة القديمة لِأرى الأُفق أمامي مُمْتدّاً إلى ما وراء الجبال. وقد بدأتْ أولى خُيوط أشِعّة الشّمس تسْطو على السّماء وتنعكس على الحقول الصّفْراء، لِتَبْدو كسجادِ أصْفر لانِهائي يلُفّ بني سيدال كلّه بسببِ انْتشار أزهارالمَرْغريت ونبات السَّذَاب الأصفر (ثِمَسِّ ثَسَمَّتْ). سمعْتُ مُواء بقرتنا الحمراء ونحْنحة الأحْصِنة في الإسْطِبْل. أعْقَبَها نهيق حِمارخالي ونُباح كلبيْنا "ويذا" و"عَسّاس" الصّديقين. مُنْذُ عام لم يريا حمار خالي في إسْطَبْلِنا مع أحْصِنتنا وبقرتنا. ولذالك ربّما كانا ينْبحان فرِحَيْنِ بِرُؤْية هذا الصّديق الجديد القديم ..!
هذه دارنا ب "بني سيدال"
اِنسابتْ إلى أذُني أصوات غِناءٍ رخيم لِفتياتٍ كُنَّ يقطفن الأعْشاب الخضْراء قُرْب حانوت جارنا بومَدْين الأعْرج الذي كُنْتُ أكرهه. لِأنّه تخاصم يوماً هو وأبي في الجامع أمام كل الناس بسبب وجود دُكّانه الصغير بين أراضينا وفي حُدودها. فكان عندما يفتح حانوته الضّيِّق الشِّبْه فارِغ، يصْطحِب معه بقرته الغليظة فترْعى في حُقولِنا وتأكل زرْعنا طِوال النّهار. وكانت هذه الصّخرة التي أقِفُ فوْقها الآن والتي نرى من فوقها سلسلة جبال بني سيدال التي تفْصِلنا عن السوق الأسبوعي، والتي توجد فيها قبيلة ياثْ غانَم حيث يسكن كل إخوة أبي الثّلاثة. نُقطة المَرْصد وبُرْج المُراقبة التي من فوقها كان أبي يصْعدُ يوميّاً لِحِراسَةِ حُقولنا التي توجد في تلك المنطقة، ويُراقِبُ بومَدْيَن وبقرته الشّرِهة ..!
Jamal Elbouteibi
المَدْخل الرئيسي لِدارنا ببني سيدال والذي علّقَ عليه الصديق الأستاذ جمال البوطيبي بقوله :
" المنزل الذي ولد فيه الرسام المبدع عبد الرحمان الصقلي بأغيل أُمدْغار ؛ ويُذكر ان هذا المنزل تراث يجب ان ترمموه فهذا الباب نموذج من نماذج التراث المعماري الموريسكي اﻷندلسي يشابهه في كثير بدأً من النوافذ الحجرية والأبواب المزيّنة بالمسامير الغليظة ..."
بالعوْدةِ إلى الوراء في حياتي ولوْ أنّني في بِدايتها، لم أعرف كيف وُجِدَتْ هذه الصّخْرة هنا ولا صاحب الفِكرة العبْقرية الذي وضعها في هذا المكان الإسْتْراتيجي ! ولكنها كانت جِدُّ مهمّة من النّاحية الوظيفية. كما أنّ ارْتِفاعها كان جد مُناسِب لِلْوُقوف فوقها والتّمتّع بِبانورامات طبيعة بني سيدال وجباله، ومُراقبة بقرة بومدين الجار العدوّ. ولا زِلْتُ أتذكّر يوم اقْترض أبي ثوْراً أسْوَد من عند شخص كان يسكن في "رْقَضْيَ" لِيُلقِّح بقرتنا الحمراء التي كنتُ أٌسمّيها "بقرتي نورية" التي كنّا نقرأها في كتابنا المدرسي "إقرأ" لِأحمد بوكماخ رحمه الله. وقد طالتِ عملية التّزاوج هذه وقتا طويلا ونحن نسْتمتع بالمشْهد الغريب ونضحك خُفْية، وعبد الله وسْعيذ صهرنا واقف فوق الصّخرة يجْذِبُ إليه البقرة بِعناء، بحبْلٍ في عنقها، وأبي وبوغودان يحاولان مُساعدة الثّور لِيرْكب فوْقَها.
سمعْتُ صوت العبْدة العجوزالسّوْداء تقول لي :
ـ إبني عبد الرحمان، أدخُل لِتتناول الفُطور. المائدة جاهزة.
العَبْدَة التي كانت مِلْك جدّي وأهداها لِأمي بعد زواجها
خرجتْ أمّي أيضاً تطلب مني الدّخول لِتناوُل الفطورالجاهِز. حَدَّقَتْ في وجهي وتأمّلتني وأنا مُتكوِّرٌ فوق الصّخْرةِ السّوْداء الصّمّاء وقالت :
ـ هل تتذكّر إبني عبد الرّحمان يوم كان سيخْطِفُكَ الصّقْرالكبير وأنْتَ مُتقرْفِص قُرْبَ تلك الصّخرة ؟ لقد ظنّ ألصّقر الذي كان يُراقبك من السماء وأنتَ صغير الحجم، أنّكَ أرنب أو فأر، فانقضّ عليك يريد افْتِراسك. أُدْخل إلى الدارلتتناول فطورك الآن.
ـ هل تتذكّر إبني عبد الرّحمان يوم كان سيخْطِفُكَ الصّقْرالكبير وأنْتَ مُتقرْفِص قُرْبَ تلك الصّخرة ؟ لقد ظنّ ألصّقر الذي كان يُراقبك من السماء وأنتَ صغير الحجم، أنّكَ أرنب أو فأر، فانقضّ عليك يريد افْتِراسك. أُدْخل إلى الدارلتتناول فطورك الآن.
إرْتعشْتُ خوْفاً وتذكّرْتُ الحادث الرّهيب يوم اخْتَبَأْتُ وراء الصّخرة لِأتبرّز. داهمتْني قشْعريرة فوقفْتُ على رِجْلاي بعد وُقوف كل شعَر جِسْمي. ساعدتني أمي على النُّزول وحملتْني ثُمّ دخلنا جميعاً وأنا أنظر إلى السماء خَوْفاً من الصُّقور..!
الحياة في بني سيدال
كان جميع أفراد العائلة حاضرون لِتناول الفطور في غرفة أمّي بمن فيهم زوجة أبي للّا ميمونت عيسى المريضة بالصُّداع النِّصْفي المُزْمِن (الشّقيقة). أمّا الرّجال: خالي العرْبي وبوغودان وصهرنا عبد الله وَسْعيذ، فقد فرّشتْ لهم الخادِمات حصيراً وهيْضورات في الشّرفة وسط الدّار لِتناول فطورهم في الهواء الطّلْق صًحْبَة أبي وإخْوتي. وكانوا ينتظرون الفلاّح ميمون نَثْعَبَّسْتْ لِيُساعدهم على بِناء النّادرالضّخْم في البيْدر كما العادة كُلُّ عام. وهي مناسبة يحتفل فيها الفلاّحون بِمحْصولهم الزِّراعي وبنهاية موسم الحصاد ويأكلون الطّعام.
بدأوا يتناولون فطورهم لِتدْخل عيشَةَ مامّا ميمون وهي تقول :
ـ عمّي، لقد جاء ميمون نَثْعَبَّسْتْ وهو في الخارج.
فأمَرَها أبي بِأن تأْذن له بالدّخول.
بعد الفطور، قام جميع الرّجال مُتّجِهين إلى البيدر حيث أكْوام التِّبْن التي كُنّا نلعب فوْقها أنا وأخي عبد الله وإخْوتتي الصغيرتين لُعْبة الغميضة. وأخذ كلٌّ منهم مِذْراته لِجمع وتخْزين التِّبْن وبِنائه على شكل هرمي.
"ثْويزا" حفلة أسْبَدِّ أُرُمْ
لمحْتُ أمّي تُفرِّش هيْضورة ووِسادة لِشقيقها تحت شجرة الصّفْصاف الوارِفة الظِّلال ليتفرّج على الفلاّحين ويسْتمْتِع بطبيعة بلْدتنا، ووضعتْ قُرْبه غُرّاف ماءٍ بارِد وكوب زجاجي. فجرّني أخي عبد الله عائِداً بي إلى المنزل وهو يقول :
ـ هذا هو الوقت المناسب لِسرقة "أرِّفْرِشْكو". أنتَ ستحرس الباب، وأنا أقوم بالمهمّة.
تسلَّلَ عبد الله إلى غرفة خالي العربي في حين بدأْتُ أنا أحرسه مُوهِماً الخادمات وأخواتي أنني ألْعَب مع قِطّتِنا الصّفراء. وبعد لحظات خرج أخي وفي يده كَمْشة من "ارِّفْرَشْكُويات" المختلفة الألوان، وهربنا وراء هضبة من التِّبْن. فقلتُ لِعبد الله :
ـ أرِني يدك كَمْ أخذْتَ من "ارِّفْرَشْكُويات".
فبدأنا نعٌدُّها :
ـ أه آآآه، خمْسة ! لقد سرقْتَ الكثير وسيعرف خالي ذالك !
فطمْأنني أخي عبد الله قائلا:
ـ لا تخف فقد وجدْتُ في حقيبته ثلاث عُلَب كبيرة. هذه المرة سنشبع "ارِّفْرَشْكُو". أنْغَبَّ !
فمدَّ لي كيسان واحتفظ لِنفْسِه بثلاثة أكْياس. فصرخْتُ عليه مُحْتجّاً :
ـ أنتَ تحتفظ بإثنان، وأنا أيضا إثنان، والخامس نُعْطيه لِأخينا مُحمّادي أو أختنا الصغيرة ميمونت. ما رأيك ؟
فانْتزع مِنْ يدي الكيس الخامس بِغضب وقال:
ـ هلْ أنتَ أحْمق ؟ إذا عرف أخي محمادي أو أختنا ميمونت أنّنا سرقنا "ارِّفْرَشْكُويات" لِخالي سيقولانه للجميع وسيغضب أبونا علينا.
إسْتدرْتُ أنظر إلى أبي الذي كان مُنْهمِكاً بِجمْع التّبْن بِمِذْراتِه وقميصه مُبَلَّل بالعرق. فقلتُ لِعبد الله:
ـ يمكن لك الإحْتِفاظ بالخامس شريطة أنْ تُقْرِضني قلمك الرّصاصي لِأرْسُمَ به، أُحِسُّ بِميْلٍ لِلرّسْم والتّلْوين كما العادة. سأذهب للبحث عن كأس ماء لِأشْرب واحد وأترك الثاني للمساء وأبدأُ رسْم بقرتي نورية وأحمد والعِفْريت.
سأُقْرِضُكَ قلمي طبْعاً بَلْ سأعْطيهِ لك، شريطة أنْ تسُدَّ فَمَك وترْبط لِسانك. أمّا ما سنشربه في المساء أوْ غَداً، فلا تُشْغِل بالك بذالك، ففي حقيبة خالنا العربي الكثير منها ..!
سأُقْرِضُكَ قلمي طبْعاً بَلْ سأعْطيهِ لك، شريطة أنْ تسُدَّ فَمَك وترْبط لِسانك. أمّا ما سنشربه في المساء أوْ غَداً، فلا تُشْغِل بالك بذالك، ففي حقيبة خالنا العربي الكثير منها ..!
سمعْتُ أمّي تناديني وتأمرني بِحمْلِ جرّة الماء البارد وغُرّاف من الفخّار وإعطائه لِأبي لِيشرب منه الخَدَم. كان اليوم قد بدأ مُشْمِساً وحارّا، وخرجتِ الخادِمة ميمونت أخت عيشة تقود البقرة لِترْعى التّبْن والأعشاب في حقولنا المجاورة لِلْبيْدر.
الغرفة على يمين الصّورة كانت لِأخي الأكبر الحاج محمد الصقلي بعد زواجه من " إِشَلِّوَنْ"
الغرفة على يمين الصّورة كانت لِأخي الأكبر الحاج محمد الصقلي بعد زواجه من " إِشَلِّوَنْ"
تركتُ أخي عبد الله ودخلتُ الدّار فرِحاً بعد أن أعْطاني قلمه. وجدتُ أختي يامنة وقد سَرَجَتْ حِصاننا الأحمر ووضعت الخابيتان "إقوباش" في الشّواري لِتذهب إلى " ثَرَ نْ تَغْرُتْ" لِجلْبِ الماء. وأختي هُورِية وميمونت الصّغرى جالستان قُرْبَ العبْدة السّوْداء تصنع لهما دُمْية بالقصب والخيط وتلهو معهما كالعادة بعْدَ أن تعِبَتْ وعرقَتْ مِنْ عناء جرِّ الزّرابي ونشْرِها في الشمس. أمّا أمّي وعيشة مامّا ميمون فقد كانتا تُحضِّرانِ طعام الغذاء بالدّجاج (سَكْسو). ولَلاّ ميمونت عيسى بجوارهنّ تُقشّر البصل والقرْعة (ثَخْسَشْتْ).
دخل خالي العربي واتّجَهَ تَوّاً إلى غُرْفةِ إقامته، فخِفْتُ أن يتفقّد عُلب ارِّفْرَشْكُويات فهربْتُ إلى الخارج أبحث عن أخي عبد الله الذي لم أجده. وبعدها رأيتُ خالي يخرج عادياً ويعود إلى مكانه تحت شجرة الصّفْصاف، ثمّ فتح كيْس ارِّفْرَشْكُو وأفْرغه في كأس الماء، وانتظر لحظات لِيذوب فشربه. الحمد لله أنّهُ لم يُلاحظ شيئاً غير عادي.
دخل خالي العربي واتّجَهَ تَوّاً إلى غُرْفةِ إقامته، فخِفْتُ أن يتفقّد عُلب ارِّفْرَشْكُويات فهربْتُ إلى الخارج أبحث عن أخي عبد الله الذي لم أجده. وبعدها رأيتُ خالي يخرج عادياً ويعود إلى مكانه تحت شجرة الصّفْصاف، ثمّ فتح كيْس ارِّفْرَشْكُو وأفْرغه في كأس الماء، وانتظر لحظات لِيذوب فشربه. الحمد لله أنّهُ لم يُلاحظ شيئاً غير عادي.
كان الخدمة مُنْهَمِكين في رَصِّ وتكْديس التِّبْن الذي بدأ يتشكّل على صورة مُسْتطيل وبدأ يرْتفع مُسْتوى عُلوِّه. ثم ألْبسوه شبكة سوداء مُعزّزة بحجارة في أسْفَلِه حتى لا تُتْلِفه الرّياح وتُأكله الدّوابّ والطيور. ثم دخل الجميع إلى الدار وغسلوا أيديهم في الشّلاّل وجلسو على الشّرْفة وسط الدار الِتناول الطّعام ...
وضعتِ الخادمات بِإشْرافِ أمّي ثلاث موائد لِثلاث مجموعات : مائدة على اليمين لِلرّجال. ومائدة في الوسط لنا نحن الإخوة الأربعة الصِّغار. ومائدة على اليسار لِلنِّساء.
لاحظْتُ أخي عبد الله يسْتحْوِذ على قطعة اللّحم الكبيرة في صمْتِ أختاي هورية وثَمُونْتْ كما كُنّا نسمّي أختي الصُّغْرى، فلم أُرِدْ أنْ أُجادِلَه لِأنه كبيرنا حوْل هذه المائدة، ولِأنّه يقسِمُ معي ما يسرقه من ارِّفْرَشْكُويات. وبعد أنْ اِنْتهيْتُ من الأكل، أخذْتُ مِحْفظتي وأدواتي وورقة كبيرة، وانْبَطَحْتُ على بطْني فوق حصير، وبدأْتُ أُلَوِّن وأرْسُم بقرتي نورِية وأحمد والعِفْريت وأرَدِّد بعض السّور والأناشيد. إلى أنْ حملتْني أجْنِحة النّوْم إلى عالمٍ قدْ يكونُ جديد!..
يتبع











