الفقرة ـ 23 ـ شارع مولاي رشيد
شارع مولاي رشيد
*** *** ***
ن نحن الآن في شارع المغرب العربي بالناظور. بَعْدَ 15 سنة مِنْ هِجرتِنا مِنْ بني سيدال. تائهٌ بِذاكِرتي في ذِكْرياتِ الماضي العتيد والبعيد. ولا زِلْنا معَ أمِّنا المريضة نُصارِعُ البُؤْس والأمْراض وأزمات الدّهْر القاسِية وظُروف الوُجود القاحلة. أنْتقِلُ بيْنَ المُسْتشفيات والأمْراض، وأحْلامي المُسْتغيثة التي تُحاوِلُ الأقْدارُ إجْهاضها... والحياة سائِرةٌ في زمنِ اللاّمُبالاة اللّعين..!ء
ء بَدأْنا ننْسُجُ روابِط وعلاقات جديدة مع سُكّانِ حارتِنا وأهْلها الطَّيِّبين. فكّرْتُ في صديقتي رْمومنة التي اِكتشفتُ معها معنى الصداقة وعُذوبتها في "بوبْلاوْ". لِتُطَوِّحنا الأقدار وّ طوائحُ الزَّمن في ضبابِ الحياة ودهاليزها، بعيديْنِ عن بعضِنا بِلا معْنى ولا مُبرِّر مُسْتساغ لِمَحْوِ هذه الذِّكْرى الجميلة. والآن بَزَغَ في قلبي حبّ مليكة التي لَسْتُ أدْري أيْنَ ستقودُني معها هذه العلاقة الوجْدانية الجديدة التي انْبثقتْ صُدْفةً من أعْماقِنا، ولا في أيّ بحْر ستقْذِفُنا. ولا متى سَتنْتهي كل هذه السِّلْسِلة من الأحداثُ المزعجة والتّراجيدية في حياتِنا مُنْذُ هِجْرتِنا..!؟ءء
ء أنا هذا العام في الملاحظة بِثانوية الكِنْدي التي كرّرْتُها سببِ مرضي بِداء الكلب المَوْهوم الذي بِسببِهِ بقيتُ 21 يوْماً في مستشفى الفارابي بِوجْدة. أتذكَّرُ أيّام أُستاذنا الخليفي الذي كان من عائلتنا، والذي بُمجرّدْ أنْ ندخُلَ القِسْم، إلاّ وننْفجِرُ ضاحِكين عندما نراه أنا وصديقي الحميم حسين الحليمي إبْنُ الزّعيم، أحدُ أكْبر الأثْرِياء في الناظور. لِأنَّ الأستاذ الخليفي كان بِمُجرَّد أن ندخل القسم ونجلس في أماكِننا المُعْتادة، يفتح كِتاب التِّلاوَة، ويأمرنا بِقراءةِ إحْدى الفقرات، إلاّ ويبْدأُ في مَشْطِ شعرِهِ على كتاب التلاوة. مِمّا كان يجعلنا أنا وصديقي نسْترِقُ النّظَر إليْهِ ونضْحك، وهو مُسْتغْرِقٌ في المَشْط..! كذالك أتذكّرُ أستاذ العربية "رُسْتُم" في المُلاحظة. وأستاذ الفرنسية مَسْيو "دي بْوا" الذي كان يصْعدُ فوقَ مكْتبِهِ لِيُراقِبنا خلال الاِمْتِحانات بِسببِ التِّلْميذ "البَكّاي" الذي كان بَطلاً في تِقْنِياتِ الغَشِّ والنّقل في الإخْتِبارات والاِمتحانات، والذي كان يُعْرَف بِرقم 2002 الذي لا زِلْتُ أحْفظهُ إلى الآن. كان مَسْيو "دي بْوا" يستعملُ الأرقام لِمعرفةِ التلاميذ، لِأنّها طريقة أسْهل من معرفة أسمائهم الحقيقية بالعربية والأمازيغية التي كانت مُعقَّدة بالنسبة له وغريبة، مثل أسماء: بوشًوّاف، وشعْطوف، وبُورَقْشوع، وبوراس، وبويْرَغْمان، وبوفْراقش، وبوثْغاط، وبوشَنْقوب وو... كما أتذكّرُ أستاذ التّاريخ والجغرافية مَسْيو "رودْروكاز" الذي كان جادّاً وحاسِماً في عملِه. والذي وقعَ لنا معه مُشْكِل اِضْطرَّ لِطلبِ المدير التّدخُّل لِمَعْرِفة التّلميذ الذي تجرَّأَ وكتب عِبارة مُشينة على السّبّورة خلالَ الاِسْتِراحة.ء
ء كان اليوم الإثنين. وكانت حِصّةُ الدّرس ساعتين مُتوالِيَتيْن. درّسَنا الأستاذ الفرنسي "رودْروكاز" السّاعة الأولى في التّاريخ. ودقَّ الجرس مُعْلِناً وقْت الاِسْتِراحة التي تدومُ رُبُع ساعة. وخِلالَ الإسْتِراحة، تسرَّبَ إلى القِسْم ثلاثة تلاميذ وهم أنا، وحسن السقِّالي وتلميذ آخر نسيتُ اسْمَه: فأخذ حسن الذي كان مُتفوِّقٌ في الفرنسية، قِطْعة طباشير حمراء وكتبَ هذه العِبارة اللّعينة:ء
ء وكان الأستاذ الجراري سعيد يُدافِعُ عنّي ضِدَّ تهجُّمات التّلميذ حسن أخنّوس العديم الأب، وسوء سُلوكِهِ الخشِن وحسده لي. فكان الأستاذ الجراري يدافع عني بتأنيبه لِأخنّوس وتنْبيهِهِ أن الفنانين عُموماً أشْخاص رقيقي المشاعر وحسّاسين، وأنَّ المشاكِل التي كان يفْتعِلها ضِدّي إنّما تُعبِّرُ عن إحْساسِهِ بِالنّقْصِ والدّونِية ليس إلاّ. وأنّهُ بِذالِكَ الحِقْد المُوَجَّه ضِدّي، إنّما يُعبِّر عن مرضِه وفراغِهِ الفِكْري، وبُعْدِهِ عنِ جوْهر الفن وطبيعة الفنّانين..!ء
ء كان هذا اليوم من شهرِ يونْيو 1974 ساخِنُ الجوّ في الناظور. وقد فاجَأنا أخي مُحمّادي الذي عادَ من ألْمانْيا خاوي الوِفاض وبِدونِ فائِدة. اللّهُمَّ ورقة خضْراء، ألْف مارْك ألْماني الذي أعْطاهُ لِلْوالِدة لِكيْلا تغْضب من عدم جدْواه من الخارِج، وعدم الحُصول على الأوْراق الألْمانية. كما اكْتظَّتْ دارنا بِسببِ مجيء إثْنانِ من أوْلادِ خالتي عائِشة المُجاهِد لِيَسْكنوا معنا لِإتْمامِ دراستهم الثّانوية في الناظور، نظراً لِانْعِدامِ المدارِس في "آيْت شيشار" حيْثُ كانوا يسْكُنون هذه المنطقة المُهَمّشَة والمَقْصِيّة من كل تنمية أوْ مدارس على الأقلّ. ولهذا السّبب يبقى الناس جاهِلون لِانْعِدامِ البُنى التّرْبوية، ويضْطرّوا إلى هِجْرةِ قُراهُم وبواديهم الأصْلية ومَسْقط رأسِهم هرباً من المُعاناة والضّياع، كما فعلْنا جميعاً. ولا زالَ نزيف الهِجْرة الدّاخِلية مُستمِرّ مع الأسفِ الشّديد. وقد رجع أبناء خالتي عائشة المجاهد إلى دارِهم بعد بِضعة أشْهُر من الدّراسةِ في الناظور بِخُفَّي حنين وبِدونِ فائدة..! فضْلاً عن إلْحاحِ مالِكِ الدار السّيّدعبد الله الملّوكي بالزّواج بِأختي حورية التي رفضتْ ذالك لِفارِقِ السِّنِّ بيْنهُما، رغْمَ أنّهُ كان ناضِجاً عقْلياً وذو سُمْعة طيِّبَة وذو أمْلاك ويتيم الأب..!ء
عن دارٍ جديدة أوْسَع لِتسْتوْعِب هذا العدد من فْرادِ عائِلتِنا المُتضخِّمة..! فوجَدَا داراً جديدة وضيِّقة في شارع مولاي رشيد في قلْبِ المدينة. وكانت شُقّتنا الضّيِّقة والقديمة تتكوّن من ثلاث غُرف ضيِّقة، وفناء وسط الدّار، ومطبخٌ صغير ومِرْحاض بِدوش. وتوجد في الطّابَقِ الأوّل، بِدُرْجٍ ضيِّق أيْضاً. وتَحْتنا كان إبْنُ المالِك الحاج حَدّو يسْتغِلُّ المَسكن السُّفْلي، أو السُّكْنى السُّفْلِيَة كمحلٍّ لِلنِّجارة بِآلةٍ قديمة تُزْعِجُ كلّ سُكّان الحارة، وتُهدِّدُ دارنا الآيِلَة لِلْإنْهِيارِ. وهذا ما وقَعَ فِعْلاً بَعْدَ بِضْع سنوات..! ولِذالِكَ كان ثمن الكِراء أغْلى من دارنا في شارع المغرب العربي بِفارِقٍ ضئيل، وهو 25 درهماً فقط. أي 125 درهماً شهْرياً في ذالِكَ الوقْت. نظراً لِانْعِدامِ وُجود الماء الصّالِح لِلشُّرْبِ فيها، ما عدا البِئْر العميقة التي كانت موْجودَة تحت دُرْجِ شُقّتِنا أمامَ باب مدْخل الدّار. والذي كان يجبُ تشْغيلَهُ ثلاث مرّاتٍ في اليوم لِمَلْءِ وتخزين المياه التي نحتاجها يومياَ لِلشُّرْبِ والنّظافة في بِرْميلٍ كبير من الإسْمَنْتِ فوْقَ السّطْح. وهذا كان يزيدُ منَ الضّجيج المُحيط، كما يزيدُ إلى أعْباءِ العائلة مشاكِل أُخْرى، ومِنْها اضْطِرارُ أختي ثمونْتْ لِمُراقبةِ البِرْميل لِكيْلا يفيض على السّطْح ويقْطر علينا في البيت..!ء
و مَضَتْ أيامٌ وأعْوام وأنا تلميذ في ثانوية الكِنْدي. أذْهبُ إليْها وأعود أرْبَع مرّاتٍ في اليوم على رِجْلاي. وقد وجدْتُ عملاً كَموظَّف استقبال في فندق وحانة عْمَرْ الرّيفي وراء مَبْنى العمالة القديم. والذي جاء من مليلية لِيَسْتَثْمِرَ أمْوالَه في مدينتنا الجميلة، ويًساعِد في النُّهوظِ والإقْلاع بِاقْتْصادِ إقْليمنا. كنْتُ بِحاجةٍ إلى 600 درهم لِشِراءِ درّاجةٍ هوائيةٍ حمْراء لِأذْهب بها إلى مدرسة الكِنْدي. ولا زِلْتُ أتذكّرُ كُلّ ذِكْرياتي في هذه الثّانوية التي أمْضَيْتُ خمس سنوات من الدِّراسة والإجْتِهاد بين جُدرانِ أقسامِها... ء
ء كان اليوم الإثنين. وكانت حِصّةُ الدّرس ساعتين مُتوالِيَتيْن. درّسَنا الأستاذ الفرنسي "رودْروكاز" السّاعة الأولى في التّاريخ. ودقَّ الجرس مُعْلِناً وقْت الاِسْتِراحة التي تدومُ رُبُع ساعة. وخِلالَ الإسْتِراحة، تسرَّبَ إلى القِسْم ثلاثة تلاميذ وهم أنا، وحسن السقِّالي وتلميذ آخر نسيتُ اسْمَه: فأخذ حسن الذي كان مُتفوِّقٌ في الفرنسية، قِطْعة طباشير حمراء وكتبَ هذه العِبارة اللّعينة:ء
ء Au Diable l'histoire! = "! إلى الجحيم أيُّها التّاريخ"
ء عندما عُدْنا في الصّفِّ مع الأستاذ "رودْروكاز" لِمُواصلةِ الحِصّة، تفاجَأَ بِالعِبارة الحمْراء المَكْتوبَة على السّبّورة. وغضِبَ غضباً شديداً. وبدأَ يقومُ بِتحرِّياتِه ويسْألُ عن كاتِبِ العِبارة . ولمّا فشَلَ في معْرِفةِ الجاني، أرْسلَ تلميذاً لِيَسْتدْعِيَ المُدير الذي غضِبَ بِدوْرِه، ولكنّهُ لمْ يسْتطِعْ فِعْل أيّ شيء ما عدا توْبيخنا تضامُناً مع الأستاذ الأجْنبي الذي أتى لِيُعلِّمَنا..!ء
ء كما لا أنْسى الأستاذ "لمغاربي" الرّائع حين كان يقرأ إنشاآتي على المُدرِّسين في قاعة الأساتذة خلال الإستراحة ويفْتخِرُ بي. وصديقي الواعي الأستاذ الجراري سعيد الذي كان رئيس خلية تنظيم الأنْشِطة الفنّية والأدبية في الثّانوية، ويُعلّمُ التلاميذ فُنون المَسْرح والتّمْثيل والدّراما. وكُنْتُ أنا الفتى البارِز الذي يترأّسُ لجْنَة الأنشطة الفنية التي كنا نقوم بها داخل الثانوية، بِما في ذالِكَ تنْظيم مسْرحِيات واسْكِتْشات ومعارِض فنّية خلال بعض المُناسبات والحفلات، وكِتابة الشِّعر والقِصّة القصيرة التي نشرتُ إحْداها في مَجلّتِنا المدرسية التي كنتُ أتعاون فيها مع أستاذِنا الفنان سعيد الجراري على الإشْرافِ عليها. كما نشرْتُ بعضها في جريدة الاِتّحاد الاِشتراكي و"المُلْحق الفني" الأسْبوعي لِجريدة العلم عام 1975...ء
مع صديقي العزيز الأستاذ المحترم سعيد الجيراري في ثانوية الكِنْدي سنة 1973. آخر سنة في هذه الثّانوية. بعدها سأنتقل إلى الرِّباط
ء
ء كان هذا اليوم من شهرِ يونْيو 1974 ساخِنُ الجوّ في الناظور. وقد فاجَأنا أخي مُحمّادي الذي عادَ من ألْمانْيا خاوي الوِفاض وبِدونِ فائِدة. اللّهُمَّ ورقة خضْراء، ألْف مارْك ألْماني الذي أعْطاهُ لِلْوالِدة لِكيْلا تغْضب من عدم جدْواه من الخارِج، وعدم الحُصول على الأوْراق الألْمانية. كما اكْتظَّتْ دارنا بِسببِ مجيء إثْنانِ من أوْلادِ خالتي عائِشة المُجاهِد لِيَسْكنوا معنا لِإتْمامِ دراستهم الثّانوية في الناظور، نظراً لِانْعِدامِ المدارِس في "آيْت شيشار" حيْثُ كانوا يسْكُنون هذه المنطقة المُهَمّشَة والمَقْصِيّة من كل تنمية أوْ مدارس على الأقلّ. ولهذا السّبب يبقى الناس جاهِلون لِانْعِدامِ البُنى التّرْبوية، ويضْطرّوا إلى هِجْرةِ قُراهُم وبواديهم الأصْلية ومَسْقط رأسِهم هرباً من المُعاناة والضّياع، كما فعلْنا جميعاً. ولا زالَ نزيف الهِجْرة الدّاخِلية مُستمِرّ مع الأسفِ الشّديد. وقد رجع أبناء خالتي عائشة المجاهد إلى دارِهم بعد بِضعة أشْهُر من الدّراسةِ في الناظور بِخُفَّي حنين وبِدونِ فائدة..! فضْلاً عن إلْحاحِ مالِكِ الدار السّيّدعبد الله الملّوكي بالزّواج بِأختي حورية التي رفضتْ ذالك لِفارِقِ السِّنِّ بيْنهُما، رغْمَ أنّهُ كان ناضِجاً عقْلياً وذو سُمْعة طيِّبَة وذو أمْلاك ويتيم الأب..!ء
عبد الله الرِّيفي الملّوكي
.
ء وَعندما لاحظْنا أنَّ هذه الوضعية غير قابل لِلْإحْتِمال، أمرتْ أُمّي أخَوايَ مُحمّادي وعبد الله أنْ يبْحثا عن دارٍ جديدة أوْسَع لِتسْتوْعِب هذا العدد من فْرادِ عائِلتِنا المُتضخِّمة..! فوجَدَا داراً جديدة وضيِّقة في شارع مولاي رشيد في قلْبِ المدينة. وكانت شُقّتنا الضّيِّقة والقديمة تتكوّن من ثلاث غُرف ضيِّقة، وفناء وسط الدّار، ومطبخٌ صغير ومِرْحاض بِدوش. وتوجد في الطّابَقِ الأوّل، بِدُرْجٍ ضيِّق أيْضاً. وتَحْتنا كان إبْنُ المالِك الحاج حَدّو يسْتغِلُّ المَسكن السُّفْلي، أو السُّكْنى السُّفْلِيَة كمحلٍّ لِلنِّجارة بِآلةٍ قديمة تُزْعِجُ كلّ سُكّان الحارة، وتُهدِّدُ دارنا الآيِلَة لِلْإنْهِيارِ. وهذا ما وقَعَ فِعْلاً بَعْدَ بِضْع سنوات..! ولِذالِكَ كان ثمن الكِراء أغْلى من دارنا في شارع المغرب العربي بِفارِقٍ ضئيل، وهو 25 درهماً فقط. أي 125 درهماً شهْرياً في ذالِكَ الوقْت. نظراً لِانْعِدامِ وُجود الماء الصّالِح لِلشُّرْبِ فيها، ما عدا البِئْر العميقة التي كانت موْجودَة تحت دُرْجِ شُقّتِنا أمامَ باب مدْخل الدّار. والذي كان يجبُ تشْغيلَهُ ثلاث مرّاتٍ في اليوم لِمَلْءِ وتخزين المياه التي نحتاجها يومياَ لِلشُّرْبِ والنّظافة في بِرْميلٍ كبير من الإسْمَنْتِ فوْقَ السّطْح. وهذا كان يزيدُ منَ الضّجيج المُحيط، كما يزيدُ إلى أعْباءِ العائلة مشاكِل أُخْرى، ومِنْها اضْطِرارُ أختي ثمونْتْ لِمُراقبةِ البِرْميل لِكيْلا يفيض على السّطْح ويقْطر علينا في البيت..!ء
citerne béton خزّان الماء الإسْمنْتي، البرميل
أختي ثمونْتْ فوْقَ سطْحِ دارِنا تراقب البرميل
آ قرَّرْتُ الإشتغال عند عْمَرْ أريفي في مشروعه الجديد في الناظور: فندق ومطعم ومقهى، الذي كان في الواقِع حسب ما يُروِّجُهُ أعْداء هذا المشْروع الاِسْتِثْماري حانَةً وبار. كنتُ أشتغل كمسؤول عن الِاستِقبالات وأجيبُ على الهاتف لِتلبية رغبات نُزلاء الفندق عندما يريدونَ مأْكلاً أوْ شراباً، فَيَتّصلون بي عبر الهاتف المركزي من غُرفِهِم. فأرسل النّادل لِيحمل لهم ما يطلبون. اِشتغلتُ شهرا فقط بسبب حادثة هُجوم بعض الجيران والمُواطِنين وعلى رأسهم الرجل العربي الأسمر. فكسّروا كل شيء ولاسيّما زُجاجات الخمْر، وتعدّوْا على الموظّفين وجرحوا منهم إثنان وقلبوا كل الطاولات، تارِكينَ مُوظَّفو الفندق مطْروحين على الأرض التي تلطّختْ بِدِمائِهِم. لِأنّ المقهي في نظرهم كان عِبارة عن بار وحانة يؤُمُّهُ السُّكارى، والفندق ما هو إلاّ مجموعة أوْكارٍ لِلدّعارة كما يقولون. وقد شاهدتُ ذالك بِأمِّ عيني عندما كان يدخل الزُّبناء مع فتياتٍ جميلات إلى غُرْفة 102 من حيْثُ كان يهتف لي أحد الرّجال الأثْرِياء كل مرّة لٍيطلب 6 زجاجات من جُعة سْتورْك واسْبيسْيال، وطَبَق من السّمك. فكنتُ أتمنّى أن أكونَ في مكانِ الرّجل المَحْظوظ، وتكون عندي إمْكانيات لِأعيش و"أتبرّعُ" مثله، أرقُصُ مع الغواني وبائِعات الهوى وأسْتمْتِعُ بِأغاني أمّ كلْثوم الرّائعة مِثل التي كانت تنْسابُ من غُرْفتِه 102، كهذه ليلتي، ويا مْسهَّرْني وأغداً ألْقاك، وألف ليلة وليلة..! فكان عندما يتّصِلُ بي هاتِفياً لِيطْلُبَ مزيداً من الخمْرِ والأكْل والسّجائر، أسْمعُ أنْغامَ تلك الموسيقى الشّرْقية التي تصْدحُ في غُرْفتِه، فأُحلِّقُ عالِياً بِخيالي وأنا أُراقِصُ غواني الخيال، وأترنّحُ بِالسُّكْرِ بِكأْسٍ من الشّاي، وأنا أرشفُ الخمْرَ الوَهْمي مُستمْتِعاً بِالأوْهام والرّقص مع حورِ العين والرِّجال الأحْرار، على كُرْسِيِّ عملي بيْنَ الفنْدقِ والبار..! ء
ء إشْتغلْتُ شهر يوليوز فقط مع الأسف بِسببِ تِلْكَ الأحْداث الغريبة المُفاجِئة والخارِجة عن القانون! فاشتريت الدّرّاجة الهوائية الحمراء الجميلة التي أحْلُمُ بها. كنتُ رأيتُها في شارع الجيش الملكي وعشقتها قبل بدايةِ العمل. لِأذهب عليها إلى ثانوية الكندي البعيدة، والتي كنا نراها من المحطّة لِانعدام البناء في تِلْكَ النّواحي. وهذه الدّرّاجة بِعْتُها لِكاتِب الجمعية الجديد، صديقي سّي عبد السلام البوديحي، الذي أدْخلهُ أخوه الحاج مْحمَّذ البوديحي رحمه الله، يوم كان رئيساً لِلتّعاون الوطني الإقليمي، ككاتِب في الجمعية الخيرية، والذي سيُصْبِحُ صهري وزوج لأختي الصغيرة حورية في المُسْتقبل القريب..!ء
ء إشْتغلْتُ شهر يوليوز فقط مع الأسف بِسببِ تِلْكَ الأحْداث الغريبة المُفاجِئة والخارِجة عن القانون! فاشتريت الدّرّاجة الهوائية الحمراء الجميلة التي أحْلُمُ بها. كنتُ رأيتُها في شارع الجيش الملكي وعشقتها قبل بدايةِ العمل. لِأذهب عليها إلى ثانوية الكندي البعيدة، والتي كنا نراها من المحطّة لِانعدام البناء في تِلْكَ النّواحي. وهذه الدّرّاجة بِعْتُها لِكاتِب الجمعية الجديد، صديقي سّي عبد السلام البوديحي، الذي أدْخلهُ أخوه الحاج مْحمَّذ البوديحي رحمه الله، يوم كان رئيساً لِلتّعاون الوطني الإقليمي، ككاتِب في الجمعية الخيرية، والذي سيُصْبِحُ صهري وزوج لأختي الصغيرة حورية في المُسْتقبل القريب..!ء
ء أمّا أخي عبد الله، فقد اِشْترى بِدوْرِه درّاجة نارِية حمْراء نوْع موبيليتْ الجديدة، بعد بِدايةِ عملِه كمُعلِّم في مدرسة اِبْتِدائِية في قبيلة "إرَحْيَنَنْ" (لَحْيايْنة)، حيثُ تسْكن أختي "تْلايَتْماس"، والتي كانت بعيدة من الناظور وأزْغَنْغان...ء
ء اِسْتقرَّيْنا في هذه الدار في شارع مولاي رشيد مُدّةً طويلة، وبدأَ أخي الكبير محمّد يأتي إليْنا لِيزورنا، ويبحث عن محلٍّ تِجاري لِلْخِياطة في الناظور. كما كان يتردَّدُ عليْنا خالي عبد السّلام المُجاهِد رحمه الله، والذي كان مُعلِّماً في مدرسةٍ بِنواحي بني انْصار، ووَجَدَ وظيفة في الغُرْفة التِّجارية قُرْبَ المَنْزَه في الناظور، لِيكونَ قُرْبَ أُخْتِه. وانْتشرتْ عَدْوى الرّحيل الذي بدأتْهُ أمي رحمها الله، لِتَشْمَل أخْتي يمينة التي نجح زوجها في إيجادِ عمل في ألْمانْيا. فرحلتْ مع أبنائها من "آيت حْسايَن" إلى إزْغَنْغان. وفتحَ ابنُها الكبير محمد مكتبة قُرْبَ مسْكنِهِم في الشارع الرئيسي، وطلب مِنّي كِتابة "مكتبـــة الحريّـــة" بِأحْرُفٍ بارزة حمراء على جِدار المكتبة مُقابِل 100 درهم... ء
ء وعندما أصابني الإرْهاق، صعدْتُ فوق السّطحِ أتفقّد زوْج الأرانب الذين اشْترتهما أمّي من السّوق لِتربيتهما من أجل الإسْتهلاك، عندما سمعْتُها تُناديني:يء
ء ـ عبد الرحمان، إشْعل موتور الماء من فضْلِكَ يا ابني.ء
ء كان اليوْم السّبت، والوقت رمضان، والحرارةُ شديدة، والناسُ صائِمة. اِرْتفعتْ أصواتُ آذانِ العصْرِ من فوق مآذِن المدينة الهادِئة.ء
ء خرجتْ أمّي لِتشتري لوازِم الحريرة والعشاء، واستلْقيْتُ على السّدّاري في قاعة الجلوس مع إخْوتتي حورية وثمونْت الّلتان كانتا تتحدّثانِ بِالإسْبانية، وتتأمّلانِ ألْبوم صور عائلتنا وتطْرُزان. وأنا أقرأ مجلّة "العربي" لِلدّكتور أحمد زكي.ء
خالي عبد السلام المجاهد، وأخي الكبير الحاج محمد السقالي
ء كُنْتُ في دارِنا أُهيِّئُ بعض المَهامّ التي يجب أنْ أقومَ بِها هذا اليوم، وأقرأ كتاب "هربرت ماركوز" عن أُفولِ الحضارة، وكيفية استعباد الإنسان في مجتمع التقنية والعقلانية الأداتية ، حيث صار الإنسان مُسْتلَب لِصالِحِ فيْض إنتاجي استهلاكي، وأصبحتِ الرّأسمالية الصّاعِدة التي كانت تحْملُ إمكانيات جديدة لتحرير الإنسان وتَعِدُهُ بالحرية والاِنْعِتاق من عُبودية الفيودالية التي كانت مُهيْمِنة على عُقول البشر، مُدعَّمة بالكنيسة واللاّهوت المُدَنَّس. لكنها ما لبـثت أن أصبحت عائقاً في وجه هذا التحرير، لِيسْقط الإنسان في عُبودية أخرى أشدّ..!ء
ء ـ عبد الرحمان، إشْعل موتور الماء من فضْلِكَ يا ابني.ء
ء كان اليوْم السّبت، والوقت رمضان، والحرارةُ شديدة، والناسُ صائِمة. اِرْتفعتْ أصواتُ آذانِ العصْرِ من فوق مآذِن المدينة الهادِئة.ء
ء خرجتْ أمّي لِتشتري لوازِم الحريرة والعشاء، واستلْقيْتُ على السّدّاري في قاعة الجلوس مع إخْوتتي حورية وثمونْت الّلتان كانتا تتحدّثانِ بِالإسْبانية، وتتأمّلانِ ألْبوم صور عائلتنا وتطْرُزان. وأنا أقرأ مجلّة "العربي" لِلدّكتور أحمد زكي.ء
ء سمِعْنا طرْقاً على الباب وأصْوات الأحْذِية في الدّرْج تصْعد إلى دارنا:ء
ء ـ أهْلاً عمّي عبد الرحمان. كيف حالك أيّها المجتهد؟ء
ء يا لَلْمُفاجأة! كان صوت أحمد المُجاهد إبن خالي العربي رحمه الله. ومعهُ أحمد الصقلي إبن أخي الكبير الحاج محمد، ومحمد البوحْميدي إبن أختي الكُبْرى الحاجة يمينة. سلّموا على إخوتتي، فسألْتُهم:ء
ء ـ مِنْ أين لكم هذا الطّريق أيّها العفاريت؟ هذا يومٌ كبير! مرْحبا بكم.ء
ء ـ تُرحِّبُ بِنا أيّام الجوع! أجاب البوحْميدي وهو يمْزح كالعادة عندما نلْتقي.ء
ء نظروا إلى إخْوتتي وقال أحمد إبن أخي يسألُني:ء
ء ـ عْزيزي، هل أنتَ صائِم؟ء
ء ـ أصومُ فقط عندما لا أجِدُ ما أكُل أحمد. لِماذا تسْأل؟ء
ء ـ هل يمكن أنْ تأْتي معنا لبعْضِ الوقت؟ء
ء ـ لِمَ لا.ء
ء وقالت أختي حورية:ء
ء ـ لا تذْهبوا. اِجْلِسوا لِتفْطروا معنا اليوم. نادِراً أن نراكُم تلْتقونَ هكذا جميعاً.ء
ء فقال لها أحمد المُجاهِد:ء
ء ء ـ شكرا لكِ حورية. سآتي مرّةً أخْرى. كيف حال أمُّكِ، عمّتي مامّة بِخير؟ء
ء ـ بِخير والحمد لله.ء
ء ـ عبد الرحمان، اِشْتريْنا الهَنْدية والخُبْز والعِنب ومونادا. نُريدُ أن نأْكُل.ء
ء ـ أدْخُلوا إلى الدار إذن. أمّي ليْسَتْ هُنا.ء
ء فتدخّلَ حفيدي البوحْميدي الذي كان يكْبرني في العُمْر:ء
ء ـ لا يُمْكِن أن نأكل هنا. وإذا جاءتْ جدّتي وفضحتْنا!؟ في السّطْحِ أحْسن. مَسْتور!ء
ء وخرجْنا جميعاً وصعِدْنا الدّرْج. وجلسْنا قُرْبَ باب السّطْح وبدأْنا نأكُلُ بِنَهَم كالجائِعين مُنْذُ عهْدِ عاد..!ء
ء جلسْنا في الدّرْجِ وراء باب السّطْح لِأنّهُ مكانٌ مَسْتور لا يرانا فيه أحد. وهبطْتُ أبحثُ عن سِكّينٍ وسَطْلٍ مَمْلوء بالماء لِغسْلِ التّين الشّوْكي (ثَهَنْدَشْتْ) والعِنَب. وبدأنا نأكُل بِشراهة. كان الجوعُ والعطَش قد أنْهَكَنا لِدرجةٍ اِخْتلَطَ في أذْهانِنا شعْبان ورمضان!ء
ء لمْ نُحِسّ بِمُرورِ الوقت لِشِدّةِ جوعِنا وانْهِماكِنا في الأكْل. كان الوقْتُ مساءً، وأصْداء ضجيج المدينة المُزْدحِمة بالبشر والسّيّارات في هذا الوقت من رمضان، المُخْتلِط بِصِياح باعة الخُضر والفواكه على العربات الخشبية التي تجُرُّها الحمير والبِغال، تتناهى أصْداؤُها إلى آذانِنا ونحن مُنْهمِكينَ في الأكْلِ الشّرِه والمَضْغِ والضّحِك. وفجْأة، سكت الجميع وكأنَّ على رُؤوسِهِم الطّيْر! فتأمّلْتُهم واجِمين. ولمّا الْتفَتْتُ إلى ورائي حيث ينْظُرون. كانتْ أمّي المِسْكينة جامِدةً في مكانِها ِبِإِزارِها الأبيض والأعْشاب الخضْراء في يدِها لِأرانِبنا فوْقَ السّطْح، وهي تُحدِّقُ بِرُعْب في وُجوهِنا بِعُيونِها الجاحِظَتيْنِ ونظْرتها المُسْتنْكِرة، ونحن نأكل نهاراً في الشّهْرِ الحرام ورمضان الكريم! فرَمَتِ الأعْشاب في الأرض وعادتْ أدْراجَها وهي تصْرخ وتُوَلْوِل وتبْكي..! وسمِعْناها تَسْقُط على الأرض، وتتوعّد وتُهدِّد، ونحن نرْتجِفُ خجلاً:ء
ء ـ يا بناتي، نحن نعيشُ مع الكُفّار وأوْلاد الحرام! واللـــــهِ العظيم، سأُنادي البوليس الآن...ء
يتبع







Commentaires
Enregistrer un commentaire