الفقرة 24 ـ ترْميم بيْتنا العتيق


ترْميم بيْتنا العتيق

يوميات فنان مهاجر   
 بحثاً عنِ الزمن الضّائع



مع أخواتي الصغيرات


ترْميم بيْتنا العتيق
*** ***

ف    في عام 1972 ـ 1973 كُنْتُ تلميذاً في مستوى السنة الثالثة ثانوي بثانوية الكِنْدي، حيث عشتُ أحداثاً وتعلّمْتُ تجارب وعرفْتُ أشخاصا. وبعد أن نجحتُ في الإمتحان التوجيهي أدبي، تغيّر نمَط الحياة واسْتِعْمال الزّمن عِنْدي. كنا في موسم الصيف وقد بدأتِ العطلة الكبيرة. فما كان بي سِوى الإرْتِماء في القراءة، هوايتي المُفَضّلَة، وتعاطي الرسم وتصْوير مناظر طبيعية أبيعها لِأُساعِد نفْسي والعائلة. وأحْياناً كنتُ أذهب عند صديقٍ إسْباني الوحيد الذي أعرفه في الناظور. وهو شاب إسْمه "خوسي" يسكن قرب الجمعية الخيرية. كُنتُ أحب الذهاب عنده لِأتعلّم منه أشياء تخُصُّ الفنّ، لِأنّه كان فنّاناَ هادِئاً يعيش مع أمه "مارِيا" في الناظور الذي غادره الإسبان بعد أن باعوا مُمْتلكاتهم (قصة ذُومّازْ الإسباني الذي باع مخبزته الموجودة في شارع الحسن الثاني قرْب مدرستي الإبتدائية "إبن خلدون" ثلاث مرّات لِثلاث أشخاص مغاربة مُخْتلفون !). كانت داره واسعة ومَبْنِية بطريقة مِعْمارية إسبانية، وتُؤثّثها قِطَعٌ فنّية جميلة، مِنْها صورة المسيح المَصْلوب المُعلّقة في مدْخلِ الدّار لِلصّلاةِ في الغُرْبة. ولكن الشّيء الذي أثارَ انتِباهي هو أنّه كان يستعمل صباغة على شكل أنابيب، قال لي أنّهُ يشتريها من "مليلية"، وهذا ما لم أكُنْ أعْرفُهُ أبداً. كانت اللّوْحة التي يشتغل عليها تمثِّل منظرا لِمغيبِ الشّمس. منظر الأصيل السّاحر، وأضواء الغروب تنعكس على بحْرٍ هادِئ. رُبّما يرْمُز لاشعورياً إلى أُفولِ احْتِلال إسْبانيا لِلمغرب، لِيَبْقى المِسْكين وحيداً وغريب!ب
     إ    اِقْتربْتُ من  حامل مسند اللوحة وأنا أحدّق في الألوان ولَمَسات الفُرْشاة وتِقْنية العمل. الألوان تختلف عن الألوان التي أستعملها، لماذا ؟ وسألته عن مٌدّة التّجْفيف، فأجاب أن هذا النوع من الصِّباغة رُكِّبتْ بطريقة كيماوية تطول مُدّتها ولا تيبَس سريعاً لِتُعطيك الوقت للعمل بهدوءٍ وتأنٍّ، والرجوع إليها ولو بعد يومين لِتستمر في صباغتها بدون مشكل. هناك اكتشفت أن المشكلة الأساسية التي كُنتُ أُعاني منها، والتي تتمثّل في الجفاف السّريع لِلصّباغة التي كنتُ أستعملها، فضْلاً عن تألُّقِها، والتي لا تترك لي الوقت الكافي لِلعمل المُتأنّي والهادئ، لِكوْنِها تَيْبَس سريعاً. وهذا طبيعي لِأنّ هذه العُلب من الصّباغة خاص لِصباغةِ جُدْران المنازل والأبواب، وليس لِرسْمِ لوْحة فنّية قد تسْتغرق أيام وشهور، بَلْ وحتى سنوات. واكتشفْتُ أنّ صِباغة فنّ التّصوير التّشْكيلي باهِضة الثّمن، وأنّها لا تُباعُ فى حديديّات الحومة عند الحاج عْمَرْ بِدِرهم ونِصف مع الإسْمَنْتِ واللاّجور والجَبْص والمكانِس والْجافيل..! بل تُعْرض للبيع في محلاّت تِجارية قُرْبَ أكاديميات الفُنون الجميلة مع فُرش وشيتات الرّسْم ومسانِد اللّوحات والقُماش الأبيض الغالي والمصنوع بالصوف، وإطارات ذهبيّة، وكتب الفن التي تُعلّم تاريخ الفن وتناسُق الألوان ومبادئ وتقنيات الرسم والمدارس الفنّيّة الكبرى وحياة الفنّانين العالميّين مثل دالي ودافٍنْسي وبيكاسو...الخ. وليس في "فِرِتيريا" (حديدية) الجار كما كُنْتُ أفْعلُ أنا عَنْ جهْل وانْعِدام الإمْكانيات...ت
ء    كُنّا نتناقش مفهوم الفن التشكيلي وتِقْنيات الرّسم والصِّباغة. وهو الذي علّمني كيف أرْسُم بورتْريه، وجه الإنسان أو أي رسم آخر، بِاسْتِعْمال المُربّعات الصّغيرة، ونقْلِها على لوِحة أو ورقة فيها نفس المُربّعات ولكنا أكْبر مِساحة. وكان مُشْكل علاقتنا هو قِلّة معرفتي لِلُّغة الإسْبانية. وهذا كان إعاقةٌ لي وعقبة في حديثِنا. ولاسَيّما عندما كانتْ المواضيع التي نُناقشها ذات طابَع اِخْتِصاصي.ء



طريقة الرسم باستعمال المُربّعات


كيف ترسم وجها باستعمال المُربّعات

     ء    خرجتُ يوماً من المنزل هرباً من القراءة. كُنّا مجموعة أصدقاء أغْلبنا فقراء؛ نتبادل القصص وجميع أنواع الكتب القديمة ونُعيدُ استِعْمالها ونلْتهمها. كنتُ أقرأُ ذالك اليوم قصّة "أنّا كارينينا" لِ " لْيون تولستوي"، وهي عصارة فنه وخاتمة أعماله الكبرى. فأحسسْتُ بِالإرْهاق، وخرجتُ ذاهباً إلى مقهى "الدار البيضاء" في الشارع الرئيسي في الناظور لِلتفكير في مستقبلي الدراسي، هَمِّي الأوّل ومركز كلّ اهتمامي، حين التقيتُ صُدفة بصديق قديم مُوظّف بِالعمالة، والذي يُغطّي أنشطة السلطة المحلّية في المناسبات الوطنية المختلفة، ويرسل الرّوبورتاجات المُصوّرة إلى التلفزة المغربية بالرباط لِبَثِّها على القنوات المغربية، وجرّني حالاً إلى داره لِنَتحدّث وأقضي الليل معه، لِأنّ زوجته ذهبتْ عند أهلها. ومَدّ لي 3 صور مُلوّنة من تصْويره للعامل بوشتة تْفاوْتي. وقال لي أن سعادة العامل يطلب مِنّي إختيار واحدة منها ورسمها بالألوان الزيتية، كما سبق أنْ فعلْتُ نفس الشيء مع الشّخْصيات الأخرى والعامِل السّابِق، مُلِحّاً على الصورة الثالثة لِأنها بملابس رسمية، وتحمل أوْسِمة ونياشين جديدة. وأنّه تحدّثَ مع سعادة العامل والكاتب العام بِشأْني. وقال لي أيضاً أن السيد الكاتب العام بن عزّوزأحمد يريد رُؤْيتي ومقابلتي لِلتّعرّف عليَّ.ي





صديقي ميلود

     و    في الغد عند الساعة العاشرة صباحاً، ذهبتُ لِأزورَ السّيّد الكاتِب العامّ في داره التي كانت موجودة قرب النّادي البحري، والتي كانت شبه فيلاّ بحديقة صغيرة، وأمامها في الشارع نافورة جميلة تُزيّنها ضفادع من السيراميك مختلفة الألوان. والتي صارتِ اليوم مركزا ثقافيا، كُتِبَ لي أن أعْرض فيه لوحاتي مع العامل السيد تْهامي بن عاقل سنة 2.2012
     و    وقد عرفتُ بعد ذالك أن السيد محمد بن عزوز حكيم الذي ازداد يوم 28 شتنبر من سنة 1924، يعتبر من هُواة جمع الوثائق والمخْطوطات والتّحف الفنية. ومن الباحثين والمؤرخين المغاربة البارزين المختصين في الدراسات التاريخية. وأنّه إنسانٌ راقي ومُثقّف. وهذا يروقني كثيرا...ا
      ٌذ    ذهبتُ إلى منزله وعقلي غارِقٌ في التفكير. كان يوم مُشمِس، والحرارة مُرتفعة. الظُّهْر قريب، وأصداء موسيقى وطُبُول"إمَذْيَزَن" تصْدح في الشوارع مُعلنة إقتراب عيد المولد النبوي. وعندما دخلْتُ الفيلاّ بِصُحْبَة الحارس، وجدْتُهُ جالِساً على وثير في الصّالون، لابِساً فوقية جميلة ومُكيِّف الهواء على جنبه الأيمن مع كتب تاريخية، وفنجان قهوة. سلّمْتُ عليه ودعاني لِلجلوس قُرْبه بشوشاً ومُرَحِّباً، وبدأ يسألني عن دراستي وأحوالي العائلية وحياتي الفنية. وطلب مني رسم بعض اللوحات بالمِداد الأسود لبعض الوجوه العلوية الحاكِمة. كان يحتاجها لِزخرفة كتاب تاريخي لِأنه مُؤرّخ المملكة. ورسْمان صغيران بِالحِبْرِ الصّيني لِابْنِ خلْدون وابنُ سينا. أتتْ لنا الخادمة العربية بصينية شاي ومونادة. كان الجو حارّ. ثم نهض إلى مكتبه وأطْفأ الكومبيوتر، ثم أخذ بعض الوثائق تتحدث عن "الغرفة الفلاحية" وطلب مني رسم شعار جديد لها، اخْتاره كشعار للغرفة الفلاحية. والذي توجد نسخة منه في الغرفة الفلاحية بِالناظور. وقال أن هذا الرسم مُسْتعْجل، وسيقدمه في اجتماعٍ مع المجلس الإقْليمي برئاسة العامل بوشتة تْفاوْتي. واتّفقْنا أنه سيزورني في شقتنا القديمة المتواضعة لِيرى أعمالي الفنية، ويتعرف على عائلتي الفقيرة.ة





الشِّعار الذي رسمته لِلْعمالة

ء    كان اليوم السبت. وقال أنه سيأتي إلى بيْتِنا يوم الثلاثاء، لِأن يوم الإثنين سيكون حافلاً بالإلتزامات الإدارية ومشغول في الإجتماع مع العامل وأعيان السلطة المحلّية في مقر العمالة القديمة، حيث يوجد حالياً مكتب "مارتشيكا" السّياحي. وأكّد على ضرورة إنْهاء الرّسم الزّيتي لِشعار الغرفة الفلاحية في أقربِ وقتٍ مُمْكِن، نظراً لِأهمّيته كموضوع مطْروح على جدْول البحث لِلمناقشة. أيْ يوم الأحد مساء أو يوم الإثنين صباحا قبل العاشرة موعد الإجتماع على أكثر تقدير، وأنني يمكن أنْ آتي إلى منزله في أيّ وقت أشاء. فرضختُ لِأوامره وأنا أطير فرحاً لِأنه ستأتي إلى بيتنا الفقير شخصية حاكمة ذات وزْن في مُحيطنا. كان يبْدو واسع الفِكْر وإنساناً حنوناً، ولاسَيّما عندما عرف أنّني يتيم الأب. وأعطاني بوناً لِشراءِ ما أحْتاجه من مواد الرّسم باسمِ "مكتبة الطالب" الموْجودة في محطة الحافلات والكيران في القيسارية وما زالت، رغْم بناء محطة جديدة واسعة قرب سوق المركب حاليا على شاطِئ البحر. وعندما وقفتُ مُسْتعِدّاً لِلذّهاب، نادى على سائقه وأمرهُ أن يوصلني بالسّيّارة الفارِهة إلى بيتي لِيعرِف مكان سُكْناي. وهنا تأكّدْتُ أنّه فِعْلاً سيأْتي لِيزورنا وسيفي بِوعْدِه، لِأنه رجل مُحترم.م


الباحث والمؤرخ محمد بن عزوز حكيم الكاتب العام


ء    كان بيتنا الجديد موجود في شارع مولاي رشيد رقم 75، الطابق الأوّل وسط المدينة. كان ضيّقاً وقديماً وآيِل لِلسّقوط والإنْهِيار، بِسببِ آلة النِّجارة الكبيرة والقديمة في الرصيف، والتي كانت تصْدُرُ عَنْها أصوات مُزَمْجِرة جِدّاً ومُثيرة لِلْأعصاب طِوال اليوم، يَسْمعها من بعيد كل سُكّان حارتنا، وتطْغى حتى على أزيز مُحرِّكات السيّارات المارّة، وقد سَبَّبَتْ في زعْزَةِ أرْكانَ الدّار القديمة كلها. وسقطتْ أجزاء من السّقْفِ مِراراً، مُحدِثةٌ جُروحاً وخوفاً وهلعاً لنا جميعاً، وخسائرمادّية لِلتّرْميم والتّرْقيع المُسْتمِرّ بالجبس والإسْمنْت. ولكن أكْثر ذِكرى أليمة، كانت يوم أنْجزْتُ كِتابة لافتة طويلة ( 4 أمْتار) لِ "الجمعية الخيرية الإسلامية بالناظور" بمناسبة الإحتِفال بعيد العرش العلوي المجيد. وقد أعطاني مدير الجمعية السيد محمد 5 خُبْزات آنذاك و200 درهم مقابل عملي، لِأنه يعرف مواهبي ووضعيتي المادّية المُزْرِية، كما أني كُنْتُ نزيلاً عنده في مُؤسّستِه مُؤقّتاً أنا وأخي عبد الله، ريثما تَجِدُ أمّي وأخي مُحمّادي بيتاً لِلْكراء يوم استقرّيْنا في مدينة الناظور سنة 1960 ، بعد مُغادرة دارنا ببني سيدال. لم يكن عندنا ما نأكله ذاك اليوم. الوالدة التي كانت تُعيلنا بمزاولة بعض أنشطة الخياطة النّادرة أو الطّبْخ سقطتْ مريضة. وليس لنا ما نشتري به الدّواء لها. وكانت خالة أمي المُسِنّة، والتي كان يتجاوزُ عُمْرعا 95 سنة، تُقيم معنا مُؤقّتاً، آتية من بني سيدال تبحث عن إبنتها المُزعْزَعة، عائشة المُطلَّقة الساكنة بالناظورمع ابنها الصغير، الذي كانت تُعيله بنقْل أكْياس الموادّ الثّقيلة المُهرَّبة من بني أنصار. ولمّا رأتْ 100 درهم في يدي وأنا أُريها مُفْتَخِرا لِأخواتي وأمّي، أرسلتني حالاً إلى السوق التي كانت قريبة جِدّاً لِشراء 3 كيلو بطاطس لبعض الأيام، ونصف كيلو بصل وكيلو سُكّر ومَلْحة. وما تبقّى سندّخِره لشراء الدواء لِأمي المريضة.ة
     وعجنتْ خالتنا يمينة مُّوحْ قدّور الخبز. وهيّأتِ الغذاء الذي كان جِدّ مالِح وبدون توابِل ولا ألْوان، ما عدا الماء. وبعد دقائق نادتْ صارِخة تسْألُ أُمّي عَمّا إذا كان الطّحين الذي عجنتْهُ  فاسِداً لِأنّهُ صارَ صَلْباً كالحجر!!! لِيَنْفَجِرَ الجميع ضاحِكاً مُرَدِّدين:ن
     ا    ـ الْجَبْسْ دْيال خويا عبد الرحمان!! خالتي، لقد عَجَنْتِ الخُبْز بِالجَبْس!!!س
     ف    فانْهارَ الكُلُّ بِالضّحِكِ على هذه الحادِثة المُضْحِكَة والعجيبة، فما كان بي سِوى الذهاب مِنْ جديد لِشِراء الخبز.ز
    


 خالتي يمينة مّوح قدّور


عائشة إبنة خالتي يمينة مّوح قدّور


     و    وعندما جلسنا جميعاً حول مائدة الغذاء وسط زمْجرة آلة النِّجارة، وبمجرد ما قُلْنا باسمِ الله ومددْنا أيادينا الإثني عشر لِنبْدَأ الأكْل، حتى سقط جُزْءٌ كبير من سقف البيت الذي كُنّا تحْتهُ فجأة، ووقع على المائدة والصّحن وعلى رُؤوس كل الجائعين. واختلط كل شيء وحُرِمْنا من الغذاء. وحمدنا الله أن السّقف لم يسقط على أمّنا المريضة التي كانت نائمة في غُرْفتها الضّيِّقة. شبه قبر..! في حين أنّنا هاجرنا دارنا الرَّحْبَةُ جداً وبحديقتين واسِعتين وصهْريج لِخزْنِ المِياه وسَطَ طُمأْنينة وحُبور... لَمْ نعرف السّعادة منذ مات أبي في حادثة سير رهيبة وهو في طريقه إلى "وَهْران" الجزائرية، ولا نعرف حتى قبْره المجْهول !! ذهَبَ بدون جنازة ولا دُموع، غادَرنا بكلِّ صمْتٍ وفُتور، وتركنا بُؤساء نسكن في أشْباهِ القُبور..!ر
     و    لم تكن هذه الشُّقّة تَتّسِعُ لِعائلتنا المُكَوَّنَة من 6 أفراد: أمٌّ وبِنْتان صغيرتان و3 أولاد. ولكن ثمنها كان مُناسِباً لنا: 125 درهم شهرياً في ذالكَ الوقت.ء
     ك    كان ُعُمْري آنَذاك 15 سنة، وكنتُ أدرس في ثانوية الكندي التي كنا نراها من المحطة القديمة لِانعدام أو نُدْرة التّعْمير والبناء في هوامش المدينة الصغيرة. كانت مدينة الناظور لُؤْلُؤَة صغيرة الحجم. لكنها نظيفة وجميلة التّصميم الإسباني، وتمتد من ميناء الناظورالقديم وسيدي علي وكْلوب البحري الذي صَمّمه المهندسون الإسْبان على شكل باخرة راسية في الميناء يؤُمّها الناس لِلتّمتُّع، و"كسابيسكا" وفندق الريف، وارِّكولاريس، وقشلتان عسكريتان في الشبيبة والرياضة، وكنيسة وسط المدينة لِلْمُؤْمِنين المسيحيِّين، وحيّ رعْري الشيخ، وبوبْلاو، وإيشوماي، ومطار الناظورالصغيرالذي لم يبْقَ منه سِوى الإسْم. وما دون ذالك كان عبارة عن قِفار وخلاء وأعشاب متوحّشة، وكِلاب ضّالّة وقِطط تائهة، وسِكّةُ حديدية مَهْجورة لِنقْلِ معادن "أذْرانْ وَكْسان" إلى إسبانيا بعد غسْلِه في بُحيرة " مارْتْشيكا " في أطالَيون.ن



نرى في عُمْقِ هذه اللوحة الزّيتية، فيلاّ الكاتب العامّ قرب النّادي البحْري


ع    عندما دخلْتُ إلى البيت وكان وقت الغذاء، كانت أمّي وكل إخْوتي وأخواتي في انتِظاري مُتلهِّفين لِمعْرِفةِ ما وَقَع. ولَمّا رأوْني مُبتسماً، إسْتبْشَروا خيراً. وانْقضّتْ عليَّ أختي الصغيرة ميمونت تُعانقني وتطلب مني أن أحْكي ما وقع مع الكاتب العامّ وهل فِعْلاً دخلْتُ داره.ه
ء    ـ نعم. دخلْتُ دار الكاتب العامّ، ورحّبَ بي، وشربْتُ كأس عصير. وكلّفني بالقيام بِرسْم بعض الوُجوه والأشْياء الأخرى. وأعْطاني فاتورة بمِقْدار 300 درهم لِأشْتري لوازِم الرّسم في إحْدى المكتبات، ووعدني أن يأْتي عِنْدنا هنا ليزورنا ويتعرّف عليكم جميعاً.اً
     فقالتْ خالتي يمينة مُحْتجَّة:ة     :
ـ     ـ ما نحْتاجه يوجد في السّوق والمَخْبزة وليس في المكْتبات. لَوْ أعْطاكَ النُّقود لَكانَ أفْضل من هذه الفاتورة الصّفْراء.ء
     وقالت أمّي مُسانِدَةً خالتها:ا     :
ـ     ـ يا ابْني العزيز، خالتي عندها الحقّ، دائماً تشتغل مع العمالة وحاشيتها وترسم لهم اللّوَحات وتحْمِلها لهم على ظهْرِك بِدونِ أيّ مُقابِل. واحياناً بِدونِ شُكْر حتى ! هذا اسْتِغْلال وليس اشْتِغال. لِكُلِّ عملٍ أجْرة.ة
     س    سكتَتْ هُنيْهة تسْتجْمِع قوّتها بعد نوْبة سُعالٍ حادّة. ثُمَّ اسْتَأْنفتْ حديثها الشّجيّ:ء
ـ     ـ هَلْ تتذكَّر يا ابني عبد الرحمان يوم رَجَعْتَ باكِياً من العمالة بِسببِ مُدير الدِّيوان الذي رسمْتَ له والدته المُتوفِّيَة رحمها الله ؟ وبقيتَ تشتغل عليها 3 أيّام ؟ وأتذكّرُ أنّكَ اشْتغلْتَ عليها حتى يوم العيد! إبْتعِد عنْ هؤلاء يا ابني. المخْزَن لا رحْمةَ فيه ولا خير..! ألِّي ما فيه نْفَعْ دْفَع.ء
أ    "ألِّي ما فيه نْفَعْ، دْفَع". كانت هذه مقولة أمّي الحكيمة رحمها الله. والتي لا زِلْتُ أحْفظُها عن ظهْرِ قلب إلى يومِنا هذا... كانت هذه ذَرّة من عُصارة تجاربها في الحياة. وكانتِ المِسْكينة تعْرِف أنّهُ لا يطْرق باب دارك سِوى مَنْ له حاجة فيك، ولا يسْأل عنْك إلا مَنْ عنده غرض أو وتَر يقْضيه وينْصرِف. وقد اِمْتعضْتُ حين ذكّرتْني بهذه الذِّكْرى الأليمة. ذِكرى مدير الديوان الذي أدْخلني صبيحة يوم الإثنين إلى مكتب العامل لِيُعطيني صورته لِأرْسمها له، وعندما خرجْتُ وكانتِ الصورة في يدي، ناداني مدير الديوان طالباً أنْ يراها. ثمَّ أخذ من تحت  مكتبه صورة بالألْوان في مِلَفّ، ومَدّها لي. تأمّلْتها جيِّداً ثمّ وضعتُها على مكتبه. كانتِ صورة صغيرة الحجم (7×6 سنتم). تُمثِّل سيّدة مُسِنّة مُسْتلقاةٌ على سرير، مُغْمَضَةُ العينين. نحيفة جِدّاً ويبْدو أنها مريضة. لابسة تْريكو أحمر قان. وقندورة بيضاء. وقال لي مُسْتعْطِفاً:اً
     ـ     ـ سِّي عبد الرحمان، هذه صورة أمّي الوحيدة عندنا في العائلة. ماتتْ مُنْذُ أُسْبوع. أرْجوك أنْ تُصوِّرها بيدك، وأريدها كبيرة وزيتية. وسأعْمل عليها 5 نُسخ في "استوديو الريف" لِأنّ صاحبه صديقي. وسأُوَزِّعها على أفراد عائلتي. وأيضاً أريدها في أقْربِ وقت ممكن. أشكرك.ك
و    ومَدَّ لي صورة أمّه بعد أن وضعها في غِلافِ أصْفر، وصورة السيد العامل. وقال لي وهو يبتسم ابْتسامة اصْطِناعية صفراء:ء
     ـ    ـ مَعَ السّلامة، سير..!ر
أ    أحسسْتُ بِجُرْحٍ عميقٍ في قلبي وأنا أخْطو الخطْوة الأولى لِأخْرج مِنْ مكْتبه وأغادِرُ العمالة. شعرْتُ بِمَذَلَّة وأنا أعيدُ إلى ذِهْني حركة يده وهو يقولُ لي آمِراً "سير"..! مُشيراً عليَّ أنْ أبْتعِد. وكأنّني كلْبٌ أوْ وَبَشْ، ولسْتُ مُواطِناً، وأحْرى فنّان... قد يكونُ هذا التّصوُّر بعيد عن ذِهِنِه حسب مُسْتواه وظُروف حياته من قبل، وكيف عاش طُفولته. لِأنّهُ من هذه المفاتيح القليلة والحركات ونوْع العِبارات التي يسْتعْمِلُها في مُعاملاتِه وأُسْلوب أدبِه، يكْمُنُ الكشْف عن نوْعية شخصيته العُدْوانية المُعقّدة، وجُذور تعقيداته اللاّواعِية. لقد آذاني قبل حتى أنْ أعْرِفه ويعرفني، مُسْتغِلاًّ نُفوذَه كواحِد من بيادِقِ السُّلْطة..!ي



السيد بوشْتة تْفاوْتي عامل إقليم الناظور وهو يسْتجْوِبُني خِلال معرضي سنت 1973
كان جميلاً في كُلِّ شيء. وسأبْقى شاكِراً لِفضْلِهِ مدى الحياة

إ    اِسْتَأْنفْتُ طريقي في خِضَمِّ عاصفة من الصّراع والإكتئاب والنّدَم على ذهابي إليْه ورُؤْية وجْهِه الأحمر الغليظ. وأنا أُفكّر هل سأرسم أمّه أمْ لا. ولكنه يحب أمه ويريد إدْخال الفرْحَة على ذويه..! وأخيراً قرّرْتُ أن أرسمها رحمها الله.ء
و    لكنَّ الطّامّة الكُبْرى التي لَمْ أكُنْ أتوقّعها، هي أنّني رَسَمْتُ اللّوْحة بعْدَ أنْ اِشْتريتُ القُماش والصِّباغة من جيْبي الفارغ وبِمُعاناة. وحاولْتُ أنْ أُنْهيها في ظرْفِ يوْميْن لِأنّه يريدها "في أقْرب وقت". وعنْدما حملْتها إلى العمالة لِأُسلِّمها له ويُعْطيني أجْرة عملي. أخذها وتأمّلها ملِيّاً وقد هربتْ اِبْتِسامة من ثغْرِه أثْلَجَتْ صدْري. لِأن الإبتسامة تُعبِّر عن الرّضى وأنّ البورتْريه أعْجَبَه. ثُمَّ اسْتَدارَ إليَّ وتأمّلني مُحَدِّقاً في وجْهي كأنّهُ يراني لِأوّلِ مَرّة. فرفع يده يسْألُني: أشْنُو بْغيتي؟ سير..! مُشيراً عليَّ أنْ أبْتعِد. وهُنا وقَعَ لي انْهِيارٌ عصبي، وبدأ قلبي ينْبَض بِشِدّة وأنا أُحاوِلُ السّيْطَرَة على نفْسي وأحْتوي غضبي، وأُحاوِل أنْ أتماسك عنِ السّقوط. وخرجْتُ باكِياً وأخْتَبِئ لِكَيْلا يراني أحدٌ من أصدقائي حتى وصلْتُ دارنا. وكانت أمّي مَنْ واسَتْني ومَسَحَتْ دُموعي.ي
    هُ    هُنا أغْلق هذا القوْس الطّويل والأليم، لِأعود إلى موضوع السّيّد الكاتب العام.م
ء    فَبَعْدَ أن فحصْنا الموقف جميعاً، تناوَلَ أخي الكبير مُحمّادي الفاتورة الصّفراء وقرأها ثمّ قال:ل
     ـ     ـ أظُنُّ أنَّ هناك حلّ وأمَل لِلْحُصول على النّقود. صاحب مكتبة الطّالب السّيّد بنْ طاهر شخص نعرفه. ستأخُذ مِن مكتبته ما يلزمك وضروري لِعملِك، والباقي أي الفرْق، سَيُعطيه لَكَ نَقْداً. أوَ ليْسَ كذالك ؟
ف    في الواقع كان اقْتِراح أخي محمّادي ذكيّاً وحَلَّ لي بعض المشاكل. فقلْتُ له:ه
ـ     ـ رائعة فِكْرتكَ أخي. وسآخُذُ 30 دِرْهم فقط لِأشْتري سَطْل صِباغة مائية 5 كيلوغرام من نوع الجيلاطين البيْضاء الرّخيصة لِصِباغةِ بعص جُدْران الدار الوَسِخة، وكذالك هذا الدّرْج الذي لم نصْبغْهُ سِوى مرّة واحِدة مُنْذُ سكنْنا هُنا. وأنا مَن سيقوم بِطلائها بِمُساعدتِكم. ولَوْ أنّ وقْتي ضيِّق ويجب أن أنهي رسماً زيْتيّاً مُسْتعْجَلاً للكاتب العامّ يحتاجه اليوم أو غدا.ا
ف    فقالت أختي حورية:ة
ـ     ـ أنا أخْجل أن يأتي عندنا ضُيوف في هذه الدار القديمة. ولاسيّما شخْصيّات مثل الكاتب العامّ ! وكيف سيصْعد الدّرج وهو جِدُّ ضيِّق. نَبِّهْهُ أخي واطلب منه الإنْحِناء وإلاّ سيقع له ما وقع لِصديقك الدكتور الشّامي عندما كان صاعِداً فجرح رأسه.ه
     ـ     ـ سأفْعل، وسأُنَبِّهُه. إنّهُ إنسان متواضع ومُتفهِّم. ورُبَّما سيُساعِدنا لِنَقْهَرَ بُؤْسنا...م
     ذ    ذهبْتُ إلى مكتبة الطّالب، وأعطاني صاحب المكتبة ما أحتاجه من أدوات، ولكنّهُ أبْدى امْتِعاضِه لِفكْرة تسْليمي الباقي نَقْداً. ما يُعادِل 180 درهم. أيْ أكْثر من نِصْفِ ما يحتويه الْبون. ولكنّني أكّدْتُ له أنه لا يمكن إعْطائي الصّباغة والكرْطون لِرسْمِ الصّور لِأنّها غير متوفِّرة في مكتبته، وأنّ الوقت ضيّق والعمل مُسْتعْجل وعَلِيَّ شراؤها مِنَ الحديديّة والنّجّار لِأبْدَأَ العمل، وأنّ السيد الكاتب العام يُريدُ أن أُنْجِزَ شعار الغرفة الفلاحية اليوم لِلاِجتماع مع السيد العامل. ولمّا سمع اسم الكاتب العام، أعطاني النقود توّاً وهو يبتسم..!ء
     ر    رجعْتُ إلى البيت مُحَمَّلاً بِقِطْعة كَرْتون مُقَوّى 50 × 70 سنتم. وسَطْلِ الصِّباغة المائية وثلاث عُلَبٍ صغيرة من الألوان التي أحتاجها لِرسْم شعار الغرفة الفلاحية. لكني تجاهَلْتُ مُؤَقّتاً قضيّة الرّسْم لِأُبْدأ في صباغة جدران الدار والدّرْج لاِسْتِقْبال سعادة الكاتب العام الذي سيُشرِّفنا بِمجيئِهِ عِنْدنا. وأختي ميمونت تُساعدني وتصْبَغ معي مُقابِل 10 دراهم وهي فرِحَة...ة
اِ    اِنتهيْنا من صِباغةِ الدار في نفس اليوم. أيْ السّبْت. وأعْطَتْ نتيجة لا بأْسَ بها. وفي اللّيْل سأرسم الشعار بقلم الرّصاص، وفي الصّباح في ضوْءِ النّهار، سأبْدَأُ التّصْوير بِالصِّباغة الزّيتية التي اشتريتها من فِرِتِرَيَا (حديدية) جاري مصطفى عْمرو بوثْغاط مع الرّيشات...ء


يُتبع
  

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الحياة في باسو - في انتظار الإعْدام

Chapitre 3 ـ Sana ـ سناء

فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث