الفقرة 25 ـ الكاتب العامّ


الفقرة 25

الكاتب العامّ: أحمد ابن عزوز حكيم


يوميات فنان مهاجر
  بحثاً عنِ الزمن الضّائع




ء
ا    في اليوم التالي، قُمْتُ باكراً في الصّباحِ. كان يوم الأحد، وبدأتُ أسْتمْتِع بِقِراءةِ قصص ألف ليلة وليلة المشهورة، في انتِظارِ بُزوغ الشمس، لِأبْدأَ صِباغة شِعار الغُرْفة الفِلاحية، لِلسّيّد الكاتب العامّ بن عزّوز حكيم.م
ء    بعد الفطور الذي هيّأتْهُ أختي حورية، أخذْتُ صِباغتي والكرْطون المُقَوّى وزُجاجة البِنْزين لِغسْلِ الشّيتات، وذهبْتُ لِأشْتغل في فناء الدار المَفْتوح على السّماء، وأُقطِّعُ جوانِب الرّسم بِالمِنْشار، لِكيْلا نرى سِوى الأسديْنِ والتّاج. ثمّ بدأتُ أرْسُم. وبعد أنْ يبستِ الصّباغة الصّفراء، كتبتُ العِبارة الرّسْمِية الضّرورية:ة
 إ"إنْ تنصروا الله ينصركم"!ء



ء    كُنْتُ وأنا أرْسُم، كالمُخَدَّر أو السَّكْران! وهذه طبيعتي عندما ارْتمي في بُحَيْرة الإبْداع السِّحْرية، آمُرُ عضلاتي وأعْصابي بِالاِسْتِرْخاء، وأُدَمِّر كل رِقابات العقل الجمْعي الواعي، لِأتْرُكَ الحرّية لِمَكْبوتاتي بِالْهيمان والطّفْو خارِجَ بُؤْرة اللاّوعْي، وتنْسابُ كما تشاء في هذه اللّحظات منَ الإشْراقات، في سكينةٍ وسُكون. كما هذه اللّيْلة الهادِئة في باسو، مَنْبعُ الإلْهام، وكلُّ مَنْ حوْلي من النّاسِ نِيام..!ء
ك      كان الجوّ حاراً ذالِكَ اليوم الأحد صباحاً في شارع مولاي رشيد، والناس تحجُّ إلى الشّواطِئ لِلاِسْتِجْمام، وأنا مُتهافِتٌ على العمل بِلا حُدود. ونور شُروق الشّمس الذّهبي يُنيرُ لوْحتي مِنْ كلِّ جانِب، ويُضيءُ قلْبي المَجْروح! والهواء العليل الطّلْق يٌعانِقُني وجريدتي، وأناجِدُّ سعيد!ء
ء    تناولْتُ جُرْعةً من فِنْجان قهْوتي. وبدأْتُ أتساءَلُ مع نفْسي:ء
ء    ـ مَنْ هو الكاتِب العامّ يا ترى..!؟ء
ء    فأجابَني مُجيبٌ داخِلي:ء
    ـ     قد يكون "المًلاكُ الحارِس"! أرْسلتْهُ بعض الظُّروف النّادِرَة لِيُنْقِذَنا!ء
ء    
وفكّرْتُ حين كانت أختي الصغيرة حورية تُنبِّهُني:ي
   ـ     ـ أنا أخْجل أن يأتي عندنا ضُيوف في هذه الدار القديمة. ولاسيّما شخْصيّات مثل الكاتب العامّ ! وكيف سيصْعد الدّرج وهو جِدُّ ضيِّق. نَبِّهْهُ أخي واطلب منه الإنْحِناء وإلاّ سيقع له ما وقع لِصديقك الدكتور الشّامي عندما كان صاعِداً فجرح رأسه.ه
     ـ     ـ سأفْعل، وسأُنَبِّهُه. إنّهُ إنسان متواضع ومُتفهِّم. ورُبَّما سيُساعِدنا لِنَقْهَرَ بُؤْسَنا..!م
ء    لَسْتُ أدْري مِن أين جاءني هذا الإحْساس والثِّقة، من أنَّ هذا الإنسان، أو المَلاك الحارِس كما يُسمّيهِ خيالي، سيُنْقِذُنا. ومِنْ ماذا سيُنقذنا؟ هل سيُنْقِذَنا من مشيئةِ اللــــه وأقْدارُ السّماء..!؟ء
ء    ـ بدأتَ تنْحرِف يا عبد الرحمان. لا تسْتفِزّ أحَداً وتسْتنْفِر ضِدَّكَ الأعْداء! ولا تسْأل عميقاً ولا كثيراً. تقوْقَع على الموْضوع ولا تنْصرِف بِخيالِك بعيداً . لِلْجُدْرانِ آذان. ولا سيّما في بِلادِنا..!ء
ء    بدأَ الشُّعور واللاّشُعور يتشابكان!ء
ء    ـ سأقولُ لكما أيُّها العدوّانِ اللّدودان، أيُّها الوعْي واللاّوعْي، ما كان يُردِّدُهُ أبي عندما كان يمَلُّ من عِراكِنا أنا وأخي عبد الله ونكادُ نسْقُطُ عليْه وهو جالسٌ معنا حوْلَ المائدة يُسبِّح لِربِّ العالمين. كان يقولُ لنا:ء
ء    ـ يا أوْلادي الأشِقّاء الأعْداء، تقاتلا وتنابزا كما تشاءان. ولكن بعيداً عنّي لِكَيْ لا تُؤْذِيانَني وتسْقُطا عليّ..!ء
ء    ـ وما علاقة بن عزّوز بِأبيكَ الميِّتْ يا مَهْوُوس!؟ء
ء    ـ لا يُمْكِنُ مَنْع ذِهْني من التّيَهان! عندما أرْسُم، كلُّ الشّطحات اللاّمَعْقولَة تتهافت على سطْحِ شُعوري! إنّها أجمل اللّحظات التي أرى فيها نفْسي على حقيقتِها. إنّها جوْلَة في أحْلامِ اليَقَظة. حين أكونُ عارِياً أعْشَقُ نفْسي كآدم..!ء
ء    ـ هذا مُنْتهى النّرْجِسيّة! أنْتَ لك إلهٌ واحِد، عِبادةُ نفْسِك لا غيْر!ء
ء   ـ آه! إنّهُ وقْت طلاء الرّسْم بِالبَرْنيس(ورنيش) لِكيْ يلْمَع ويصير أمْلَس وناعِم. لِأنّه ليْسَ لوحة فنّية. بل نموذج وموديل لِشِعار وعلامة فقط.ء
ء    ـ أنْتَ تتلاعَبُ بِالقارِئ هُنا!ء
ء    ـ لا تقْمعوه، ودعوهُ يُفَرِّغ ويُصعِّد كما يشاء وكيف يشاء. !ء
ء    ـ عهْد البَصْري!ء
ء    ـ عهْد لَخْرَ حاشاكم!ء
ء    ـ أنا أفْهمُه. يقوم بِتجربة ما يقع في ذِهْنِه خِلالَ عملية الإبداع رُبّما، وسيرى النّتيجة غداً عندما سيقْرأُ الموضوع وهو صاحٍ وبعيد عن إلْهامات وهلْوَسات وهذيانات الإبْداع..!؟ء
ء    ـ هذا العمل الرّوائي الذي يُرْبِكُ القارِئ، لا يمكن أن يصْدُرَ سِوى عن سكْران أو عبقريّ!ء
ء    ـ أنْتَ أيْضاً تُهْذي! كُلُّكُم مَجانين. الحُبّ هو القاتِل وسبب كلّ جُنون وبُهْتان! ويهوه الذي تعْبُدون، هو المَسْؤول عن كلِّ مُعاناة الإنسان..!ء
ء    ـ تتناهى إلى آذاني الآن وأنا في باسو، أصْداء نُباح الكِلاب. يا لَسِحْرِ هذه الأصْوات الصّادِرة عن أخْلصِ الحيواناتِ لِلإنسان. كنتُ دائِماً أحبُّ نُباح الكِلاب ولسْتُ أدْري لِماذا؟ أيُّ مُحلِّلٍ نفْسي يمكن أن يشْرح لي هذا الهاجِس؟ء
ء    ونطَقَ ناطِق:ء
ء    ـ هل تُجرِّبُ الكِتابَة الآلِية كما عند الدّادائِيّين؟ء
ء    ـ أنا أرسُم شِعاراً لِلكاتِب العامّ فقط. وما يدورُ ويتطاحنُ في رأسي لا يهُمُّكُم في شيء.ء
ـ أُتْرُكوهُ بِسلام! الفنّانون طبْعهم دائماً غريب!ءء     
ء   ـ كان من الوجب الأخلاقي أن يُخْلَقَ الإنسان وحيد الطّبْع كالنّمِر والقطط لِتهْدأَ الإنسانية من جحيمِ العلاقة مع الآخرين. لِأنّ جحيم الإنسان الأبدي في اجتِماعِيتِه وعلاقته بِالآخرين. أيْ مع الإنسان.ء
ء    ـ تُذكِّرُني بِ"رامْبو" وقاربه السّكْران!ء
ء    ـ آه! رامبو الذي أدْخَلَ صديقه بول فيرلين السجن بِسببِ علاقتهما المثْلية. فيرلين كان يحب الفِتْيان والأولاد!ء
ء    ـ أنتَ مغربي، ومُفكِّر سِلْبي. لا ترى في الشّيء سِوى جانبه الأسْود. فكّر في مرّاكش وبُهْتانها وازْدِهار العلاقات المِثْلِية يا رجل بَدَلَ أنْ تجْرَحَ الشُّعراء البعيدين..!ء



حياة وجنّة الشعراء: رامبو وفيرلان

ء    وأعدْتُ طرْحَ السُّؤال على نفْسي:ء
ء    ـ مَنْ هو الكاتِب العامّ يا ترى. لا بُدَّ أنّهُ مُثقّف، فسلوكه الرّاقي يدُلُّ على ذالِك..!؟ءء
ء    تناولْتُ جُرْعةً أخْرى من فِنْجان قهْوتي. وتناولْتُ جريدتي، وبدأْتُ أقْرأ:ء
ء   "... وقد اعتبر المؤرخ الراحل أول مغربي يكتب كتابا باللغة الإسبانية. إذ كتب رحلته الأولى إلى إسبانيا تحت عنوان «رحلة الأندلسية» (1942). كما كتب الراحل في مجمل المجلات الإسبانية الصادرة بالمغرب وبإسبانيا ومنها:ب
وغيرها...ا  (Africa)و  (Al Motamid) 
 وعمل مترجما لِلملِكين الراحِلين محمد الخامس (توفي سنة (1961) والحسن الثاني (توفي سنة (1999).. فمن أين لذلك الظل أن يُغطّي على نور ما كتب وعاش في مَهَبِّ التاريخ والوثيقة..؟ء
ء  كنتُ أصْبَغ وأنا أفكّر فيه: لابُدَّ أنّه نابِغة وشخْصية مُهِمّة. اسْتأْنفْتُ القِراءة:ء



المؤرخ المغربي المرحوم محمد بن عزوز حكيم

ء    "... بعد أن درس بكل من مدينة تطوان، والشاون، انتقل محمد ابن عزوز حكيم إلى مدريد لمتابعة دراسته بالرغم من معارضة والدته سفره ذلك. وهناك حصل على عدة شواهد (الإجازة في الفلسفة والآداب- قسم التاريخ)، ودبلوم في الدراسات السياسية، وآخر في الدراسات الدولية، وآخر في الدراسات الإفريقية- قسم الدراسات المغربية). ثم عاد إلى المغرب وعين بالإدارة الاستعمارية الإسبانية، وارتقى حتى أصبح كبير موظفي هذه الإدارة بشمال المغرب. وهنا فعل الشعور الوطني فعله. فقد عمد الرجل، الشاب يومها، المسكون بالتاريخ والوطن إلى نسخ كل الوثائق المتعلقة بإدارة الحماية، الاستعمار الإسباني والاحتفاظ بها في بيته. وقد كان نسخ الوثائق صعبا يومها ومكلفا.. وتحمل وزر فعله من أجل المستقبل. ويوم دقت ساعة رحيل الاستعمار الإسباني عن شمال المغرب، أحرقت الإدارة الاستعمارية كل الوثائق.. ولم تكن تعلم أن نظير ما أحرقت ويزيد يستريح ببيت المؤرخ في انتظار جولات التمحيص، والبحث، والتأليف.. وما أن بدأ نشر كتب تستوحي مادة تلك الربائد حتى تغيرت نظرة إسبانيا الرسمية إلى الرجل، فقد سجل وقع استغلالها ودبيبه. لذلك، ظلت تمتنع حتى العشرية الأولى من هذا القرن من منحه تأشيرة دخول التراب الإسباني.ء




Le doyen des historiens marocains
عميد المؤرخين المغاربة

 ء    وفكّرْتُ مع نفسي: هذا الرّجل وطني! وجدْتُ المقال مُهمّاً ومُشوِّقاً، فتابعْتُ القِراءة:ء  
م    "... مَكَّنَ انْكِباب ابن عزوز حكيم على تصوير الوثائق الإسبانية الخاصة بالمغرب وإسبانيا وعلاقتهما وما تعلق بكل ذلك على مدى عقود، ودأبه على زيارة دور الوثائق التاريخية للتنقيب عن الوثائق والمستندات الدبلوماسية الخاصة بتاريخ المغرب من احتواء مكتبته الخاصة على ما جعلها المكتبة الفريدة التي تضم معظم ما يخص تاريخ المغرب الحديث والمعاصر. وقد لعب الرجل ومكتبته دورا أساسيا في تكوين ملف مطالبة المغرب بصحرائه (المسماة غربية)، كما كان الوحيد المتوفر على وثائق تُفَنِّدُ مزاعم إسبانيا حول السيادة عن جزيرة ليلى/ تورة/ المعدنوس، يوم اندلاع مشكل «جزيرة ليلى» (سنة (2002) ، لكن موقف الحكومة المغربية لم يكن حاسما فلم تنفع الوثائق.. وتضم مكتبة ابن عزوز حكيم أهم أرشيف وثائقي خاص بالمغرب يضم مليون وثيقة. مما جعل مكتبته منبعا ثرا للتأليف في التاريخ بالاعتماد على الوثيقة وليس التخمين.. وقد عرضت على ابن عزوز الحكيم مبلغ مليار سنيتم (مليون يورو) لشراء مكتبته الخاصة.. لكن الرجل ما استجاب...ب
س    وفي سنة (2011) كرم الملك المؤرخ ابن عزوز حكيم عبر توشيحه بوسام الكفاءة الفكرية، وهي التفاتة تجدر بالمؤرخ أكثر من غيره. وكان المؤرخ أعلن لأول مرة أنه حصل على حقائق تاريخية طال البحث عنها أزيد من نصف قرن وتهم المأساة الأندلسية. فقد أكد أنه حصل عبر صفقة مع نحاث إسباني على (70) صكا سريا للغاية لم تنشر من قبل، وتكذب هذه الصكوك كل ما كتب عن مأساة الأندلس، وهي وثائق كان الفاتيكان حريصا على سريتها، وكانت مدفونة بأوامر من جميع البابوات، الذين دعوا إلى وجب إبادتها.. واستنتج المؤرخ أن: «كل من قرأ هذه الوثائق يجد نفسه أمام مؤامرة من الفاتيكان ضد إمارة المؤمنين بالأندلس».. وقد سلم المؤرخ وثائق للإسبان تهم تاريخهم مقابل الحصول على وثائق الفاتيكان التي تخص تاريخ المغرب. وأكد أن قراءته لهذه الوثائق تؤكد أن مأساة الأندلسيين كانت نكبة أساسها الخيانة، وتحكي عن الخونة الذين كانوا يحيطون بالملك ابن الأحمر الذي تم اتهامه خطأ في كتب التاريخ بأنه باع غرناطة مما يشرعن إعادة كتابة تاريخ المغرب والأندلس. وغني عن التذكير أن الرجل يعتبر حضارة الأندلس أرقى حضارة عرفتها البشرية.. وهو أندلسي الأصول.ء


L’historien marocain Mohamed Ibn Azzouz Hakim honoré à titre posthume par le gouvernement espagnol



ء    كُنْتُ على يقين مُنْذُ لِقائي بِبَنْ عزّوز حكيم في دارِهِ أوّلَ مرّةٍ رأيْتُه، أنّ هذا الإنسان المتواضِع، كان يُخْفي وراءه شخصية تاريخية وازِنة. وأنّ لِقائي به شرفٌ كبير.ء  
ء    تأمّلْتُ صورته وهو يُدخِّنُ أُنْبوبه (بيبّا)، كان رقيقاً ونحيفا. فتمنّيْتُ أن أكونَ وطنياً مَشّهوراً مثله. وأكْمَلْتُ قِراءة المقال:ء
ء     "في رحيل المؤرخ المغربي محمد ابن عزوز حكيم:م
انتقل إلى عفو ربه المؤرخ المغربي، محمد ابن عزوز حكيم، عن عمر يناهز التسعين حولا (1924-2014) لا يتوقف أبداً عن الكتابة. فقد ظل يواصل الكتابة حتى مطلع الفجر خلال العقد الأخير من حياته ذاته. ويعد ابن عزوز حكيم من أشهر المؤرخين المغاربة والعرب، فالرجل عاش بالطول والعرض القرن السابق 
وبعض هذا القرن الواحد والعشرين. كتب ابن عزوز أكثر من مئتي كتاب باللغة الأسبانية، ومئة كتاب ونيف باللغة العربية (320 كتابا). وما تزال بعض مخطوطاته على الرف، بل لم تزل آلاف الوثائق تنتظر أن تسهم في تحرير كتاب أو فصول من كتب."ء
ء    طويْتُ الجريدة ووضعْتُها جانِباً، وأنا أُفكِّر في لِقاءِ اليوم وأقول:ء
ء    ـ يا إلهي. لقد مات المسكين! إنّها خسارة كبيرة لِبلدنا كلّه! يجب أن أراه هذه العشية.ي



L’Espagne a décerné à titre posthume la « Grande Croix de l’Ordre civil d’Alphonse X le Sage » à l’historien marocain Mohamed Ibn Azzouz Hakim, distinction qui récompense les mérites dans les domaines de l’éducation, de la science et de la culture.
منحت إسبانيا المؤرخ المغربي المرحوم محمد بن عزوز حكيم وسام ألفونسو العاشر الحكيم، وهو تمييز يكافئ الخدمات التي تسدى في مجالات التربية والعلوم والثقافة
وأوضح بلاغ لرئاسة الحكومة الإسبانية، الجمعة، أنه صودق على منح هذا الوسام اليوم خلال الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الحكومة ماريانو راخوي


ء    أنْهيْتُ من رسْم الشِّعار. ويبس الورْنيش الذي أضْفى عليه جمالاً وروْنقاً. وجمعْتُ أدواتي وصِباغتي بِعِناية. كانت أمّي رحمها الله تُهيِّئُ الغذاء في المطْبخ الضّيِّق وتتأمّلُني وأنا أشْتغِل وتدْعو لي بِالنّجاح.ء
ء    اِرْتفعتْ آذان الظّهْر صادِحةٌ من الصّوْمعة القريبة، لِتتلاشى في سيمْفونية ضجيج المدينة المأْلوف، وصُراخ الباعة المُزْدحمين في شارعِنا بِعرباتهم الخشبية التي تجُرُّها الحمير والبِغال. وصمَتَ ضجيج آلة النِّجارة المُرْعِبة تحْتنا في الرّصيف كالعادة يوم الأحد.ء


ء    أطَلَّتْ عليَّ أخواتي الصغيرتين لِتريا عملي. وانْضَمَّتْ إليْهِما أمّي. فسألتْني أختي حورية:ء
ء    ـ هلْ ستُسلِّم الرّسم اليوم لِلْكاتِبِ العامّ؟ء
ء    ـ نعم. سأُسلِّمُه له اليوم. رُبَّما ستكون عنده مُلاحظة لِأُصحِّحها. هو سيحْتاجُه غداً الإثنين صباحاً في الاِجْتِماع مع العامل والسُّلْطة المَحلّية. هذا الإنسان جِدُّ مُحْترم. وأنا أشْتغِلُ معهُ بِالنّيّة وحُسْن طوِية. فتدخّلتْ أمّي قائلة:ء
ء    ـ لا تذهب الآن يا ابْني. هذا وقت الغذاء وبعْده وقت القَيْلولة والاِسْتِرْخاء. مِنَ الأحْسن أن تذْهبَ عندهُ بعْدَ العصْر. الصّورة جميلة. لِيكُنِ الله في عوْنِكَ بُنَيَّ...ء
ء    ـ عندكِ الحقّ أمّي. سأذهبُ عندهُ بعد العصْر.ء
ء    جمعْتُ أدوات الرّسم ووضعْتُها فوق المَكْتب. وعادت أختي حورية لِلاِشْتِغال على آلة الخياطة التي ساهمْتُ في شِرائِها. وأخي عبد الله يقْرأُ كِتاباً، وأخي مُحمّادي يلعب الرّامي مع نفْسِه.ء



آلة الخياطة "سِنْجِر" التي اشتريناها لِأختي حورية أنا وأمّي

ر    بعد صلاة العصْر، رجعتُ عنده حاملا رسْم الشِّعار. وعندما اقْتربْتُ من الفيلاّ، لمحْتُ عن بُعْد، حارس الدّار يغسِلُ السّيارة. حيَيْتُه وأدْخلني إلى الصّالون. وجدتُ الكاتب العامّ جالِسٌ على وثيرٍ كالعادة، وعلى الطّاوِلة صينية شاي وحلويات وكُتب وجرائد اليوم. كان معه رجلٌ أنيق. فسلّمْتُ له الرّسْم وسلّمْتُ عليهما، ودعاني االسّيد الكاتب العامّ لِلْجُلوس وتناوُلِ الحلويات. وقدّمَ لي صديقه على أنّهُ مدير فندق الريف بالنّاظور. كان يتحدّثُ بالعربية. كما قدّمني له بِصِفتي تِلميذ يتيم وفنّان مُبْتدِئ. ووضعَ الرّسم على الوثير المُقابِل لِيراهُ مُدير الفنْدق وهو يقول:ء
ء    ـ هذه ثمرة من أعْمال سّي عبد الرحمان. إنّهُ فنّانٌ واعِد. وأتمنّى أن أُساعِدهُ في هذا الاِتِّجاه. أفكِّر أن أُنظِّمَ له معْرِضاً فنّياً في قاعة العمالة الجديدة. وسأطْلُب له مِنْحة دِراسية من طرف السُّلْطة المَحلّية لِمُتابعةِ الفنّ في إسْبانْيا. مدريد أو برْسِلونة حيثُ الأكاديميات الكبيرة.ء
ء    بعد أن سألني عمّا إذا كُنْتُ أتردّدُ على الجمْعية الخيرية، قُلْتُ له أنّني أذْهبُ إليْها فقط لِجَلْبِ 6 خُبْزات التي يُعْطيها لي المدير سّي محمد يوْمِياً. وأنّ أكْلهم لا يُعْجِبُني. فضحِكَ وسألني عمّا إذا كانتْ أمّي تعْجِنُ الخُبْز، فلمّا قُلْتُ له إنّ أمّي طبّاخة ولكنها مريضة هذه الأيام. أخذَ ورقة وقلماً، وكتب عليها أشياء ومدّها لي قائلاً:ء
ء    ـ هذا بُون تُعْطيه لِمُدير الجمعية. بدَل 6 خُبْزات، سيُعْطيك  كيس طحين و5 ليتر من الزّيت كلّ شهر. هذا سيُوَفِّرُ عليْكَ مُعاناة الذّهاب والأياب كل يوم. وسترْبح المَزيد من الوقت تسْتثْمِرْهُ في عملِك. أنْتَ شابٌّ مُجْتهد. حاوِل أنْ تجْمع كلّ لوحاتِك وأعْمالِك لِأراها يوم الثُّلاثاء عندما أزوركم...ء
ء    فتضاعفتْ فرْحتي وأنا أسْمَع كلّ هذه الأخْبار السّارّة..!ء
فسألني مُدير فندق الرّيف:ء
ء    ـ سّي عبد الرحمان، ما هو نوْع فنِّك؟ هل يمكن أن ترْسم بورَتْريه لي؟ء 
ء    ـ أرسم لوحات ومناظِر طبيعية، وأرسم البورَتْريهات أيْضاً.ء
ء    وهنا مَدَّ يدهُ إلى جيْبِه، وأخْرجَ بِطاقةً أعْطاها لي بعد أن كتب خلفها: "يُسْمَح لحامِلها بالسباحة في مَسْبحِ فندق الرّيف مَجّاناً". مع إمْضائه، قائلاً:ء
ء     ـ سّي عبد الرحمان، يمكن أن تزورني في مَكْتبي بالفندق متى تشاء لِأعْطيكَ صورتي لِترسمها.ء
ء    ورجعْتُ إلى دارنا، وأنا أطيرُ سعادةً وفرحاً، في انْتِظارِ زِيارةِ الكاتب العامّ المَوْعودَة..!ه



يتبع

Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الحياة في باسو - في انتظار الإعْدام

Chapitre 3 ـ Sana ـ سناء

فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث