الفقرة 26


الفقرة 26

اِسْتِرْجاع لوحاتي

يوميات فنان مهاجر 

  بحثاً عنِ الزمن الضّائع


اِسْتِرْجاع لوحاتي





ء    عندما خرجْتُ من دار الكاتب العام، كان أوّلُ شيء دقَّ كناقوسٍ ناشِز في عقْلي، وسبَّبَ لي قلقاً وبلْبلة، مشكلة اِسْتِعادة لوحاتي التي توجد عند مدير الجمعية الخيرية، كنتُ عرضْتُها في قاعة الأكل الطّويلة في مُؤسّستِه، وكان ذالكَ يوم الخميس بعد الزّوال، بِمُناسبة حُضور السيد الحاج عبد الله الصقلي، عمّي العزيز الذي أفْتخِرُ بهِ رحمة الله عليه، مع رئيس الجمعية السيد مْحَمّد بوديح صهْرُنا رحمه الله، وضُيوف آخرين. وكان برْنامج ذاك اليوم، عرْض بعض ألأعْمال اليدوية لِلتلاميذ مع لوحاتي الخمْس المُؤَطّرَة. وكلّها كانت كبيرة الحجْم، تمثّل مناظر طبيعية زيتية. اِشْتريْتُها من مكتبة مليلية في الشارع الرئيسي (أبِنِذَ)، قُرْبَ الكنيسة الكاثوليكية. وكُلّها تُمثّلُ مناظر البحر في الصّباح ومع شروق الشّمس في المَغيب، وحياة البَحّارة، وعناصِر أخرى من الطّبيعة التي كُنْتُ أدْرُسها مع انْعِكاسات أضْواء الشُّروق والغُروب، ودِراسة الظِّلال والنّور، وهي المسائل الضّروري مَعْرِفتها لِكُلِّ دارِسٍ لِلْفن أو عاشِقاً له. وقد اِنْتقيْتُ هذه الصّور الجميلة بِعِنايةٍ ودِقّة حسبَ برْنامجي العملي وكل الخطوات التي يجبُ أن أقومَ بها من أجلِ النجاح في فنّي. واخترْتُ أسْهلها لِتُناسِبَ مُسْتوايَ البِدائي آنذاك.ء
ء    وبعد ذالك، سيُلْقي عمّي الحاج عبد الله درْساً دينياً وأخلاقياً حول البرّ بالوالدين ومزايا الإسلام...ء
ء    لَم أذهب إلى مدير الجمعية مُباشرةً. فضّلْتُ أن أُناقِشَ الموْضوع مع أمي وإخْواني أوّلاً، لِنَرى كيف سأسْتعيدُ لوحاتي الخمس ونحُلَّ هذه المُعْضِلَة. لِأنّي حاولْتُ ذالكَ من قبل، لكنّ المدير رفض إعْطاءها لي، بذريعة أنّ تِلْكَ الأعمال من إبْداع أوْلاد الجمعية، ويجب أن تبْقى مِلْكاً لَها.ء
ء    في دارِنا، كانت عائلتي مُتشوِّقة لِمعْرِفة ما جرى لي مع السّيّد الكاتب العام. ولمّا أخْبرْتُهم بِتفاصيل ما وقع، وأنَّ الأُمور تجْري بِخيْر، أعْطيْتُ لِأمّي ورقة البون لِلْحُصول على كيْس طحين و5 ليتر من زيت الميرِكان، فرحتْ أمّي كثيراً. وانْتصبَتْ في مكانها جالِسةً وكأنّها شُفِيَتْ من مرضِها وتبدّدتْ آلامها وقالت:ء
ء    ـ الحمد لله يا ابني، أفضِّلُ أن أعْجنَ بِنفْسي الخبز الذي نأكُلُه، على أنْ نشْتري خبز الفَرّان المليئ بِأعْقابِ السّجائر والصّراصير..! وهَلْ سنحْصُلُ شهرياً ورسْمياً على هذا الزّاد المُهِمّ يا ابني؟ء
ء    ـ نعم أمّي. هذا ما أكّدَهُ لي الكاتب العام بِحُضورِ مُدير فنْدق الرّيف الذي أعْطاني بِطاقةً لِأسْتَحِمَّ مَجّاناً في المَسْبحِ.ء
و    وناولْتُها البِطاقة، ثم أخذها أخي مُحمّادي وقرأها فقال فرِحاً:ء
ء    ـ لِحُسْنِ الحظِّ أنّهُ لم يكتُبْ إسْمَك. وهكذا يمكن أن يسْتعمِلها أيُّ واحِدٍ مِنّا. سأذهبُ لِأسْتحِمّ وأُجرِّبها غدا، إلاّ إذا كنتَ ستذهبُ أنتَ لِلسِّباحة.ء
ء    فقلتُ له:ء
ء    ـ عندي الكثير من المهامِّ تنتظرُني غداً وما بعْدَه. يجب أن أرسُمَ مجْموعةً من اللّوحات الفنّيّة لِأنَظِّمَ معْرِضاً. نسيتُ أن أقولَ لكم الخبر الأكْثر أهِمّيّةً بِالنِّسْبةِ لي، السّيّد الكاتِب العامّ بَنْ عزّوز وعدني بِإقامةِ معِرِضٍ لي في العمالة الجديدة قُرْبً البحر بعْدَ أسْبوعين. وسيطلب هو وسعادة العامل بوشْتة تْفاوْتي من السُّلْطة المَحلِّية مِنْحة شهرية لِأدْرُسَ الفنّ في إسْبانْيا.ء
ء    فزَغْردتْ أمّي رغْمَ مرضِها مُعبِّرةٌ عن سعادتها، وعانقْتْني قائِلة:ء
ء    ـ كمْ أنا فرِحةٌ بهذا الخبر السّعيد يا ابْني. أنْتَ تسْتهِلّ لِأنَّكَ تعملُ كثيراً وتقْرأُ دائِماً، وطُموحاتُكَ الكبيرة هي التي تدْفعُكَ بِعُنْفٍ إلى الأمام. وقد كُنْتَ دائِماً تحْلُم بِأنّكَ تطيرُ في السّماء. أرْجو أنْ يتحقّق هذا الحلم البعيد، كما أتمنّى لكَ التّوْفيق والنّجاح يا صغيري عبد الرحمان..!ء
ء    فحلَّقْتُ بعيداً بِخيالي إلى مَسْقطِ رأسي بِبني سيدال، لِأهيمَ في سراديبِ طُفولتي وأسْتدْعي أحْلامي. كان يُراوِدُني هذا الحلم دائماً. كنتُ أرى نفسي أطير. وأنّني فوْقَ سطْحِ دارِنا الواسِعة، وكلُّ أفْرادُ عائلتي جالِسين على الشُّرْفة الكبيرة أمامَ مَدْخلِ منْزِلِنا. وسُكّان حاراتنا المُجاوِرَة لنا خارِجَ بُيوتِهِم يتنزّهون. فأرْتمي من فوْق سطْحِنا وأبْدأُ في التّحْليق في الأعالي وأطيرُ مع الطُّيورِ في السّماء وأنا أصيحُ ابْتِهاجاً، وكلُّ النّاس تتأمّلُني وتتْبعُني بِعُيونِها المَذْهولةِ والمُسْتغْرِبَة..! ولم يكن ذالكَ الحُلْم الجميل الذي كان يتكرَّرُ من حينٍ لِآخر لِمُدّةِ سِنين، وكلّ السّينارْيوهات التي تُصاحِبُه، سِوى رغْبتي اللاّشُعورِية في أن أكونَ مَشْهوراً في المُسْتقْبلِ في فنّي..!ء
ء    وتدخَّلَ أخي عبد الله ناصِحاً:ء
ء    ـ أيّاكَ أن تتْرُكَ الأدب. أنْتَ قويٌّ في الدِّراسات الأدبية بِشهادةِ أساتِذتِك الذينَ أعْرِفُ بعْضهم ونتحدّث عنك عندما نلْتقي في المقاهي والمساجد. وثانِياً تعرِفُ أنّ الفنّان لا مُسْتَقْبل له في بِلادِنا..! بَدَلَ أن تذْهب إلى إسْبانْيا، خُذ المِنْحة واذهب لِمُتابعة دِراساتِك في الأدب في الرباط، وفي نفس الوقت تدرسُ الفن الذي تريدُه. في الرّباط معاهِد لِلموسيقى وأكاديميات لِلْفن وجامعات. نعْرِفُ طبْعك ومُيولك، أنْتَ مُتعطِّشٌ لِمعْرِفةِ كلّ شيْء..!ء
ء    وتدخَّلتْ أمّي بِدوْرِها وكأنّها لم تمرض أبداً:ء
ء    ـ أخوك عبد الله على صواب. لا تُغادِر دِراساتك في الأدب، ولا تذْهب إلى الخارِج. هل تتذكّر يوم ربحتَ النّقود بِبيْعِ بعض المناظِر؟ وذهبْنا معاً إلى مليلية لِشِراءِ آلة "الأكوردْيون" وعارضْتُك؟ ذالك الفنان العازِف لِلأكورْدْيون الذي رأيْتَهُ في مليلية، وتبِعْتَهُ لِتسْمع نغمات ألتِهِ الحزينة، يظلّ يوماً كامِلاً يجوبُ شوارعها لِيسْعى ويقْتات! إنه فنان فقير في إسبانيا، وأحْرى أن تكونَ فنّاناً في المغرب الفقير. إذا اعْتَمَدْتَ على الفنِّ وحْده لِتعيش، فاعْلَم أنَّكَ ستموتُ بالجوع يا فناني الصّغير..! إفْعل ما قاله أخوك عبد الله واذهب إلى الرّباط عند الحاجّة مَحْجوبة وعمّك الحاج بن عاشر، لِتعيشَ معهم في فيلّتِهم الجميلة ب "سلا". إنّهم أُناسٌ رائِعون ويُحِبّوننا. والحاجّة محْجوبة عِرْقُها أمازيغي ريفي، وبناتها الجميلات يعْشقْنَكم يا أولادي.ء







أنا مع مُؤْنِستي آلة الهارْمونيكا التي اشتريتها من مليلة بنقودي التي كنتُ أرْبحها بِاللّوحات الفنية التي أرسمها


ء    كُنْتُ سأُعارِضُ مُعارضتها، وأُجيبُ أنّ سَبب امْتِناعِها كان غلاء ثمن الأكوردْيون. واكْتفيْتُ بِشِراء هارْمونيكا من نوع البيان أكبر من التي كنتُ اشتريتها مُنْذُ عاميْن. ولكنني صمتْتُ وذالكَ أحْسَن، وكانَ خيْرَ الحُلول..!ء
ء     نظرْتُ إلى ساعتنا الحمراء المُعلّقة على الجِدار. الخامسة وعشرونَ دقيقة مساءً. كم يمُرُّ الوقت بِسُرْعة جُنونيةٍ كالبرْقِ الخاطِف عندما نحْتاجُه، وهو يجْتاحُنا على عجلٍ وبِلا مُبالاة..! ولا يطول إلاّ في أحْوالِ الفراغ المُمِلّ والحُزْ المُزْمِن، حينَ تذْبل كُلُّ الحوافِز، وتخْمُدُ الطُّموحات، كشمْعةٍ اِنْقضى نورُها. مَنْ كانت تُحرِّكُنا سِرّاً، لِلْعملِ وكلِّ الاِجْتهادات..! سيكونُ المدير قد غادر الجمعية الآن، ولذالكَ قُلْتُ لِأخي مُحمّادي: ء




اللوحات التي كانت محجوزة عند مدير الجمعية


ء    ـ غداً صباحاً ستذهب معي لِاسْتِعادةِ لوحاتي من الجمعية. وعندما سأسْترِدُّها، سأضعُ لي خُطّةً لِأعْرِفَ ماذا عليّ فِعْلُه، أصيرُ كالأعْمى عندما لا يكون عندي برْنامج، خارِطةُ طريق تُضيءُ سبيلي. وسأرْسُمُ لوحات أخرى لِأُقيمَ معرِضي. أريدُ أن ينجح هذا المعرض لِأنّ عليهِ يتوقّف مصير مُسْتقْبلي الفنّي.ء
ء    فطمْأنتْني أمّي قائلة:ء
ء    ـ ستنْجح يا ابْني إن شاء الله. أنا أدْعو معك ليْلَ نهار!ء
ء    في الصباح بعد الفطور، قُلْتُ لِأخي مُحمّادي أن السّاعة تُشير إلى التّاسِعة، وأنّهُ حانَ الوقت لِلذّهابِ إلى الجمعية.ء
ء    لَمْ تكنِ المُهِمّة شاقّة هذه المَرّة لِاسْتِرْدادِ لوحاتي التي كان المدير يحْجِزُها عنْده لِغرضٍ في نفسِ يعْقوب، ويمْنعُني حتّى من التّصرُّفِ فيها..! لِأنّ إقْحام الكاتب العامّ والعامل بوشْتة تْفاوْتي في موضوعِ مُفاوضاتي مع حاجِز اللّوَحات، سيجْعلُني في موْقِعِ قُوّة هذه المرّة، ويرضخ السيد المدير المُتعالي لِلْأمْر الواقع، ويُعيد لي لوحاتي مُبْتسِماً وصاغِرا، وسيكونُ من بيْنِ المَدْعَوينَ رسْمياً كمُمثِّل لِمُؤَسّسة حُكومِية رسْمِية: الجمعية الخيرية الاِسلامية بِالنّاظور، التّابِعة لِإدارة التّعاوُن الوطني آنَذاك. تِلْكَ اللّوَحات الرّومانْسِية الي رسمْتُها بِأجنِحةِ أحْلامي، وصبغْتُها بِدمي ودُموعي، والتي عبّرْتُ فيها عن حُبّي الجارِف لِلطبيعةِ والحياة..!ء




يتبع







Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

الحياة في باسو - في انتظار الإعْدام

Chapitre 3 ـ Sana ـ سناء

فقرة 13 ـ العُقْم الموْروث