فقرة 27 ـ الإنسان الملاك
فقرة 27
الإنسان الملاك
يوميات فنان مهاجر
بحثاً عنِ الزمن الضّائع
ء كنتُ سعيداً وأنا أمْسحُ الغُبار على لوحاتي التي اسْتَعدْتُها من الجمعية الخيرية بِيُسْر وبِدونِ تماطُل المدير هذه المَرّة. وضعْتُها مُصطفّةً أمامي وبدأتُ أتأمّلُها وأُفكِّر: بقِيَ لِلْمعرض أُسْبوعان. من المُمْكِنِ رسْم بعض اللّوحات الأخرى. رُبّما سبْعة إذا اشْتغلْتُ يوْمياً 8 ساعات على الأقلّ، مُسْتفيداً ومُسْتغِلاًّ ضوْء النّهار الطبيعي. والمجموع 12 لوحة. ولكن يجب أن تتشابه كل هذه اللّوحات التي سأعْرِضُها في موْضوعِها لِيكون هناك انْسِجام في الموضوع والألوان: الطّبيعة والبحر والجِبال والسّماء التي تتغير كل ثانية في ألوانِها وظِلالِها المُنْعكِسَة على البِحار والحُقول. وحياة الناس والبَحّارَة في أعْماق المُحيطات. ليس هناك أجْمل من الطّبيعة لِلرّسْم والإلْهام من طرفِ المُبْدِعين من أبْناء الطبيعة نفْسها..!ء
ء أيْقظني صوْتُ أخْتي حورية وهي تسْألُني:ء
ء ـ زِّمَحْمان. (هكذا كانتْ دائِماً تُناديني). متى سيأْتي عندنا الكاتِب العامّ؟ء
ء ـ في الغالِب بعد العصْر. لِماذا؟ء
ء ـ وقْتٌ مُناسِب لِلزّيارة. أريدُ أن ترى صديقتي جميلة، إبنة الجار عْمَرْ بوثْغاط هذا المَشْهد. أنا أفْتخِرُ بِكَ أخي. أنتَ تتعرّف دائِماً على أُناسٍ مُهِمّين..!ء
ء كنتُ سعيداً وأنا أمْسحُ الغُبار على لوحاتي التي اسْتَعدْتُها من الجمعية الخيرية بِيُسْر وبِدونِ تماطُل المدير هذه المَرّة. وضعْتُها مُصطفّةً أمامي وبدأتُ أتأمّلُها وأُفكِّر: بقِيَ لِلْمعرض أُسْبوعان. من المُمْكِنِ رسْم بعض اللّوحات الأخرى. رُبّما سبْعة إذا اشْتغلْتُ يوْمياً 8 ساعات على الأقلّ، مُسْتفيداً ومُسْتغِلاًّ ضوْء النّهار الطبيعي. والمجموع 12 لوحة. ولكن يجب أن تتشابه كل هذه اللّوحات التي سأعْرِضُها في موْضوعِها لِيكون هناك انْسِجام في الموضوع والألوان: الطّبيعة والبحر والجِبال والسّماء التي تتغير كل ثانية في ألوانِها وظِلالِها المُنْعكِسَة على البِحار والحُقول. وحياة الناس والبَحّارَة في أعْماق المُحيطات. ليس هناك أجْمل من الطّبيعة لِلرّسْم والإلْهام من طرفِ المُبْدِعين من أبْناء الطبيعة نفْسها..!ء
ء أيْقظني صوْتُ أخْتي حورية وهي تسْألُني:ء
ء ـ زِّمَحْمان. (هكذا كانتْ دائِماً تُناديني). متى سيأْتي عندنا الكاتِب العامّ؟ء
ء ـ في الغالِب بعد العصْر. لِماذا؟ء
ء ـ وقْتٌ مُناسِب لِلزّيارة. أريدُ أن ترى صديقتي جميلة، إبنة الجار عْمَرْ بوثْغاط هذا المَشْهد. أنا أفْتخِرُ بِكَ أخي. أنتَ تتعرّف دائِماً على أُناسٍ مُهِمّين..!ء
ء ـ كيْفما كان الحال، سيرى أحدهم مَجيء الكاتب العام وهو يدخل إلى بيْتِنا. أبوهم يجلس دائِماَ في بابِ الحديدية على الكرسي في الرّصيف، وكذالك أبناؤه محمد ومصطفى صديقي.ء
ء نظرْتُ إلى الساعة الحمراء، كانت عقارِبُها تُشيرُ إلى مُنْتصفِ النّهار. حان الوقْت لِترْتيب الدار قبل أن يصِلَ ضيْفُنا الكريم الكاتب العامّ. كانتْ أمّي مُنْهمِكة في تهْييءِ الغذاء، وأختي حورية تُنظِّفُ الدار وشرعتْ في الهُبوط مع الدُّرْجِ وتجْفيفه. وأخي عبد الله في مدرسته بِ "إرَحْيَنَنْ" التي يتنقّلُ إليْها على درّاجتِهِ النارية لِيُعلّمُ التلاميذ في الاِبْتِدائي. وأخي مُحمّادي جالِسٌ في بيْتِ الضُّيوف كالضّائِع بِلا هدف..!ء
أخي عبد الله مع أحد تلامذته في مدرسته بِ إرَحْيَنَنْ
أخي عبد الله بِبِذلة المعلم
ء قُمْتُ وبدأْتُ أُعلِّقُ لوحاتي في بيتِ الضُّيوف وغرْفة المَدْخل. ورتَّبْتُ صِباغتي وريشاتي وكل أدوات الرّسْم في فناءِ الدار، ووضعْتُ قِطْعة من الورق المُقَوّى لِأبْدَأَ الرّسم اِسْتِعْداداً لِلْمعْرِض القريب.ء
ء مَدَّتْ لي أمّي المِطْرقة لِأدُقَّ آخر مِسْمارٍ على الجِدار لِأُعلِّق اللوْحة الأخيرة وأنا فوْقَ الكُرْسِيّ. وقالت:ء
ء ـ هذه اللّوحات جميلة. أُتْرُكْها مُعلّقةً هكذا في دارنا لِكيْلا تبْقى الجُدْران عارِية. حفِظَكَ الله يا ابْني. سنتغذّى الآن... وذهبَتْ لِتُهيِّئَ المائدة.ء
ء بعد الغذاء الذي اجْتمعْنا حوْله جميعاً ما عدا أخي عبد الله الذي كان يُدرِّسُ في "إرَحْيَنَن"، جلسْنا مُسْتلْقينَ على "السّدّاري" في بيتِ الظّيوف الضّيِّق نتحدّث بيْننا. فقالت أختي ثمونْت:ء
ء ـ لوْنُ سيارة الكاتِب العام أسْوَد ياك أزِّ مَحْمان؟ء
ء ـ فأجابتْ حورية:ء
ء ـ السّيارة طويلة سوداء، بِلوْحةٍ فيها أحْرف وأرْقام حمْراء. سيارة مَخْزنِية. رأيْتُها يوْم أوْصَلَ السّائق ازِّمَحْمان إلى دارِنا.ء
ء وتدخّلَتْ أمّي راجِية:ء
ء ـ يا لَيْتَ يا ابْني السّيّد الكاتِب العامّ يجِدُ لِأخيكَ مُحمّادي وظيفة معه في البلدية أو العمالة. إن شاء الله. الرّاحَةُ قهرتْهُ..!ء
ء فقُلْتُ لها:ء
ء ـ يمكن لكِ أنْ تطْلُبي مِنْهُ هذا الطّلَب بِنفْسِكِ أمّي. قولي له ذالك ورُبّما سيسْتجيبُ لِطلبِكِ. أعْتقِدُ أنّهُ إنسانٌ طيِّب ويُريدُ مُساعدتنا حقّاً. ولكن لا زِلْتُ غير مُقْتنِع لِماذا يفعلُ كلّ ذالِك؟ء
ء فقال أخي مُحمّادي:ء
ء ـ لِكوْنِه مُثقّف وعاش في الأندلس ومُؤرِّخُ الدّوْلة، فإنّهُ يحترمُ الفن وكذالِكَ لِأنّهُ يحْتاجُك في الرّسْم لِمُؤلّفاتِه.ء
ء ـ رُبّما.ء
ء فسألتْني أمّي:ء
ء ـ سأُهيِّئُ برّاد شاي بِالنّعْناع لِيذوقَ الكاتب العام شاينا. ولكن ليْسَ عندنا حلويات.ء
ء فأجبْتُها:ء
ء ـ الأثْرِياء لا يأكلون من أطْباق الفقراء أمّي..!ء
ء لَمْ نُحِسّ بِمُرور الوقت حتى تناهتْ أصْداء آذان العصْر إلى آذانِنا. ونهظتْ أخْتي حورية قائلة:ء
ء ـ أنا سأصْعدُ إلى السّطْح لِأُراقِبَ مجيء الكاتِب العامّ.ء
ء فتبعتْها أختي ثمونْت. وبقيتُ في مكاني مع الوالدة وأخي وأنا أُفكِّر مع نفْسي:ء
ء ـ أرْجو أن يأتي وألاّ يُخيب ظنّي. وأن يكون رجل قوْل وفِعْل، وأن يحترم كلمته ويفي بِوَعْدِه كما أفْعلُ أنا معهُ ومع غيْرِه. أعْرِفُ بِتجربتي أنّ رِجال السُّلطة معادِن. ورُبّما مَعْدن هذا الإنسان من النّوْع الجيِّد النّادِر. أتمنّى ذالك من كُلِّ قلْبي. وأن يعملَ لِأجْلِ صالِح هذا الإقليم المَنْسِيّ. ليْسَ من المعقول ونحن على عتبة القرن 21 ، ألاّ تكون عندنا أكاديميات لِلفنون التّشكيلية لِلْمُتعطِّشينَ لِلْفنِّ أمْثالي، ومعاهد الموسيقى وعلم الأصوات لِنتعلّم الحضارة ككُلِّ الشُّعوب والأُمم الأخْرى. ولا توجد في مُقرّراتنا حتى مادة التربية التشكيلية ضمن منظومتنا التعليمية، في حين قُرِّرَتْ مناهج التربية الإسلامية لجميع المستويات الدراسية بالتعليم العمومي والخصوصي في بلادِنا منذُ عُصور، دونَ أن أعرِفَ ماذا اسْتَفَدْنا منها جميعاً..!؟ ما عدا مَقْصدها وغايتها الكبرى، وهي تحقيق "كمال حرية الإنسان" من خلال إخلاص "العبودية" لِلّهِ وحده، وبذلك "يتحرر" الإنسان من أية عبودية أخرى..!ىا
ء أيْقظني صراخ أختي ثمونت وهي تناديني من فوْق السّطْح:ء
ء ـ زِّمَحْماااان، الكاتب العامّ وصل.ء
ء فحمِدْتُ الله لِأنّه لم يُخيِّب ظنّي، وحَقَّقَ لي مَا كَانَ مَأْمُولاً وَمَطْلُوباً، وأنّهُ فِعْلاً إنسان ذو كلمة ومِصْداقِية.ء
ء وهبطتْ أختي حورية توصيني أن أنبِّهَ الكاتب العام لِكيلا يجرح رأسهُ مع سقْف الدّرْج الضّيّق وهو يصْعد.ء
ء هبطْتُ بِسرْعة، وجدْتُ سيارة الكاتب العام واقفة أمام باب منزِلِنا، وهبط السائق لِيفْتح الباب لِلْكاتب العام على مرْآى الجيران الفُضولِيّين.ء
ن نزل الكاتب العام بِهدوئه المُعْتاد لابِساً بِذلة مع سروالٍ أسود وربطة عنق زرقاء، وفي فمه أنْبوب التّدخين (بيبّا). اِقْتربْتُ منهُ وسلّمْتُ عليه. فابْتسم وقال: ء
ء ـ هُنا تسْكُن أيها الفنّان الصّغير؟ء
ء فأجبْتُه وأنا أُرحِّبُ به لِيدْخُل:ء
ء ـ نعم هنا أُقيمُ مع عائلتي الصّغيرة. الدار قديمة، الدّرْج ضيِّق وأحْياناً نصْطدِم مع السّقْف بِرُؤوسِنا.ء
ء ـ لا عليك، سأنْتبِه! أنا أيْضاً في طُفولتي سكنْتُ شُققاً ضيِّقة.ء
ء عندما دخلْنا، كان أخي مُحمّادي واقِفٌ لِيُسلِّمَ على الكاتب العامّ ويُرحِّب به. ووراءهُ أمي ثمّ أخواتي الصغيرتين. وعندم سلّمَ على الجميع، بدأَ يتأمّل لوحاتي المُعلّقة واحدة بعد أُخْرى. وسألني:ء
ء ـ هذه كلّها أعْمالُك؟ء
ء ـ نعم.ء
ء وذهب إلى فناء الدّار ولاحظَ أدوات رسْمي وصِباغتي، ثمّ ألْقى نظْرةً على المَطْبخِ الصّغيركذالك. فقالت له أمّي:ء
ء ـ تفضّل إلى بيتِ الضّيوف سيِّدي.ء
ء وجرتْ إلى المطْبخ، وأتتْ بِصينيةِ الشاي. وضعتْها على الطاوِلة، ثمّ بدأتْ تصُبُّ الشاي لِلضّيف قائلة:ء
ء ـ إجْلس سيّدي. هذا شرف كبير لنا أن تزوروا دارنا المُتواضِعة. ومدّتْ له كأس الشاي الذي أخذهُ وشرِبَ منه.ء
ء تأمّلَ وُجوه الحاضرين حوْلَه، فسألَ أخي:ء
ء ـ ما اسْمُك؟ وما مُسْتواكَ الدِّراسي وماذا تعْمل؟ء
ء ـ مُحمّادي، الثالثة ثانوي. لا أشتغل.ء
ء فتدخّلتْ أمّي بِعربِيَّتَها المُرقَّعة وهي تتوسّل:ء
ء ـ أسيدي الكاتب العام، بِعْتُ كل ما عندي واِقْترضْتُ نِصْف مليون وأرْسلْتُه إلى الخارج بدونِ فائدة. يا ليْتَ سيّدي تجد له وظيفة لِيُساعِدنا. الله يرحم والديك.ء
ء فقال الكاتب العام:ء
ء ـ اليوم الثلاثاء، غدا الأربعاء عندي اجتماعات كثيرة. يوم الخميس صباحاً ستأتي إلى مكتبي بالعمالة، قل لِلكاتب أنكَ أخُ الفنان وأنني مَن اِسْتدْعيتك لِيَأْذَنَ لَكَ بِالدّخول عندي. ستشتغل ككاتِب في قِسْم الحالة المدنية. مُوَظَّف بِراتِبٍ شهْري مُهِمّ.ء
ء فقامَتْ أمّي فرِحة، وقبّلَتْ رأسَ الكاتب العامّ وشكرتْه.ء
ء وسألَ أختي حورية:ء
ء ـ وأنتِ ما اسْمُكِ أيّتها الجميلة؟ء
ء ـ حورية سيِّدي.ء
ء ـ هلْ سبقَ لكِ أنْ درسْتِ؟ يُمْكِنُ أن تتسجّلي كتِلميذة في المدرسة التي فتحْتُها مُنْذُ 3 أشْهر لِتعليم الخياطة في حيّ "أرِّكُلَرِسْ". هل لكِ رغْبة في التّعلُّم.ء
ء ـ أنا عندي شواهد وديبْلومات لِتعليم الخياطة والفصالة والطّرز.ء
ء ـ رائع! هذا أحْسن. عندنا خصاص في الأُطُر، ونحتاجُ إلى مُعلِّمات مِثْلك. يمكن أن تلْتحِقي بالمدرسة من الغد إذا لم يكن عندكِ مانِع. سأتّصل هاتفياً بِالمديرة لِتُخصِّصَ لكِ قِسْماً خاصّاً. هل أنْتِ مُتّفِقة؟ء
ء وابْتسمتْ أُخْتي فرِحة بهذه المُفاجأة وقالتْ:ء
ء ـ نعم نعم. أنا مُتّفقةٌ سيِّدي الكريم، ياك أمّي؟ء
ء فقالت أمّي تشْكر السيّد الكاتب العامّ:ء
ء ـ نعم ستعْمل سيّدي لِتُساعِدنا. نحْنُ مُمْتنّونَ لك. ونشكرك على هذه المُساعدات القَيِّمة. الله إطوّل في عُمْرِك سيِّدي...ء
ء فهمستْ أختي ثمونتْ في أذُنِ حورية بِالإسْبانية لِكيْ تُري طرْزها الأخير ودِبْلوماتِها لِلكاتب العام.ء
ء فتفاجأَ الكاتب العام وسأل أخواتي بِاللُّغة الإسبانية:ء
ء ـ أنتنّ تُتْقِنْنَ الإسبانية، أيْنَ تعلّمْتُنّ؟ء
ء فأجابتْهُ ثمونْتْ بِالإسبانية:ء
ء ـ تعلّمْنَا في مدرسة الرّاهِبات الإسبانية. كُنّا نزيلات فيها مُدّة 5 سنوات، ودرسنا الإبتدائي كلّه بِالإسبانية.ء
ء فقال لها:ء
ء أنا عِشْتُ في إسْبانيا، وبالظّبْط في الأنْدلُس.ء
ء وعادتْ أختي حورية بِمِلفٍّ كبير يحتوي على نماذج من الطّرْز والدّانْتيل ودِبْلومها، وقدّمتها لِلْكاتب العام الذي بدأ يتصفّحها مُعْجِباً بِمهارتِها. ونهظَ واقفاً وهو يقول:ء
ء ـ حقيقة هذه من غرائب الصُّدف! عندما فرِغْتُ من ترْميم عِمارة "أرِّكولاريس" وتجْهيزها وتدْشينها كمدرسة لِتعليم فنون الخياطة لِلبنات والنّساء، كُنْتُ أبْحثُ عن كفاءاتٍ وأُطُر مِثْلك الأُسْتاذة حورية لِنُظيف مادّة الطّرز. هذا المِلفّ مُهِمّ ويحتوي على أفكار ستنْفعُنا، سأحْتفِظُ به مُؤَقَّتاً مع شواهِدك، لِأدْرُس المَشْروع مع مديرة المدرسة التي ستشْتغِلينَ فيها ابْتِداءً من الغد.ء
ء وأمرني الكاتب العام أن أُنادي على سائِقِه الذي جاء بِسُرْعة، فأعْطاهُ المِلف. كما طلب مِنّا اِعْطاءهُ واحدة من صُحون الفخّار المُعلّقة على الجِدار التي حملْناها معنا من بني سيدال عند هِجْرتِنا، والتي كان يأتي بها أبي رحمه الله من الجزائر. فصعد أخي على الكُرْسيّ لِيُعْطيها لِلكاتب العام الذي بدأ يتأمّلُها مُعْجِباً. فأمرتْ أمّي أخي مُحمّادي لِينْزعَ الصُّحون الثّلاثة كلّها وإعْطائها هدية لِضيْفِنا الكريم الذي فرِحَ بها. وسلّمها لِلسّائق لِيضعها في السّيارة مع صورة أمّي التي صبغتها وأطّرْتُها في ذالكَ الوقت...ء
ء ودَّعَنا السيد الكاتب العامّ وشكرَنا على حفاوةِ الاِستِقْبال، ثمّ اسْتدارَ ذاهِباً بِهُدوئِهِ المُعْتاد. فهبطْتُ معه الدّرْج لِأُودِّعه بِدوْري، وأنا جِدُّ سعيد بِما حقَّقْتُهُ اليوم من مكاسِب لي ولِعائِلتي. ولاسيّما أمّي التي عادتْ البَسْمةُ إلى وجْهها الذي ظلَّ عبوساً وحزيناً مُنْذُ مات أبي وهاجرْنا بَلْدتنا ودارنا بِبني سيدال. وتحرَّكتْ سيارته المَخْزنية السّوْداء مُبْتعِدةٌ بعْدَ أنْ غرسَ بُذور التّفاؤُل في أفْرادِ عائلتي الفُقراء. وتركهم يشْكُرون ويحْلُمون. وعرفْتُ أنّ هُناك ملائِكة تعيشُ معنا وبيْننا فوْقَ هذه الأرض، ولكنّنا لا نعْرِفُها..! ء
ء نظرْتُ إلى الساعة الحمراء، كانت عقارِبُها تُشيرُ إلى مُنْتصفِ النّهار. حان الوقْت لِترْتيب الدار قبل أن يصِلَ ضيْفُنا الكريم الكاتب العامّ. كانتْ أمّي مُنْهمِكة في تهْييءِ الغذاء، وأختي حورية تُنظِّفُ الدار وشرعتْ في الهُبوط مع الدُّرْجِ وتجْفيفه. وأخي عبد الله في مدرسته بِ "إرَحْيَنَنْ" التي يتنقّلُ إليْها على درّاجتِهِ النارية لِيُعلّمُ التلاميذ في الاِبْتِدائي. وأخي مُحمّادي جالِسٌ في بيْتِ الضُّيوف كالضّائِع بِلا هدف..!ء
أخي عبد الله مع أحد تلامذته في مدرسته بِ إرَحْيَنَنْ
أخي عبد الله بِبِذلة المعلم
ء مَدَّتْ لي أمّي المِطْرقة لِأدُقَّ آخر مِسْمارٍ على الجِدار لِأُعلِّق اللوْحة الأخيرة وأنا فوْقَ الكُرْسِيّ. وقالت:ء
ء ـ هذه اللّوحات جميلة. أُتْرُكْها مُعلّقةً هكذا في دارنا لِكيْلا تبْقى الجُدْران عارِية. حفِظَكَ الله يا ابْني. سنتغذّى الآن... وذهبَتْ لِتُهيِّئَ المائدة.ء
ء بعد الغذاء الذي اجْتمعْنا حوْله جميعاً ما عدا أخي عبد الله الذي كان يُدرِّسُ في "إرَحْيَنَن"، جلسْنا مُسْتلْقينَ على "السّدّاري" في بيتِ الظّيوف الضّيِّق نتحدّث بيْننا. فقالت أختي ثمونْت:ء
ء ـ لوْنُ سيارة الكاتِب العام أسْوَد ياك أزِّ مَحْمان؟ء
ء ـ فأجابتْ حورية:ء
ء ـ السّيارة طويلة سوداء، بِلوْحةٍ فيها أحْرف وأرْقام حمْراء. سيارة مَخْزنِية. رأيْتُها يوْم أوْصَلَ السّائق ازِّمَحْمان إلى دارِنا.ء
ء وتدخّلَتْ أمّي راجِية:ء
ء ـ يا لَيْتَ يا ابْني السّيّد الكاتِب العامّ يجِدُ لِأخيكَ مُحمّادي وظيفة معه في البلدية أو العمالة. إن شاء الله. الرّاحَةُ قهرتْهُ..!ء
ء فقُلْتُ لها:ء
ء ـ يمكن لكِ أنْ تطْلُبي مِنْهُ هذا الطّلَب بِنفْسِكِ أمّي. قولي له ذالك ورُبّما سيسْتجيبُ لِطلبِكِ. أعْتقِدُ أنّهُ إنسانٌ طيِّب ويُريدُ مُساعدتنا حقّاً. ولكن لا زِلْتُ غير مُقْتنِع لِماذا يفعلُ كلّ ذالِك؟ء
ء فقال أخي مُحمّادي:ء
ء ـ لِكوْنِه مُثقّف وعاش في الأندلس ومُؤرِّخُ الدّوْلة، فإنّهُ يحترمُ الفن وكذالِكَ لِأنّهُ يحْتاجُك في الرّسْم لِمُؤلّفاتِه.ء
ء ـ رُبّما.ء
ء فسألتْني أمّي:ء
ء ـ سأُهيِّئُ برّاد شاي بِالنّعْناع لِيذوقَ الكاتب العام شاينا. ولكن ليْسَ عندنا حلويات.ء
ء فأجبْتُها:ء
ء ـ الأثْرِياء لا يأكلون من أطْباق الفقراء أمّي..!ء
ء لَمْ نُحِسّ بِمُرور الوقت حتى تناهتْ أصْداء آذان العصْر إلى آذانِنا. ونهظتْ أخْتي حورية قائلة:ء
ء ـ أنا سأصْعدُ إلى السّطْح لِأُراقِبَ مجيء الكاتِب العامّ.ء
ء فتبعتْها أختي ثمونْت. وبقيتُ في مكاني مع الوالدة وأخي وأنا أُفكِّر مع نفْسي:ء
رحمك الله الكاتب العام أحمد بن عزّوز حكيم. الحاكم المَلاك الذي ساعد كل عائلتي وغيّرَ حياتنا إلى الأحسن
ء أيْقظني صراخ أختي ثمونت وهي تناديني من فوْق السّطْح:ء
ء ـ زِّمَحْماااان، الكاتب العامّ وصل.ء
ء فحمِدْتُ الله لِأنّه لم يُخيِّب ظنّي، وحَقَّقَ لي مَا كَانَ مَأْمُولاً وَمَطْلُوباً، وأنّهُ فِعْلاً إنسان ذو كلمة ومِصْداقِية.ء
ء وهبطتْ أختي حورية توصيني أن أنبِّهَ الكاتب العام لِكيلا يجرح رأسهُ مع سقْف الدّرْج الضّيّق وهو يصْعد.ء
ء هبطْتُ بِسرْعة، وجدْتُ سيارة الكاتب العام واقفة أمام باب منزِلِنا، وهبط السائق لِيفْتح الباب لِلْكاتب العام على مرْآى الجيران الفُضولِيّين.ء
ء
السيد الكاتب العام يخرج من سيارته
ن نزل الكاتب العام بِهدوئه المُعْتاد لابِساً بِذلة مع سروالٍ أسود وربطة عنق زرقاء، وفي فمه أنْبوب التّدخين (بيبّا). اِقْتربْتُ منهُ وسلّمْتُ عليه. فابْتسم وقال: ء
ء ـ هُنا تسْكُن أيها الفنّان الصّغير؟ء
ء فأجبْتُه وأنا أُرحِّبُ به لِيدْخُل:ء
ء ـ نعم هنا أُقيمُ مع عائلتي الصّغيرة. الدار قديمة، الدّرْج ضيِّق وأحْياناً نصْطدِم مع السّقْف بِرُؤوسِنا.ء
ء ـ لا عليك، سأنْتبِه! أنا أيْضاً في طُفولتي سكنْتُ شُققاً ضيِّقة.ء
ء عندما دخلْنا، كان أخي مُحمّادي واقِفٌ لِيُسلِّمَ على الكاتب العامّ ويُرحِّب به. ووراءهُ أمي ثمّ أخواتي الصغيرتين. وعندم سلّمَ على الجميع، بدأَ يتأمّل لوحاتي المُعلّقة واحدة بعد أُخْرى. وسألني:ء
ء ـ هذه كلّها أعْمالُك؟ء
ء ـ نعم.ء
ء وذهب إلى فناء الدّار ولاحظَ أدوات رسْمي وصِباغتي، ثمّ ألْقى نظْرةً على المَطْبخِ الصّغيركذالك. فقالت له أمّي:ء
ء ـ تفضّل إلى بيتِ الضّيوف سيِّدي.ء
ء وجرتْ إلى المطْبخ، وأتتْ بِصينيةِ الشاي. وضعتْها على الطاوِلة، ثمّ بدأتْ تصُبُّ الشاي لِلضّيف قائلة:ء
ء ـ إجْلس سيّدي. هذا شرف كبير لنا أن تزوروا دارنا المُتواضِعة. ومدّتْ له كأس الشاي الذي أخذهُ وشرِبَ منه.ء
ء تأمّلَ وُجوه الحاضرين حوْلَه، فسألَ أخي:ء
ء ـ ما اسْمُك؟ وما مُسْتواكَ الدِّراسي وماذا تعْمل؟ء
ء ـ مُحمّادي، الثالثة ثانوي. لا أشتغل.ء
ء فتدخّلتْ أمّي بِعربِيَّتَها المُرقَّعة وهي تتوسّل:ء
ء ـ أسيدي الكاتب العام، بِعْتُ كل ما عندي واِقْترضْتُ نِصْف مليون وأرْسلْتُه إلى الخارج بدونِ فائدة. يا ليْتَ سيّدي تجد له وظيفة لِيُساعِدنا. الله يرحم والديك.ء
ء فقال الكاتب العام:ء
ء ـ اليوم الثلاثاء، غدا الأربعاء عندي اجتماعات كثيرة. يوم الخميس صباحاً ستأتي إلى مكتبي بالعمالة، قل لِلكاتب أنكَ أخُ الفنان وأنني مَن اِسْتدْعيتك لِيَأْذَنَ لَكَ بِالدّخول عندي. ستشتغل ككاتِب في قِسْم الحالة المدنية. مُوَظَّف بِراتِبٍ شهْري مُهِمّ.ء
ء فقامَتْ أمّي فرِحة، وقبّلَتْ رأسَ الكاتب العامّ وشكرتْه.ء
ء وسألَ أختي حورية:ء
ء ـ وأنتِ ما اسْمُكِ أيّتها الجميلة؟ء
ء ـ حورية سيِّدي.ء
ء ـ هلْ سبقَ لكِ أنْ درسْتِ؟ يُمْكِنُ أن تتسجّلي كتِلميذة في المدرسة التي فتحْتُها مُنْذُ 3 أشْهر لِتعليم الخياطة في حيّ "أرِّكُلَرِسْ". هل لكِ رغْبة في التّعلُّم.ء
ء ـ أنا عندي شواهد وديبْلومات لِتعليم الخياطة والفصالة والطّرز.ء
ء ـ رائع! هذا أحْسن. عندنا خصاص في الأُطُر، ونحتاجُ إلى مُعلِّمات مِثْلك. يمكن أن تلْتحِقي بالمدرسة من الغد إذا لم يكن عندكِ مانِع. سأتّصل هاتفياً بِالمديرة لِتُخصِّصَ لكِ قِسْماً خاصّاً. هل أنْتِ مُتّفِقة؟ء
أخواتي الصغيرتان
ء وابْتسمتْ أُخْتي فرِحة بهذه المُفاجأة وقالتْ:ء
ء ـ نعم نعم. أنا مُتّفقةٌ سيِّدي الكريم، ياك أمّي؟ء
ء فقالت أمّي تشْكر السيّد الكاتب العامّ:ء
ء ـ نعم ستعْمل سيّدي لِتُساعِدنا. نحْنُ مُمْتنّونَ لك. ونشكرك على هذه المُساعدات القَيِّمة. الله إطوّل في عُمْرِك سيِّدي...ء
ء فهمستْ أختي ثمونتْ في أذُنِ حورية بِالإسْبانية لِكيْ تُري طرْزها الأخير ودِبْلوماتِها لِلكاتب العام.ء
ء فتفاجأَ الكاتب العام وسأل أخواتي بِاللُّغة الإسبانية:ء
ء ـ أنتنّ تُتْقِنْنَ الإسبانية، أيْنَ تعلّمْتُنّ؟ء
ء فأجابتْهُ ثمونْتْ بِالإسبانية:ء
ء ـ تعلّمْنَا في مدرسة الرّاهِبات الإسبانية. كُنّا نزيلات فيها مُدّة 5 سنوات، ودرسنا الإبتدائي كلّه بِالإسبانية.ء
ء فقال لها:ء
ء أنا عِشْتُ في إسْبانيا، وبالظّبْط في الأنْدلُس.ء
ء وعادتْ أختي حورية بِمِلفٍّ كبير يحتوي على نماذج من الطّرْز والدّانْتيل ودِبْلومها، وقدّمتها لِلْكاتب العام الذي بدأ يتصفّحها مُعْجِباً بِمهارتِها. ونهظَ واقفاً وهو يقول:ء
ء ـ حقيقة هذه من غرائب الصُّدف! عندما فرِغْتُ من ترْميم عِمارة "أرِّكولاريس" وتجْهيزها وتدْشينها كمدرسة لِتعليم فنون الخياطة لِلبنات والنّساء، كُنْتُ أبْحثُ عن كفاءاتٍ وأُطُر مِثْلك الأُسْتاذة حورية لِنُظيف مادّة الطّرز. هذا المِلفّ مُهِمّ ويحتوي على أفكار ستنْفعُنا، سأحْتفِظُ به مُؤَقَّتاً مع شواهِدك، لِأدْرُس المَشْروع مع مديرة المدرسة التي ستشْتغِلينَ فيها ابْتِداءً من الغد.ء
ء وأمرني الكاتب العام أن أُنادي على سائِقِه الذي جاء بِسُرْعة، فأعْطاهُ المِلف. كما طلب مِنّا اِعْطاءهُ واحدة من صُحون الفخّار المُعلّقة على الجِدار التي حملْناها معنا من بني سيدال عند هِجْرتِنا، والتي كان يأتي بها أبي رحمه الله من الجزائر. فصعد أخي على الكُرْسيّ لِيُعْطيها لِلكاتب العام الذي بدأ يتأمّلُها مُعْجِباً. فأمرتْ أمّي أخي مُحمّادي لِينْزعَ الصُّحون الثّلاثة كلّها وإعْطائها هدية لِضيْفِنا الكريم الذي فرِحَ بها. وسلّمها لِلسّائق لِيضعها في السّيارة مع صورة أمّي التي صبغتها وأطّرْتُها في ذالكَ الوقت...ء
الهدايا المتواضعة التي أخذها الكاتب العام
ء ودَّعَنا السيد الكاتب العامّ وشكرَنا على حفاوةِ الاِستِقْبال، ثمّ اسْتدارَ ذاهِباً بِهُدوئِهِ المُعْتاد. فهبطْتُ معه الدّرْج لِأُودِّعه بِدوْري، وأنا جِدُّ سعيد بِما حقَّقْتُهُ اليوم من مكاسِب لي ولِعائِلتي. ولاسيّما أمّي التي عادتْ البَسْمةُ إلى وجْهها الذي ظلَّ عبوساً وحزيناً مُنْذُ مات أبي وهاجرْنا بَلْدتنا ودارنا بِبني سيدال. وتحرَّكتْ سيارته المَخْزنية السّوْداء مُبْتعِدةٌ بعْدَ أنْ غرسَ بُذور التّفاؤُل في أفْرادِ عائلتي الفُقراء. وتركهم يشْكُرون ويحْلُمون. وعرفْتُ أنّ هُناك ملائِكة تعيشُ معنا وبيْننا فوْقَ هذه الأرض، ولكنّنا لا نعْرِفُها..! ء
يتبع







Commentaires
Enregistrer un commentaire