الفقرة 28 ـ العصا الذهبية
الفقرة 28
العصا الذهبية
يوميات فنان مهاجر
بحثاً عنِ الزمن الضّائع
ء كانت هذه العملية بِالنِّسْبةِ لي عملية حِسابية منْطِقِية بسيطة، بل ميكانيكية لِسُهولتِها وفِعاليتها البيداغوجية والتّرْبوية. لِأنّه بِمُجرّد أنْ تُوفِّرَ نفس الشُّروط المُناسِبة لها، ستحْصُل على نفس النّتيجة المَرْجوّة بِدونِ مُشْكِل. لِدرجة يُمْكن اعْتِبارها وَصْفَة بسيطة أوْ لُعْبة لِلصِّغار. كنتُ دائِماً أتعامل في حياتي بهذه الطريقة: طريقة أوْ مِنْهجِية العمل بِالأهْداف المُبرْمَجَة بِعقْلانية، والمُوزّعة على فترات. أشْتغِلُ بِِخارِطة طريق مُجَزَّأة إلى أهْدافٍ مُخْتلفة الأبْعاد. مِنْها أهْداف قريبة المَدى، ومنها أهداف مُتوسِّطة المدى. ومنها الهدف أو الأهداف البعيدة المَدى. وهذا المعرض الذي أنا عازِمٌ على تنْظيمِه بعد أسبوعين، هدف قصير المدى. وإذا اشْتغلْتُ عليه بِجِدّ، ومنحْتُهُ الوقت اللاّزِم والكافي، واستعملتُ فيه جُلّ مهاراتي، ووُفِّرَتْ له مِساحة إعلامية في القنوات التلفزية المحلّية أو الوطنية وشيءٌ من الدِّعاية... فإنّهُ لا محالة سينْجح، ويُؤْتي أكْله. ويكون بِالنّسْبةِ لي حافِزاً قوياً لِلْغوْصِ في أعْمَاق عوالِم الفنّ،ة
ة أمّا الهدف البعيد المَدى، فيرْجع تثْبيته إلى سنوات الاِغْتِراب في بلجيكا، ولاسيّما حين انْخرطْتُ في سِلْكِ التّعليم كأُستاذ في السِّلْكِ الثّاني الثّانوي مُدرِّساً لِلإسلام والحضارة العربية. هذا العمل الذي كان يبْتلِعُ كلّ أوْقاتي لِأنّهُ كان توْقيتاً كامِلاً: 18 ساعة من التّدْريس في الأسبوع. ولكن كانت هذه الوظيفة ضرورية لِكسْبِ قوت يوْمي، وتغْطية فاتورات ومصارِيف عيشي. إلاّ أنّها كانت تُبْعِدُني عن فنّي ونفْسي. ودامَ هذا الصِّراع في داخِلي يُؤْرِقُني. إلى أنْ تحوّلْتُ أُستاذاً لِلفنّ، فهدأَ خاطِري قليلاً. إلاّ أنّ المُشْكِل بقي قائِماً كما كانَ تماماً، وهو عدم وُجود وتوفُّر الوقت الكافي لِلْإبْداع الفني والتّعبير عن مَكْنوناتي وأفكاري وأحاسيسي الخاصّة. فما كان بي سِوى الاِخْتيار بين الوضْعيتين والموْقِفين: إمّا أن أُكرِّسَ كلّ أوقاتي لِلفن والإبداع الفني الذي هو هدفي الأساسي وأُغادِر التّعليم، وإمّا أن أسْتمِرَّ في وظيفتي التي أعيشُ بِفضْلِها والتي تحْرِمُني من التّألُّقِ في الفن أو الموسيقى والأدب. كان عليَّ الاِخْتيار بين هذينِ الهدفيْن الحيويّيْن والأساسييْن في حياتي كلّها. فحاولْتُ التّوفيق بينهما، لِأنّ نصيحة أخي عبد الله وأمّي لا زالتْ أصْداؤُها ترِنُّ بِقلقٍ في ذاكِرتي حين أوصياني يوْماً بِالإبْتِعادِ عنِ الفنّ، لِأنّهُ لا يمكنُ الاِعْتِماد عليه لِضمانِ الحياة، وتغطية مصاريف العيش الكريم. فحاولْتُ الاِسْتِقْرار في هذه الوَضْعية المُوَفِّقَة بيْنَ القُطْبيْنِ المُتعارِضيْن دون كامِلِ اقْتِناع. أُدرِّسُ خلال الأسبوع كلّه، وأستيقظُ مُجْبَراً كل صباحٍ مع السّادسة صباحاً، لِلذّهابِ إلى العمل، فضْلا عن نِصْف نهار الأربعاء ويوم السّبت كاملاً في المركز الإسلامي حيث كنتُ أُدرِّسُ اللغة العربية لِغير النّاطِقِينَ بها...ء
ء وتوالَتِ الأعْوام والسِّنين وأنا أُسْتاذ سجين، أدورُ على مدارس التعليم لِأُوَزِّع عليها وقتي الثّمين. وأنا كُلّي آمالٌ وطُموح. إلى أن شاهدْتُ في التّلْفزة البلجيكية الحُكومة الفيديرالية تُناقِشُ تمْديد مُدّة العمل بِالنِّسْبة لِكلِّ مُوظَّفي وأُطر التعليم بِإظافةِ عاميْنِ آخريْن من العمل من أجْلِ الحُصول على التّقاعُد. وبذالِكَ صارتْ مًدّة السِّنّ المُعْتَمَدَة قانونياً من أجْلِ سراح المُوظَّفين 67 سنة بدل 65! وهنا بلغَ عندي السّيل الزُّبى، وطفح الكيْل، فأخذْتُ قراري النِّهائي الذي لا رجْعةَ فيه، وهو مُغادرة التّعليم نِهائياً عندما أصِلُ إلى الخمْسين من عُمُري كيفما كانتِ الأحْوال، ولو تقْطع لي وِزارة التعليم نِصْفَ راتِبي، وذالك أفْضل من أن تُجْهِظَ أحلامي بِابْتِلاعِ كلّ وقتي. وهذا ما وقع، ولكني لم أنْدم. وكل ذالكَ لِكي أكرِّس ما بقي لي من العُمر في بِناءِ شخصيتي الفنّية، وأُحقّق حلم طفولتي عندما كنتُ أرى نفسي أطير في الفضاء، وأتألّق في سماء الفنّ العالمي..!ء

صورة الطفل الباكي. لوحة زيتية. رسمتها خلال إقامتي بالرباط مدة سبع سنين. حيث كنت أدْرُس، وفي نفس الوقت أرسم لوحات المناظر الطبيعية والبورتريهات لِأعيش وأشتري الكتب. والتي عرضتها أوّل مرة في برنامج "مواهِب" الذي كان رئيسه الاستاذ والملحن المغربي عبد النبي الجراري رحمه الله. حظر هذه الحفلة والأُمسية الموسيقية المُلحّن المغربي المشهور، الأستاذ الموسيقار محمد بن عبد السلام، مع ابنته غيثة بنت عبد السلام الجميلة. وكنّا جالسون معاً في المُقدّمة مع ضيوف آخرين لم أتذكّرهم لِأن الصور والشريط التلفزي ضاع مِنّي. وقد أتحفتنا غيثة بنت عبد السلام بِبعض أغانيها الجميلة خلال تلك السهرة الرائعة
ء ووعندما تعرَّفْتُ على "لارا" في المغرب، طوّحْتُ مُؤقّتاً بكلِّ تِلْكَ الأهداف في وجْهِ اللاّمُبالاة، وانْقدْتُ لِلَذّاتي وسعادتي. ونسيتُ بِلارا كل شيء..! كُنْتُ أعْبُدُ لارا جِنْسيّاً، وروحياً كنتُ أُقدِّسُها. إلى أنْ اِسْتحْوَذَتْ عليَّ عقْلياً وجسدياً وكبَّلتْني بِأصْفادِها وقُيودها. فنسيتُ مُؤَقَّتاً كل أهدافي ومشاريعي الفنية. فغرقْتُ في الحُبِّ ومشاعِره الجميلة والأليمة..! لِذالِكً قرَّرْتُ كِتابة روايتي "الحيا في باسو" الحزينة، والتي تصف حياة عاشِقيْن، فرّقتْ بينهما ظُروف الحياة التّراجيدية واللاّهوتية، لِيذْهَبَ كلٌّ إلى حالِ سبيلِه. أحدهما إلى الفِرْدوْس. والآخر إلى الجحيم..!ء
"La vie à Passo" Roman
https://www.facebook.com/LaVieAPassoRoman/
ء وقد كانت هذه التّجربة العاطِفية التّراجيدية التي أغْرقتْني في اكْتِئابٍ مريرٍ ومُزْمن، من بينِ الأسْبابِ التي رجّحَتْ كفَّة قرار التّقاعُد المُبكِّر، إنْ لم نُسمّيه قانونيا وأخلاقياً: "مُغادرة الوظيفة". وذالك من أجلِ التّفرُّغ لِفني وكِتابة رِواياتي الأدبية والفلسفية، ولا سيّما رواية "الحياة في باسو". وتحقيق هدفي البعيد المَدى، إذا كنتم تتذكّرون أنْواع الأهداف التي تحدّثْنا عنها في بِدايةِ هذه الحلقة 28 :ء
ء 1ـ الهدف البعيد المَدى = تكريس حياتي 100×100 لِلفن لِأنجح. وذالك لن يتسنّى حتى أكون مُتفرِّغاً. أي أتوقّف عن العمل كأستاذ في ثانوية "سيرج كْروز" الذي كان يبتلع مُعْظَم وقْتي.ء
ء 2ـ الهدف المتوسّط المدى = مُواصلة وظيفة التعليم ريْثما أبني مسْكني وأشتري سيارة وحساب في البنك. وبعد هذه المرحلة، مُغادرة وظيفة التعليم في سِنِّ الخمسين لِأربح بعض السنوات أظيفها لِلإبداع الفني والروائي.ء
ء 3ـ وأخيراً الهدف القصير المدى. وهذا الأخير يَتّصِل بِالحاضِر. كيف؟ءء
ء مثلاً، أنا أستاذ الفن التشكيلي. عندي حصّة 3 ساعات في الرسم والصباغة مع أحد الأقسام هذا الصباح. سأحدِّدُ لي هدفاً يجب أن أحقّقه مع التلاميذ في نهاية الحِصّة. وهو تعليمهم كيف يرسمون ويصْبغون مَنْظراً زيتياً طبيعياً. ولِتحْقيق هذا الهدف يجب المُرور بمرحلتين: رسم المنظر أوّلاً، ثم صِباغته بالألوان المُناسِبة ثانياً.ءء 1ـ الهدف البعيد المَدى = تكريس حياتي 100×100 لِلفن لِأنجح. وذالك لن يتسنّى حتى أكون مُتفرِّغاً. أي أتوقّف عن العمل كأستاذ في ثانوية "سيرج كْروز" الذي كان يبتلع مُعْظَم وقْتي.ء
ء 2ـ الهدف المتوسّط المدى = مُواصلة وظيفة التعليم ريْثما أبني مسْكني وأشتري سيارة وحساب في البنك. وبعد هذه المرحلة، مُغادرة وظيفة التعليم في سِنِّ الخمسين لِأربح بعض السنوات أظيفها لِلإبداع الفني والروائي.ء
ء 3ـ وأخيراً الهدف القصير المدى. وهذا الأخير يَتّصِل بِالحاضِر. كيف؟ءء
ء آمُرُ التلاميذ بِتهْييء أدوات الرسم مع ورقة غليظة بيضاء. ويبدأون رسم المنظر الذي يختارونه بِأنفسهم، وبعد ذالك، يُلوّنونه حسب أذواقهم.ء
ء الفن تعبير حر عن هواجس وأحلام. ولا يعترف بالطابوهات والقيود. لذالك أتركهم في حرية يحلمون ويُجسِّدون أحلامهم خلال عملية الإبداع المُتعالي، لِتصْعيد خلجات قلوبهم والتّسامي بها إلى الأعالي. أوْ نقد ظاهرةٍ يسْتهْجِنونها بِإبداعِ جمالي. وتلك رسالة الفن كما كنتُ أفْهمُها..!ء
ء فكّرْتُ في زيارة السّيد الكاتب العام الميْمونة لِدارِنا، وبُذور الآمال التي زرعها فينا جميعاً، وأنّ الأمل زادٌ ضروريٌ في الحياة وتستحيلُ بِدونه. وكيْفَ انْبثقَ من عتمةِ حياتنا لِيُنيرنا كالمِصْباح السِّحْري؟ ولِماذا هذا الملاك أتى إلى بيْتِنا وفاجأنا كالأمير زوج سونْدْريّون لِينْقلنا من الكوخِ إلى القصر الملكي؟! إنّهُ شخْصٌ فريدٌ من نوْعِه، أتى لِيحِنَّ عليْنا ويُنْقِذَنا على سجادتِهِ الطّائرة، والناس وكل جيراننا يَتأمّلُونه مُحدّقينَ بِعُيونهم الحائرة..! فبدأنا ننْظُرُ إليْهِ كمخلِّصنا ويسوعنا..! وتاهتْ بي أفْكاري إلى مسْقط رأْسي حيث قضيتُ طفولتي، وبدأتُ أرْسُم وأحلم كما الأطفال في هذا القِسْمِ الآن حوْلي، لِأنّ الفن ما هو سوى لُعْبةٌ لِلكِبار. ثمَّ عرجْتُ على بيتي بِبروكسل، لِتقعَ يدي على هذه القصّة التّصْعيدية الجميلة والحزينة، الحُبْلى بِالإسْقاطات السيكولوجية اللاّشعورية. والتي كنتُ بدأتُ كتابتها في طفولتي على شكلِ إنْشاء، ثمّ طوّرْتُها في مُراهقتي على شكلِ أُقْصوصة. وعندما وجدْتها بين أرْشِفتي القديمة بِبروكسل. قرأتها بِشوْق، فدمعتْ عيْنايَ كثيراً. لِأنّني كنتُ أقرأها بِلهْفة، وأنا أبْحثُ عن نفسي بين خُطوطِ الرّسم والكلمات:ء
قصة العصا الذهبية
يتبع
الفقرة 29




















Commentaires
Enregistrer un commentaire