فقرة 29 - المعرض
المعرض
يوميات فنان مهاجر
بحثاً عنِ الزمن الضّائع
ء بعد زيارة السّيد الكاتب العام الميْمونة لِدارِنا، وبُذور الآمال التي زرعها فينا جميعاً، كان هاجِسي الوحيد، تهْييءُ معرِضي وإنْجاحِه بِأيِّ ثمن. لقد بزغ هذا الملاك في عتمةِ حياتنا، واكتشف موهبتي، فأراد ان يساعدني وعائلتي. ولهذا يجب ان اكون في المستوى وألاّ أُخيِّب ظنّه. فبعد ان ودَّعَنا وشكرَنا على حفاوةِ
الاِستِقْبال، اسْتدارَ ذاهِباً بِهُدوئِهِ المُعْتاد. فهبطْتُ معه الدّرْج لِأُودِّعه بِدوْري، وأنا جِدُّ سعيد بِما حقَّقْتُهُ اليوم من مكاسِب لي ولِعائِلتي. ولاسيّما أمّي الكئيبة التي عادتْ البَسْمةُ إلى وجْهها الذي ظلَّ عبوساً وحزيناً مُنْذُ أن مات أبي، وهاجرْنا بَلْدتنا ودارنا الواسعة بِبني سيدال. لذالك ذهبتُ الى مليلية يوم الغد مبشرةً، لِأشتري بعض الرسوم الملوّنة لِمناظر طبيعية جميلة في احجام مختلفة، كان يرسمها فنانون إسبان وإيطاليون لِطلبة الفنون التشكيلية لِاستعمالها وتقليدها لِيتعلّموا رسم المناظر الطبيعية. او لِتأطيرها وزخرفة البيوت بها. اِشتريت خمس رسوم صغيرة الحجم لِأنها رخيصة. كما اشتريت ثلاث شيتات. وعُدْتُ حالا الى بيتنا لِأبدأ العمل.ء
ف في شقتنا الجديدة التي اسْتقرّينا فيها بشارع مولاي رشيد، كان يأتي إلينا خالي عبد السلام المجاهد. وبدأ يتردّد على بيتنا مِرارا، إلى ان اِسْتقرّ عندنا أخيرا. كان قد غادر وظيفة التعليم في وجدة، ووجد عملا في الغرفة الصناعية بالناظور لِيكون قُرْبَ أخته مامّة المجاهد. وكذالك كان يأتي إلينا اخي الكبير محمد الذي اكترى محلاًّ لِلخياطة في الناظور ايضاَ. وكان احيانا يلتقي مع خالي عبد السلام في دارنا الصغيرة. وكانا يمضيان الوقت يمْزحان ويلعبان الرّامي مثنى وثلاث ورباع، وهذا كان مصدر سعادة لنا جميعاً، ولِأمّي خصوصاً.ء
ء كان خالي المجاهد عبد السلام مزّاحا ويحب ان يضحك ويمزح معنا. وناداني بصوته الغليظ سائلا:ء
ء ـ اسّي الفنان، متى سيكون معرضك؟ء
ء ـ يوم الاربعاء، ابتداءً من الساعة الرابعة بعد الزوال خالي.ء
ء وهل ستدعونا إلى حفلة تدشين معرضك لِنأكل الحلويات والدجاج؟ء
ء كلكم مدعوون خالي، ما عدا النساء طبعاً. نحن في واقع يحكمه الذُّكور. ستكون هناك حلويات ومشروبات للضيوف، لكن بلا دجاج.ء
ء ـ اسّي الفنان، متى سيكون معرضك؟ء
ء ـ يوم الاربعاء، ابتداءً من الساعة الرابعة بعد الزوال خالي.ء
ء وهل ستدعونا إلى حفلة تدشين معرضك لِنأكل الحلويات والدجاج؟ء
ء كلكم مدعوون خالي، ما عدا النساء طبعاً. نحن في واقع يحكمه الذُّكور. ستكون هناك حلويات ومشروبات للضيوف، لكن بلا دجاج.ء
ء ـ اخوك محمد يقول انه لن يحضر الحفل إذا لم يكن هناك الحلويات والدجاج المُحمّر والباستيلا!ء
ء ويبدأ الجميع في القهقهة والضحك، وهم يشربون الشاي، ويلعبون الرّامي، لُعْبتهم المُفضّلة... ء
ء ويبدأ الجميع في القهقهة والضحك، وهم يشربون الشاي، ويلعبون الرّامي، لُعْبتهم المُفضّلة... ء
أخي الكبير محمد الخياط
ء لم اكُنْ أُشاركهم اللّعِب إلاّ نادِراً جِدّا. كنت ألازم البيت ولا اخرج إلاّ قليلاً وفي حالة الضرورة القصوى فقط. ولكني بِدافِع الإنسانية، كنت اذهب لزيارة صديقي الفنان العرَبي العجوز. الذي تعرفت عليه في بداية شهر ابريل الماضي. كان الجو مُظطرباً وقارساً. وكان يسكن في احد الاحياء الشعبية المتّسِخة. في بيت من قصدير اكتراه في نواحي حيّ "بوبْلاو" لِيعيش ويرسم مناظر طبيعية يبيعها لبعض المقاهي والبزارات مقابل دريهمات لِيَقْتاتَ بها.ء
ء في بداية تعرّفي عليه، لم أكن اعرف عنه الشيء الكثير، ولا حتى إسْمه. كل ما كان يهمّني، هو ما يعرفه عن الفنّ لِأتعلّم مِنه ومعه، وأسْتفيد من تجاربه وخبراته. ولوْ أُقدِّم له خدمات مُقابل ذالك، وآتي له احياناً بالمأْكَل والمَلْبَس. لِأنه إنسان رائع يستحق المساعدة بعد الظلم الجائر الذي لحق به وبعائلته كلها كما حكى لي ذالك بالتفصيل فيما بعد...ء
ء لم يكن يرسم لا بِنفس الطريقة مثل صديقي الفنان الإسباني "خوسي ماريا " الذي كان يسكن قرب الجمعية الخيرية، ولا يستعمل نفس الشيتات والخامات وأنابيب الصباغة الغالية المستورَدَة من الخارج. كان صديقي العربي الجديد، يستعمل صباغة رخيصة يشتريها من الحديديات العديدة التي تبيع أسْطال صباغة الجدران والابواب والآجور والإسْمَنْت، كما أفعل انا لِحدِّ الآن، وليس صباغة خاصّة لِلأعمال الفنية التشكيلية التي كان يصبغ بها خوسي الإسباني لوحاته على القُماش الغالي وبِريشات وشيتات غالية. وكنتُ رغْمَ صِغري، أُحِسُّ أنّ البيئة الغربية المسيحية، تُوفِّر لِفنّانيها مثل صديقي النّصْراني خوسي، ظروفاً مادّية وحُرّية تعبير خيالية ملائمة وغنية ومُشجِّعة لِلإبداع، وتُراثاً فكريا وفلسفياً وفنّياً اكثر عُمْقاً وحرية لِلتعبير والإبداع والخلق احْسن بكثير من بيئتنا الإسلامية التي تُحارب ثقافتها كل أنواع الفنون وأشكال الإبداع، وتُحرِّمُ النّحْت والرقص والرسم وغيرها. ولا سيّما الرسم والنّحْت، لِأنّهما يُعْتبرانِ أشْكالاً من الشِّرْك بِربِّ العالمين! لِأنّ مَلَكَة الخلق" و"الإبْداع" هي صِفات من صِفات الله الواحد الأحد الذي لا شريكَ له في صِفاته. بل هي من اِخْتِصاص الله وحده. امّا الإنسان العبد، كَالتلميذان عبد الرحمان او عبد الخالق الذي هو اسم صديقي الفنان العربي، فيُحْرَّم عليهما هذا الخلق والإبداع المُحْتَكَر من الله. لِأنهما بذالك يشركان مع الله، ويوم القيامة سيكون لنا نحن الفنّانين حِساباً عسيراً مع الله بسبب معرفتنا وتشكيلنا، وسندخل جهنّم خالدين فيها بسبب شِرْكِنا. وسنُلاقي مصير الكُفّار والزّنادِقة المُشركون المُرْتدّون جزاء إبْداعاتنا وفنّنا..! لِذالك لم نرث من الثقافة الإسلامية القاحلة في نظري، سوى الأشكال الهندسية التّجْريدية والأرابيسك والفسيفساء التقليدية التي كانت تُزخْرَفُ بها المساجد الكثيرة وبيوت الله التي لا تُحْصَى، وقصور الخُلفاء والملوك حُماة الدين، في حين لم تكن عندنا في بني سيدال ولو مدرسة صغيرة واحدة لِنتعلّم فيها، ونُحارب الأُمِّية المُتفشِّية في رُبوعِ هذه البِلاد، وبين كلِّ العِباد..! وكل شكْل من أشكال المعرفة او العلم لا يتلاءم مع الدين أو يتناقض مع مبادِئه، يجب تحْريمُه تحريماً مُطْلقاً. وقد كان ميْلي الجامِح لِلفن وحبّي العميق له من جِهة، واصطدامي خلال دراساتي الشّخصية بهذه التّحْريم لِلفن في ديننا من جهة أخرى، يجعلني لِأوّل مرّة أطْرح علامات اِسْتِفْهامٍ عميقة وعريضة ومُثيرة، وأعيش في صراعٍ نفسي داخلي مع نفسي. وهكذا بدأتْ تَتشكّل عندي بُذور الإنفِصام والنِّفاق والسكيزوفْرينْيا التي غرقَ فيها مجتمعنا. وبدأتُ اتساءل عن جدْوى موْروثنا الثقافي الذي جاءنا به العرب مع غزواتهم لِبلادنا..! لقد كان كل ما ورثْناه عن العرب الذين زعموا انهم أتوا لِيُحضِّروننا، ثقافة كالصّحراء التي عاشوا فيها، عقيمة وسِلْبِية وقاحِلة على المستوى الفني والمعرِفي الإبِّسْتِمولوجي..! وخانِقة ودرامية على المستوى السيكولوجي.ء
ء في بداية تعرّفي عليه، لم أكن اعرف عنه الشيء الكثير، ولا حتى إسْمه. كل ما كان يهمّني، هو ما يعرفه عن الفنّ لِأتعلّم مِنه ومعه، وأسْتفيد من تجاربه وخبراته. ولوْ أُقدِّم له خدمات مُقابل ذالك، وآتي له احياناً بالمأْكَل والمَلْبَس. لِأنه إنسان رائع يستحق المساعدة بعد الظلم الجائر الذي لحق به وبعائلته كلها كما حكى لي ذالك بالتفصيل فيما بعد...ء
ء لم يكن يرسم لا بِنفس الطريقة مثل صديقي الفنان الإسباني "خوسي ماريا " الذي كان يسكن قرب الجمعية الخيرية، ولا يستعمل نفس الشيتات والخامات وأنابيب الصباغة الغالية المستورَدَة من الخارج. كان صديقي العربي الجديد، يستعمل صباغة رخيصة يشتريها من الحديديات العديدة التي تبيع أسْطال صباغة الجدران والابواب والآجور والإسْمَنْت، كما أفعل انا لِحدِّ الآن، وليس صباغة خاصّة لِلأعمال الفنية التشكيلية التي كان يصبغ بها خوسي الإسباني لوحاته على القُماش الغالي وبِريشات وشيتات غالية. وكنتُ رغْمَ صِغري، أُحِسُّ أنّ البيئة الغربية المسيحية، تُوفِّر لِفنّانيها مثل صديقي النّصْراني خوسي، ظروفاً مادّية وحُرّية تعبير خيالية ملائمة وغنية ومُشجِّعة لِلإبداع، وتُراثاً فكريا وفلسفياً وفنّياً اكثر عُمْقاً وحرية لِلتعبير والإبداع والخلق احْسن بكثير من بيئتنا الإسلامية التي تُحارب ثقافتها كل أنواع الفنون وأشكال الإبداع، وتُحرِّمُ النّحْت والرقص والرسم وغيرها. ولا سيّما الرسم والنّحْت، لِأنّهما يُعْتبرانِ أشْكالاً من الشِّرْك بِربِّ العالمين! لِأنّ مَلَكَة الخلق" و"الإبْداع" هي صِفات من صِفات الله الواحد الأحد الذي لا شريكَ له في صِفاته. بل هي من اِخْتِصاص الله وحده. امّا الإنسان العبد، كَالتلميذان عبد الرحمان او عبد الخالق الذي هو اسم صديقي الفنان العربي، فيُحْرَّم عليهما هذا الخلق والإبداع المُحْتَكَر من الله. لِأنهما بذالك يشركان مع الله، ويوم القيامة سيكون لنا نحن الفنّانين حِساباً عسيراً مع الله بسبب معرفتنا وتشكيلنا، وسندخل جهنّم خالدين فيها بسبب شِرْكِنا. وسنُلاقي مصير الكُفّار والزّنادِقة المُشركون المُرْتدّون جزاء إبْداعاتنا وفنّنا..! لِذالك لم نرث من الثقافة الإسلامية القاحلة في نظري، سوى الأشكال الهندسية التّجْريدية والأرابيسك والفسيفساء التقليدية التي كانت تُزخْرَفُ بها المساجد الكثيرة وبيوت الله التي لا تُحْصَى، وقصور الخُلفاء والملوك حُماة الدين، في حين لم تكن عندنا في بني سيدال ولو مدرسة صغيرة واحدة لِنتعلّم فيها، ونُحارب الأُمِّية المُتفشِّية في رُبوعِ هذه البِلاد، وبين كلِّ العِباد..! وكل شكْل من أشكال المعرفة او العلم لا يتلاءم مع الدين أو يتناقض مع مبادِئه، يجب تحْريمُه تحريماً مُطْلقاً. وقد كان ميْلي الجامِح لِلفن وحبّي العميق له من جِهة، واصطدامي خلال دراساتي الشّخصية بهذه التّحْريم لِلفن في ديننا من جهة أخرى، يجعلني لِأوّل مرّة أطْرح علامات اِسْتِفْهامٍ عميقة وعريضة ومُثيرة، وأعيش في صراعٍ نفسي داخلي مع نفسي. وهكذا بدأتْ تَتشكّل عندي بُذور الإنفِصام والنِّفاق والسكيزوفْرينْيا التي غرقَ فيها مجتمعنا. وبدأتُ اتساءل عن جدْوى موْروثنا الثقافي الذي جاءنا به العرب مع غزواتهم لِبلادنا..! لقد كان كل ما ورثْناه عن العرب الذين زعموا انهم أتوا لِيُحضِّروننا، ثقافة كالصّحراء التي عاشوا فيها، عقيمة وسِلْبِية وقاحِلة على المستوى الفني والمعرِفي الإبِّسْتِمولوجي..! وخانِقة ودرامية على المستوى السيكولوجي.ء
ء ولا زلتُ اتذكّر يوم جاء صديقي الفنان الى بيتنا يسأل عني، ويطلب منّي ان أساعده لِنقْلِ لوحة كبيرة لِصاحب أحد المقاهي التي كان قد طلب منه رسمها. كانت عبارة عن منظر طبيعي جميل، فيه امرأة وطفلة تتنزّهان في الطبيعة. ولمّا حملناها إليه، أعجبتْهُ اللوحة، ولكنه طلب منه مسْح الأشخاص من اللوحة، لِأن رسم البشر والكائنات الحية حرام في الإسلام. واعطاه 150 درهماً، ووعده ان يزيد له 50 درهما اخرى غدا حينما سنُعيد له اللوحة "مُصَحَّحة"..! كان الفنان العجوز مُمْتعِضاً من ملاحظة صاحب المقهى، ولكنه كان فرحاً كثيرا بسبب رِبْحِه تلك النقود. فاشترى زجاجة نبيذ احمر مع علبة سجائر، وجُبن وخبز وعُلْبة سرْدين مع رُبْع زيتون، وطلب مني ان اجلس معه لنتناول الطعام معا.ء
ء كانت الطبيعة هائجة في تلك الأيام، والعاصفة شديدة، والرياح مُزمْجرة، والامطار تهطل بغزارة، وتنساب على جدران بيته كشلالات هادئة في الطبيعة. وكنا نسمع من حينٍ لِآخر، ضجيج صفائح القصدير التي بُنِيَتْ بها غرفته الوحيدة، وهي تتلاطم مع بعضها بسبب عُنْف هُبوب الرياح وأعاصيرها. ء
ء كانت الطبيعة هائجة في تلك الأيام، والعاصفة شديدة، والرياح مُزمْجرة، والامطار تهطل بغزارة، وتنساب على جدران بيته كشلالات هادئة في الطبيعة. وكنا نسمع من حينٍ لِآخر، ضجيج صفائح القصدير التي بُنِيَتْ بها غرفته الوحيدة، وهي تتلاطم مع بعضها بسبب عُنْف هُبوب الرياح وأعاصيرها. ء
صديقي الفنان العربي عبد القادر
ء أنتَ يا صديقي عبد الرحمان تحبّ الفنّ مثلي. وهل تعرف مَنْ أنا ولماذا أنا هنا في مدينتكم الناظور؟ء
ء كان صديقي عبد الخالق يأكل الخبز مع الجبن والزيتون، وهو يحاول فتْح زجاحة النبيذ بِسِكّين. ثم استأْنف حديثه الشّجِيّ:ء
ء ـ أنا من الدار البيضاء. عشتُ فيها كل حياتي. كنت اُستاذا لِلرسم خلال سبعة عشر عاماً. كانت عندي زوجة وابنة صغيرة لا يتجاوز عمرها ثمان سنين. وكنت احبهما كثيرا. ولكنهما ماتتا في حريق مهول شبّ في احد المعامل بِجِوارنا، فاحترقتا كالفحْم..! فاخْتلّ عقلي، وفقدتُ وظيفتي ومصدر رزقي، ولم تُعطيني دولتنا ولو سنتيم كتعْويض عن كل خدماتي..! ومنذ ذالك الوقت وأنا أهيم على وجهي، حتى وصلتُ إلى هنا وبدأتُ حياةً جديدة بدون عائلة، كالبوهيمي الغريب..!ء
ء لم استطع البقاء والعيش في الدار البيضاء. لِأنّني بعد احتراق وتفحُّم زوجتي وابنتي، بدأتُ أتخيّلهما معي وأحْمِلهما في قلبي وعقلي في كل مكان. وكنتُ اتنزّه مع عائلتي والعب مع ابنتي كالعادة واضحك مع زوجتي في الأزِقّة والحدائق، ونبكي أمام أطْلال بيتنا الذي احْترق وانْهار..! فرأيتُ الناس تكْتظُّ حولي وتضْحك عليّ وتسْخر مِنّي، ومع المدّة، بدأوا يُنادونني بالأحمق ووينْعتونني بالمجنون! فبدأْتُ أهْرب من جحيم هذا الواقع المَلْعون، وأنْسحِب إلى داخِلي وأتقوْقع كالحلزون..! لذالك هربتُ من مدينتي التي لا ترْحم، والتي غزاها الظُّلْم والنِّفاق كالطّاعون. وما هذه اللوحة التي تجادلْنا عليها اليوم مع صاحب المقهى، سوى تعبير عن تراجيديا وجْداني المَشْحون. لقد صورتُ في هذه اللوحة سعادتي وذكرياتي الجميلة مع زوجتي وابنتي. ولكن صاحب المقهى يريد أن أمْسح من اللوحة أعزّ الناس عندي. اظنّ أنني لن امسحهما من هذه الجنة التي صورتها لهما بدمي ودموعي وكل الشُّجون! سأحتفظُ بها لِنفسي لِأتأمّلها، وارسم له منظراً آخر بدون الكائنات الحية، لِيُرْضي دينه وربّ الأفْيون..!ء
المنظر الطبيعي الذي تخيّل فيه صديقي الفنان زوجته وابنته المحترقتان
ء اليوم الاثنين. نظرت الى الساعة الحمراء التي اشتراها اخي محمّادي، كانت عقاربها تتعانق مُتراقصة فوق رقم 5. ستدخل أختي الصغيرة حورية بعد قليل. استاذة فنّ الطّرْز في مدرسة تعليم فنون الخياطة في المدرسة التي فتحها السيد الكاتب العام بن عزّوز احمد. وسيعود اخي محمّادي ايضاً من عمله كموظّف مُحترم في قسم الحالة المدنية بالعمالة. وكل هذا بفضل هذا الرجل المثقّف الكريم. كما سيعود بعد قليل اخي عبد الله المعلم في مدرسة إبتدائية في قبيلة "إرَحْيانَنْ" على دراجته النارية الحمراء (موبيليت). وربّما ستأتي عندنا يمينة مُّوحْ قدّور، خالة امّي، كما فعلتْ ذالك من قبل. وسيأتي خالي عبد السلام جارّاً معه اخي الكبير محمد لِيُؤْنِسا أمي في غُرْبتها ويلعبا الرّامي كالعادة...ء
ء بدأتْ حياتنا تتحسّن شيئاً فشيئا. وارتفع مستوى معيشتنا، وبدأنا نفكّر في كراء شقّة واسعة في مستوى يليقُ بنا، تتّسِع لِعائلتنا الكبيرة. كما بدأتْ فكرة شراء سيارة تُدغْدِغُ اخي مُحمّادي منذ ان وظّفهُ سعادة الكاتب العامّ في العمالة. ولاسيّما بعد أن حصل على رُخْصة السّياقة. وتبعه أخي عبد الله وحصل ايضا على تلك الرُّخْصة بِفضْلِ أمّنا التي شجّعَتْه على نيْلها...ء
ء كل هذه التّطوّرات الإيجابية في حياتنا، كانت بسببِ تظافُر مجهوداتنا كلّنا، وعزْمنا على الإرتقاء بِأسرتنا المُهاجِرة. لا أدّعي أنّني كنتُ العامل الأساسي في هذا التّطوّر الإيجابي لِعائلتنا. أنا معْروفٌ بتواضُعي الجمّ وسُكوتي واجتِهادي، لكنّ الأهمّ هو سعادة أمِّنا التي ضحّتْ كثيراً من اجلنا. والتي من أجلها، افْعَلُ المستحيل لِكي لا تندم على قرارِ هِجْرتِها بِنا. لقد غامرَتْ وقامرَتْ بِقرارها مُغادرة ارض أجدادنا، ولا ارْغبُ انْ أراها يوماً نادِمة على ذالك القرار الجِرّيء. لقد الْقتْ بالسّطْل في قاعِ البِئْر، وها هو ينهظُ شامِخاً ومليئاً كما كان. إنها الفوضى الخلاّقة التي صنعتْها أمّي..!ء
أختي الصغيرة، استاذة فنّ الطّرْز
ء في يوم الاربعاء، وهو يوم معرضي، عندما كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد الزوال، كنت في العمالة. كان هناك اشخاص يدورون في المعرض ويتأمّلون لوحاتي. ومُصوِّر العمالة يدور بالكاميرا الكبيرة التي يحملها على كتِفِه. ولم يمْضِ وقت طويل، حتى رأيتُ وفْد السيد العامل بوشْتة تْفاوْتي وهو يقترب من المعرض. تقدّمْتُ نحْوه وسلّمْتُ عليه. ضرب على كتِفي بِحنان وسألني:ء
ء ـ انتَ فنّانُنا عبد الرحمان؟ هيّا لِنرى لوحاتك الجميلة.ء
ء وبدأنا نقف عند كل لوحة نتأملها. يسألني السيد العامل كيف بدأ مُشْواري الفني وطريقة الاِشْتِغال ومعنى اللوحة. وفجْأة، برزَ أمامنا رجل بهيّ الهيْئة. لابساً جِلْباباً ناصع البياض وطربوش احمر تونسي. وسلّمَ على العامل قائلا:ء
ء هذا الفنان الشّابّ إبنُ عمّي سعادة العامل. ثمّ تعانقنا بِحرارة. ء
كنتُ فرحاً جِدّاً ان يكون العلاّمة عمّي الصقلي الحاج عبد الله بين الحاضرين في معرضي. وانظمّ إليه خالي وإخوتي، وبدأوا يشربون العصير ويتأمّلون لوحاتي...ء
يتبع













On a effacer ma page ! pourquoi?
RépondreSupprimer