الحياة مع لارا
الحياة مع لارا
***
من شُرْفَتي ، ألقيتُ نظري على مشهد باسو اللاَّمٌتَناهي حولي ،
والذي يُشبِهُ في روعتِهِ الفضاء ..!
كان صباحاً باكِراً من أيّامِ فصل الشتاء ...
إستيقظ مَخْموراً ، وهو عائِم في ضبابٍ كالْبَهَاء ..!
الساعة الرابعة والرُّبْع صباحآ …
الأرض مُبَلَّلَة بمياه الأمطار ...
وبعض الجداوِل والينابيع تتململ هُناك ، وتَنْسَابُ تحت الأشجار ..!
وبعض البِرَكِ مليئة بالبجع ، وَأُخْرَى حافلة بالأَسْرار ..!
والضباب يرشف نداه على البِرَكِ والبٌحَيْرات ...
والمستنقعات تبدو كَأَسِرَّةٍ لزهرة اللُّوتِسْ العذراء ،
التي تحب الإسترخاء ،
وهِيَ طافية فوق الماء …
وَكَأَنَّهَا أَمْيرَة تَحْيَا في هُدُوءٍ وهَنَاءْ ..!
حديقتي مُبَلّلَة ... وَوَرْدُهَا مُتَأَلِّق ... شَبَّتْ فيها الحياة …
وقد ضاجعهاالربيع . وغَطٌّى " أَزِّينْ أُعَشِّي "(جمال المساء) السريع الّنمُوّ ،
كل الورود الجميلة التي غَرَسْتُهَا في عُمْقِ الْحَدِيقَةِ مِنْ أَجْلِها ..!
الصمت الشديد يَلُّفُّ المكان ... صمتٌ مطبق شامل ..!
كصمتِ الكون الذي ما زال يتمدد في الفضاء ..!
أوْ صمت باسو ذو الليالي الصَّمَّاءْ ...
كأَنَّ سكان الأرض قد رحلوا وراحوا ..!
إلاّ أصوات الإوزِّ التي تأْتي أَصْداؤُها من بحر الشمال ...
ولون الصباح الرمادي بِفِعْلِ انتشار السحاب والضباب …
ولكنه جوّ من أَرْوَعِ أجواء الرومانسية ..!
هذا هو الجمال الحقيقي وَالْمُرَكَّز ، الذي لا مثيل له في الكون أبَدا . وهذا هو الكمال والإبداع الراقي الذي تَتَجَلَّى فيهِ الْمَهارات ، وسعادة الحياة السرمدية :
هٌدُوءُ صَبَاحَات بَاسُو ، في فَصْلِ الشِّتَاء ، والصباحُ باكِرٌ جِدّاً ، والنَّاسُ نِيَامْ ، وَأَنْتَ رِفْقَةَ فَنْجان قهْوَتِكَ وسيجارَتِك ،
تُدَوِّنُ ذكرياتك مع لارا في الشُّرْفَةِ الْمُوَرِّدَة ، وَسَطَ سُكُونٍ مُلْهِم ..!
تُدَوِّنُ ذكرياتك مع لارا في الشُّرْفَةِ الْمُوَرِّدَة ، وَسَطَ سُكُونٍ مُلْهِم ..!
الجنة مفتوحة لكل العُشَّاق ، والشُّعَراء الرُّومَانْسِيّين ،
ومُمَارِسي اليوكا والنِّيرْفَانَا ،
وكل الْمُحِبِّين وَالمتصوفة والْمُتَأَمِّلُينَ …
وكل الْمُحِبِّين وَالمتصوفة والْمُتَأَمِّلُينَ …
وَزُمْرَةُ الصَّعاليك وكلّ الْمُكْتَئِبِين ... !!
رَدّاً عَلَى الَّذينَ كانوا لِجَنَّتِنا مُغْتَصِبين ..!
***
في أعماق هذا الصمت المُطْبق ، وهدوء الصباح الجميل ..!
وأنا في شرفتي مُسْتَرْخٍ على كرسيٍّ أسود …
أتأملُ بِسعادة ، وفي نظراتي عبرات ...
مُلْهِمَتي لابسةً ثوباً أبْيض كالملاك ، دافئة النبرات …
والنُّور يَسْطَعُ منها شُهباً وشذرات …
ومِنْ حَوْلِها تُضِيءُ إِيقُونَتَها كُلَّ العتمات ..!
وهي جالسة مع زوجتي فَدْوَى ، وأُختي سَنَاءْ ..!
في مشهد خيالي الْوصَفَات .
تستعصي على وصفه أرقى الكلمات ..!
على رصيف دار سناء كأَنَّهُنَّ شقيقات أَوْ رفيقات ...
يتحدَثْنَ بِهدوء واحترام وحَضارة ...
والسعادة ترفرف حولهنَّ كالنسيم …
وَأنا فَرِحٌ مُرْتاحٌ مُنْفَتِحٌ مُنْشَرِحٌ كالْعظيم ..!
الخامسة والنِّصف ..
الزمن يركض ...
الأيَام تتطاير كحبات الرّمال …
وعقارب الساعة تقفز الواحدة على الاخرى ...
والنسيم يُداعِب شعر حبيبتي لارا ...
مُسْتَمْتِعاً بِعِطْرِهَا وَشَذَاهَا وَلِلْعَيْنِ قَرير ...
وَأَنَا كَمَنْ صَعِقَتْهُ صَاعِقَة ، غَيُورٌ وَبِدَوَاخِلِي زَمْهَرِير ..!
والشٌّرُوقُ يُضْفِي عَلَيْهِنَّ أَلْوَانآ كَالْعَبِير ...
وَهُناكَ لِلْأسَفِ ، مَنْ لِكُلِّ هَذا السِّحْرُ وَالْجَمَال ... أعْمَى وَضَرِير ...!!!
الفردوس الموعود في عرس ،
الفراشات تحوم حول القديسات بألوانِها الْزاهِية ،
وتقُومُ برقصات جماعية ساحرة ...
والحمام الأبيض يحُطُّ على أكتافِهِنَّ بِلُطْف كَبير ...
وَيُلاَعِبَهُنَّ بِريش ناعِمٍ كالحرير ...
وَالْبَلاَبِلَ وَالْعَنْدَليب ، تَسْتَحِمُّ في مِياهِ الْجَدَاوِل ،
وَتَرْقُص على مُوسيقَى كَأنْغامِ الْخَرِير ...
ودَوَام ، DAWAM ، بِجمالها الدانِمَارْكِي الْفتَّان ،
وبرشاقتها المعهودة تركض بهدوءِ حولهنَ ، كرضيعٍ في السَّرير …
تتفحص وُرُود الحديقة ، وَتُرْسِلُ لِلارا عَبيقَهَا عَبْرَ الْأثِير ...
وَتُلاَمِسها بريشة طاووس ازرقٍ في يوم مطير …
والخِراف والذَّئاب ترقص معاً ببراءة وأمْن ، راغبات مُسْتَرْخِيات ،
على أنغام شلالٍ قُرْبَ النَّهرِ في سفحِ جبل الْفُرَات ،
ولكن الغِزْلانُ ترقص مُجْبَرَات غَاضِبَات ، لِمَلِكِ الغاب ...
" كُلُّ ذِي قوَّة مُهاب " ... كما كان يقول الْمَرْحُوم أبي …
لِمَ لاَ تكون هذه هي الجنة ...؟
كل الأحلام هُنا وَكٌلُ التَّنَاقُضَاتْ وَأشْكَالُ السوء والرياء …
أَوَ لَيْسَ بِأَضْدَادِهَا تَتَمَيْزُ الأَشْيَاء ...؟
كل شيء هنا :
الهدوء ... الجمال ...أمُوزَّارْ ... الخداع ... الحب ... الحرية ... الدَّعارَة ... العهارة ...
السعادة ... المرارة … الارق ... الْعَرَق ... الشقاء … مالاباتا ... التهريب ... بَسُورَ …الفجور … الغيرة ... الاوهام … ... الجنون…التجسس … النميمة ... صداع الراس ... الشقيقة… الحيلة …الْمَصَائِب ... ال … ال ...
وَالنِّفاقُ الْأكْثَر شُمُولِيَّة … فيهِ الْكُلُّ يَعُوم ...
والانفجار الديموغرافي مع الأُمِّيَّةِ والجوع ..!
والاوساخ والقاذورات تَمْلأُ كل مكان ..!
في بلاد يؤمن اهلها : " ان النظافة من الايمان " …!!!
وهؤلاء البشر الْبُسَطاء ،
ينتظرون وينظرون دَوْماً وَأَبَداً يُحَدّْقونَ إلى السماء…!
مُرْتَجِفُون مٌرْتَعِدُونَ مستلبون كَمَنْ في خَطَرْ ..!
ذيَتَضَرَّعُونَ ، ويُصَلُّون ، ويرْجُونَ ، وَيُلِحُّون ، ويَطْلُبُون …
عَلَّهَا تُمْطِرُهُمْ خُبْزَاً ... وَحَشِيشاً ... وَقَمَرْ ...!!!
آهٍ … أَيْنَكٌ يَا طَوَفَانْ ...؟ وَأَيْنَكَ يَا تْسُونَامِي ...؟ وَأَيْنَكَ يَا مَطَرْ...؟
وبساطة سُكَّان باسو الأبْرِيَاء …
الذين يدورون مع الزمن كما يدور …
مُتَسَاهِلِينَ مُسْتَكِينين لِلْجَبَرِيَّة والْقَدَرِيَّة وَتَقاليدَ بائِداتِ الْعُصُور ...
بلا فاعلية او فعل ما عدا مفعول ... وَكَأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ وَسُكَّانِ الْقُبُورْ ..!
وصوت حبيبتي الموسيقي الذي يحمله النَّسيم بَعيداً عَبْر الْمَدَى وَالنَّدَى ،
لِيَنْسابَ بِهدوءٍ في الْكَوْنِ في سُكونٍ وبِلا صَدَى ...
وإلى ضِفَافِ البِحارِ وأجواءَ فَراديس الْجِنان ،
وَوَجْهُ رَبِّنَا المُنْتَشر في كُلِّ ذَرَّةٍ والْمُتَمَوْضِع في كُلِّ مكان …
وَأَنَا الْمُتَأَمِّلُ بِابْتِهَاجٍ وازدراءٍ وقَرَفٍ مَسْرَحَيَّات الزَّمَانْ …
عَلى خَشَبَةِ حياةٍ بِدُوِنِ أمْنٍ وَلاَ اسْتِقْرارٍ ولا أمانْ ...
لِمَ لاَ تَكُونُ هذه هي الجنة التي وعد الله بِها عِبادَ الرَّحْمَان ...؟
لماذا ... ؟ لماذا ...؟
أنا لا أُريدُ تَعْوِيضاً أَوْ بَديلاً عن هذه الجنة يا الاهي مَهْما كانْ …
وَأرْفُضُ كل جَنَّاتِكَ السَّبْع جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً …
خُذْ كُلُّ مَا لِي مِنْ رَصِيدِ الْحَسَنَات ، إِنْ كُنْتُ قَدْ عَبَدْتُكَ يَوْماً ،
وساعِدْني لأَعِيشَ مَعَ حبيبتي الْيَوْمَ هُنَا …
فِي جَنَّةِ بَاسُو لاَ فِي جَنَّاتِكَ السَّرَابْ …
وَلَوْ تُذِيقُنِي كُلَّ صنَوفِ الْعَذَابْ ..!
***
شَعَرْتُ بقلبي يذوب . يَنْدَثِرْ ... وروحي تَذْبَلُ بِكُلِّ سُرْعة ..!
وَوُجُودي الْمُتَراكِم الْإحْباط يَنْهار . يَمُوت ... ويَنْطَفِئُ بِهُدُوءٍ ، كَشَمْعَة .
ودموعي تَنْهَمِرُ بغزارةٍ ومرارة …
أحسستُ بانفعالٍ شديد داخلي ، ضَبابي ،
خَليط مِنْ حَنين ، وَهِيسْتيرْيا وَأَنِين ...
في شَخْصِي ... في أَنايَ ألْفُ انْفِصام ...
وأمراضٍ مِنْ مالَنْخولْيا ، وهفواتٍ عِظام ...
على كل السواحل والضِّفاف ، أرْسى ولا أتَرسَّى ...
لا يَسْتَوْعِبُني أيُّ مكانٍ في الدُّنْيا ، ولا أيُّ مقام ..!
أحس بضَبَاب عاطِفِي غامِض يكْتَسِحُني ،
وَضَميرٌ حائِرٌ مُتَمَلْمِل ، أحْيَاناً بِسَبَبِ لارا دَوْماً يُوَبِّخُني ...
وَجُرْحٌ عميق يُؤْلِمُني ... ويَأْسٌ يُداهِم كل مشاعِري ، يُمَزِّقُني ...
وَفَرَاغٌ في أَعْمَاقِي الْهَشَّة ، يَأْكُلُني ...
شعرْتُ أنَّ سَائِلاً ساخِناً ، قَدْ يَكُونُ دَمِي ، يسيلُ في أحشائي ،
مِنْ كَثْرَةِ نزيف جروحي ، وأَسَايَ الْعَمِيقَيْن ...
وَأَحْسَسْتُ بِطَيْفٍ مِنْ عُقْدَةِ الذَّنْب كذالِك تَنْسابُ على ضميري ...
وبدَأْتُ أتساءل مع نفسي :
ـ أَتٌرَانِي ، في هَذَياني جَرَحْتُ أحداً بهفوات لساني ...؟
ـ أَغْفِرْ لِي إِلاَهِي كُلَّ بُهْتَانِي وَذُهَانِي …
واغْفِري لي حَبيبتي لارا ، تَدَفُّق هفواتي وعُصابي وَهَذَياني ،
فَأَنْتِ الْوَحِيدَة مَنْ أغْرَقْتِني في ذُهاني وَجُنوني ...
وَلَكِنَّكِ أَشْعَلْتِ إِلْهَاماً سَاطِعاً مُشْرِقاً في كُلِّ فُنُونِي ..!
***
إستلقيتُ مُسْتَرْخِيآ عَلَّني أَسْتعيد قوَّتي وهُدُوئي ، وتعود إِلَيَّ سكينتي …
قمْتُ مِنْ مكاني ، شربت جرعة شاي ، أشْعلت سيجارة ،
وذهبت إلى الشرفة أتأمَّلُ مشهد باسو في لَيَالِي الشتاء ،
لَعَلِّي أُخَفِّف من حِدَّة انفعالي وحالة الإحباط والحٌزْن اللذان أرْهَقاني ،
وانفظ عني كل هذا الشقاء ، الَّذي أصْبَحَ يُلازِمُني كالظِّلِّ أوْ كَالْوَبَاء ...
وأنا خائِفٌ أنْ يَنْقطِعَ يَوْمأ بَيْنَنَا ، كَمَا وَقَعَ الْيَوْم بِالذّات ،
بِسببِ المُصيبة فدوى ... حَبْلُ الرَّجَاء ..!
أنظر إلى تلك الحقول المزدهرة ، والشلالات العملاقة ، والزرافات تستحم تحتها مع ديناصورَيْنِ صغيرين ، وكائناتٍ أخرى من خلق البشر . والشواطئ الصخرية اللامعة ، وقد بلّلتْها مياه الامطار وتلاطم الامواج عليها ، واحتلَّتها طيور النورس في موسم الحب لتكوين الاسر ... أتأمْلُ في الأُفُق ، جبالآ بعيدة ، وقد لَفَّ الضباب قممها ...
والطيور المختلفة المستحمة في البرك الصافية المياه …
وَأُخْرَى تَتَرَاقَصُ مُتَرَنِّحَةً سَكْرَانَةً في عُمْقِ السٌّمَاء .
وَأَنْوَاعُ الْأَسْمَاكِ تُشَارِكُ الْعُرْسَ الْكَوْنِي بِزَغَارِيد منْ تَحْتِ الْمَاء ...
وقَوْسُ قُزَح فوْقَ كُلِّ هذا ، يَنْثُرُ سِتارَ ألْوانِهِ في أنْحَاءِ كُلِّ فضاء ..!
***
كلّ شيء يُبْهِر في هذا المكان ، لِسَرَيَانِ هَفَوَاتِ لارا ، وَمُخَدِّرُها الْفَعَّال ...
كَأَنَّكَ في عالَمٍ عَبَثِي ذُو مَفْعُولٍ سِحْرِي ، لاَمَعْقُول ... يُسَيِّرُهُ دَجَّالْ ...
وَأنا ، كَإِبْليس الْحَزينْ ... غارِقٌ في الْأنين ...
مُسْتَكِينُ لِهذا السِّحْرِ تَتَنَاوَب عَلِيَّ فُصُولُ الرُّوحِ وَتَغَيُّرالأَحْوالْ ..!
وَفِي عَقْلِي يَنْسَابُ ضَبَابٌ وَجُنُونٌ ... وَسِحْرٌ ... وَحُبٌّ ... وسُكون ..!
وَخليطٌ مِنْ جَمَالٍ وجمالْ ..!
أنا في قِمَّةِ السُّكْرِوالطُّمَأْنينةِ وَالسُّكُونْ ،
أسْبَحُ في الْفَلَك وَالْفُلْكْ ، والسكر يعْبَثُ بي في مُجونْ ..!
فَكَيْفَ يُمْكِنُ نِسْيان هذا الواقِعِ الشِّبْهَ الْمُحالْ ...!؟
وفي مُعْتَرَكِ هذا السَّعير . أَخُوضُ مَعارِكَ أهْوَلُ منْ معارِك دون كيشوطْ .
لكِنْ بِدونِ سُيوفٍ ولاَ حَفْنَة آمالْ ..!
وأُحاوِل عبثا نَيْلَ الْمُسْتَحيلِ الْبَعيدِ الْمَنالْ ...
وَأعْلَمُ عِلْمَ الْيَقينِ أنَّني ، مَا أنا إلاَّ عَابِثٌ بِالْعَبَثِ كالْأحْمَقِ المَهْبول ..!
وَأنَّ هذا الْعالَم مُنافِقٌ غَيْرُمَنْطِقِي وَلاَ مَعْقُولْ ...
وَلَوْ أَنَّهُ مَليءٌ بِكُلِّ الْأماني الزّائفَةِ والسَّراب وَالْوُعودْ .
إِلاَّ أنَّهُ وُجودَ لاَ يَسْتَحِقُّ أيَّ وُجُودْ ...
وَأنَّ الْإنْتِحارْ ، يَبْقَى في الْأخِيرْ أجْدَى اخْتِيارْ ...
***
هدوء باسو ، ليس له نظير ولا مثيل ... وَفي الْجَمَالِ لاَ شَرِيكَ لَه كالْبهاء .
ولا سيما في فصل الخريفِ وفَصْلِ الشِّتاءْ ...
لولا هذه الأبْنية المتناثرة هنا وهناك ، وأعْمِدَةُ الكهرباء المهترئة ...
لظننت نفسك في عدن ..!
بٍمُناخه المعتدل ، وجغرافيته المريحة ، وتاريخه الْمُنْبَعِثِ بِعَناءْ ...
وسٌكَّانه البسطاء ، وأطفاله الأبْرياء ، وقططه الوديعة ، وكلابه الضالة اللطيفة ...
وَنِسَائِهِ الْمُتَحَارِبَات بَيْنَهُن بِشَراسَة وبِدُونِ رَأْفَةٍ أوْ حَنَانْ ......
وَضَجِيجِ أوْلاَدِهِنَّ الْحاد الَّذي يَصُمُّ كُلّ الْآذَان ..!
وَشُيُوخِهِ الّذينَ يَسْقُطُونَ ضَحَايَا عُدْوانِ بَعْضَ ضَحايا الشَّقاءْ ...
وَهَذَا يَحْدُثُ غَالِباً بَعْدَ صَلاَت الْفَجْرِ أَو تَراويح الْعشَاءْ ..!
حَيْثُ الظَّلاَم شَريكٌ يُخْفي الْجَرِيمَة عَنِ السَّمَاءْ ...
والعوز والفقر والحاجة ، وَرَاءَ كُلّ هذا ظاغِطٌ كَالْفَناءْ ،
مُحَرِّكٌ شَرِه ، يُحَرَّكُ النَّاسَ لِلصِّرَاعِ مِنْ أجْلِ حِفْظِ الْبَقَاءْ ...
باسو جنة الدنيا :
آدم جالس في الظّْلِّ تَحْتَ الشَّجَرَةِ المُحَرَّمَة ، يَسْتَرِقُ النَّظَر ،
وَعَيْنَاهُ مَشْدُوهَتانِ مَشْدُودَ تَانِ دَوْماً إِلَى التُّفَّاح ...
وحَواء تُراقِبُهُ مِنْ بَعِيد ، وَتُدَاوِي مَا سَبَّبَتْهُ لها فَدْوَى مِنْ صَدَمَاتٍ وَجِرَاحْ ..!
وَهِيَ تنتقل بين هذا السِّكْتُور الطَّويل أوْ ذاك ...
تَقْطِف وُرُوداً حَمْراء وَبَيضاء كَيُنْبوعٍ لِدَراما الْمُسْتَقْبَل ....
وَمَنالْ الرَّضيعَة ، وَسِهام الْمُطيعة ،
تَرْكُضانِ وراءَ كُرةٍ خضراء دَحْرَجَها النَّسيم ،
وهما تَضحكان بِبَهْجة وبَراءةِ الملائكة … في مَرْآى عَظيمْ .
وَهَا هِيَ ، تَرُشُّ الورْدَ بماء الجداول الصافية ، فَتَاتُنَا إِكْرَامْ ...
وَدَوَامْ تَلْعب مع زَرَافَةٍ بَيْضاءْ تُشَارِكُهَا الْفُضُول صَدِيقَتُها أَحْلاَمْ …
وَمَحَاسِن ، كأميرة ، رَاكِبَةٌ فَوْقَ لَبُؤَة يَتْبَعُها نَمِرَانِ بِكُلِّ سَلاَمْ ...
وَالْقِدِّيسَة سَنَاءْ تُوَاسِي الْحَزِينَ إِبْلِيس بِسَبَبِ حَبِّهِ الْوَلْهَان لِفَاتِنَتِهِ حَوَاءْ ...
قَافِلَةٌ مِنَ الْمُتَناقِضَات وَالْمُعانات وَاللاَّمَنْطِق وَاللاَّمَعْقُولْ ..!
نَجُرُّها عَبَثاً مُرْغَمِينَ وَبِدُونِ سُؤَال ولا خَجَلٍ وَلاَ أيَّ فُضولْ ...
أيُّ صِنْفٍ مِنَ الْكَائِناتِ نَحْن يَا تُرَى ...؟
دِيناصورات ... ثعابين ... كِلاب ... صَرَّارٌ كَسولْ ...؟
نَتيهُ في الدُّنْيا بِضَميرٍ ذابِل ولِسانٍ طَويلٍ ثَرْثار وبدونِ عُقولْ ...
لا تُحَرِّكُنا إلاَّ الشَّهَواتْ والْحِقْد والنَّزَعات والنِّزاعات والصِّراع الْمَرير .
نَأكُلُ الْخُبْزَ المُقَدَّس بِشَهِيَّة قُصْوَى مع لحْم الْخِنْزيرِ ،
نُضاجِعُ كل العاهرات والدّاعِرات وكل مومْسات الحارات ،
وَنَرْنوا كالْعابِدينَ إلى نُهُود وسيقانُ الْبَناتْ ...
وَنَقولُ سُبْحانَ اللهِ واللهُ أكْبَرْ ..!
وَكَأنَّنا في رِحابِ مَكَّةَ في خُشوعٍ وذُهولْ ..!
نَخْلِطُ للشَّراب ماء زَمْزَم بالْكُحولْ ...
لِنَرْقُصَ ثُمْلَى وَسُكَارَى في الطَّوافْ ...
لماذا لا يكونُ باسو هو الجنة . وتتحوَّل قذارته إلى حدائق غَنَّاء ...؟
وبساطة وعيِ أهْلِه إلى عمْقٍ في الحكمة والأفكار ... ويُصْبِحُ بار الهواء الطَّلْقِ مُلْتقى لِلْعُشَّاقْ تحت الصُّبّار ، حيْثٌ كُنْتُ أَقْضي ساعات وسط حِجارَتِهِ وَأشْواك نباته ، وَكَأَنَّني في الْفِرْدَوْسِ ، مُحْتَكِراً كل سعادة الدُّنيا لِوَحْدي أنا ... أَجُوبُ بَراريه وفيافيه ، مُحَاطاً بِالْكِلاَبِ وَالسُّكَارَى ،
وَزُمْرة مِنَ الْمُتَسَكِّعِينَ والْمُتسَوِّلينْ والْقَطَطْ ...
وَأَنا أُناجيها وَأَسْمَع كُلّ ما يجولُ في بيْتِها وقلْبِها لِساعاتْ ،
وَهِيَ في مَزْرَعَةِ أبِيها في تِطْوَانْ .
وأنا معها دَوْماً على الهواء ولْهانْ ..!
وأحْيانآ ، خلال المساءْ ،
وأحْيانآ ، خلال المساءْ ،
بعد جلسة السَّمّر على رصيف سناءْ .
تقوم لارا بِجُرْأَتِها المَعْهودة ،
بحركاتها الرّائعة وقامتها الْممدوة ،
وترْكُبُ دَرَّاجة لِتَقومَ بِدَوْرَةٍ قصيرة في أَزِقَّةِ الْحَيِّ ،
وَأُخْتِي سَنَاء خَائِفَة عَلَيْهَا تُحَذِّرُهَا ...
والزهرة كردارٍ ثابت فوق السطح بعنايةٍ تتأملها .
وَأَنا أُنَبِّهُها بِلُطفٍ وَأُحَرِّكُ اصْبَعي حُبّاً لها وخَوْفَآ عَلَيْها :
ـ عَنْدَكْ اَطِّيحِي اَلَحْبِيبَة.
فَتُجيبُني مُبْتَسِمَة ضاحِكَة ، وَهِي كالْعِفْريتة تَغْمِزُ لي :
ـ " وَعْلاَشْ ... كَتْخَافْ عْلِيَّ ... كَتَبْغِينِي ...؟ "
يا لهذهِ الْكَلِماتْ كَيْفَ لَكَ أَنْ تَنْساها ...؟!
سُبْحَانَ مُرْسِلُهَا وَمَرْسَاهاَ وَمَغْزاها ...!
***
تَقُولُ كُلَّ هذا بِابْتِسامَةٍ حُلْوَةٍ تُحَيِّرُني ...
تُحَوِّلُني إلى تِمثالٍ ، تُجَمِّدُني ...
تَنْظُرُ إلَيَّ بِنَظراتٍ تُلْهِبُني ...
بِحَرَكاتِها تُميتني وتُحْييني ...
بِضَحكاتِها تُفْرِحُني وَتُجَنِّنُني ...
بِنَبَراتها تُذَوِّبُني ...
وَبِعِباراتها الرقيقة تُبْهِجُني ...
لاَرا دَوْماً تُسْعِدُني وَتُعَذِّبُني ...
لِماذا حَبيبَتي كُلَّ يَوْمٍ سِحْرُكِ يَقْتُلُني ويَقْتُلُني ويَقْتُلُني ؟
***
في هذه اللحظة بالذات ، وأنا دَوْماً في شُرْفتي ،
مُسْتَرْسِلٌ في تدوين ذكرياتي ، وصفحات من قصة حياتي ،
أنْتظِرُ مُرُورَها المُعْتاد لِلذهاب إلى العمل …
رَنَّ صوتُ هاتِفي ، تَنْبيه ... !!! وعرفْتُ أنْها ستمُرُّ الآن ..!
***
في ضَبابٍ مُنْتَشِرٍ يَسْبَقُ الْمَوْكِب الملكي ...
وَأنْغَامٍ كَالْأَحْلاَمْ ...
وَرَقَصاتٍ لِفَتَياتٍ وملائكة كالْمَنامِ كِرام ...
فألْقَيْتٌ نظرةً في الأُفق أمامي لأَراها قَادِمَةً في مَوْكِبِها المَلَكي ،
مِثْلَ الْجَنَّة ..!
مَثْل كُلِّ جمال الدُّنْيَا ..!
جَلَّتْ جَلاَلَتُكِ مَلِكَتي ...
فَمِنْكِ تُشْرِقُ الشُّمُوسَ وَتُشِعُّ أَنْوَارُ الْكَوْن ..!
ومن عينيكِ تسطع البراءة والصّفاء ..!
وَنَسيمُكِ يَبْعَثُ في قَلْبي السَّكينَةَ وَالْهُدوءْ ..!
***
مارَّةً كَالْكَعْبَةِ ... كَالْمِحْرابْ ..!
مَارَّةً مِنْ جَديدٍ لِتُفْقدَنِي الصَّوابْ ..!
مَارَّةً كَالنَّيْزَكْ ... كَالشِّهابْ ..!
لِتُحْرِقُني ... لِتَخْتَرِقَني كَالسَّهْم وَتَقْذِفُني كالْعادَةِ في العذاب ...
مَارَّةً من جديد ، بَهِيّة ، وبهيئةٍ ملائكية تُثيرُ الإعجاب ..!
مَارَّةً بنقابٍ أو بدون حجاب ،
لِتُلهمني الشّوقَ والاِغتراب ..!
لابِسَة أَلْوَاناً سَوْداء رَمادية فائِقَةُ الإنْسِجام ...
ذَوْقُها في الأَنَاقَة اكثر من رَفيعْ …
لَكِنَّها أَلْوَانُ الْحِدادِ وَالإكْتِئاب ..!
وَبِمَشْيَتِها الإلاهية الْهادِئة ،
تَبْدٍو كَالْمَلاَك الْجَرِيح الَّذِي يَدْفَعُنِي كٌلَّ يَوْمٍ ،
رُوَيْداً رُوَيْداً ... وشَيْئآ فَشَيْئآ ،
إِلَى حَافَةِ الْجُنُونْ والشجون والانهيار وَالْإنْتِحَارْ …
شَخْصَانَا وَاحِد ..!
نَشٌدُّ على أَيْدينا بِحَرارَة وَفِي خَفَاءْ ...
نَمْشِي مُتَعَثِّرِينَ ، لَكِنْ بِكِبْرِيَاءْ ..!
وَنَسْتَأْنِفَ الَّطرِيق الْمَلِيئَة بِالظُّرُوفِ الْمُعاكِسَةِ وَالاشْوَاكْ …
نَجُرُّ وَرَاء نَا قدَرَنَا الْمَجْهُول وَالْعَسِيرْ …
وَهَائِمِينَ دُونَ مَعْرِفَة الْمَصِيرْ ..!
Commentaires
Enregistrer un commentaire